مفهوم  السوق والشفاعة
  • فما هو المفهوم الصائب للشفاعة؟
  • ولماذا يستبعد المصلح الموعود (رض) مفهوم الوساطة السائد؟

____

وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً (مريم 87)

 شرح الكلمات:

نسوق: ساق الماشيةَ سَوقًا وسِياقًا واستاقَ استياقًا: حثَّها على السير مِن خَلْفٍ (الأقرب).  وساق الحديث: سرَده (المنجد).

التفسير:

يسمى أمير الجيش في اللغة العربية قائدًا، لأنه يقودهم أي يمشي أمامهم. ولكن في الغرب يكون أمير الجيش في الوراء عادة، فهو إذًا سائق لا قائد بحسب اللغة العربية، لأن السائق هو من يمشي في الوراء مثل سائق الإبل الذي يسوقها من ورائها، أو سائق المجرمين الذي يحثهم من ورائهم على المشي إلى الأمام لعدم رغبتهم في ذلك. والدابة تريد أن تذهب حيثما تشاء، بينما يريد صاحبها أن يأخذها للعمل أو للسقي، لذا فهي لا تمشي برغبتها وإنما برغبة صاحبها. وكذلك المجرمون لا يودّون أن يُعرضوا على الحاكم فلذا يكون لهم سائق يسوقهم إليه. فالسوق يُستعمل للدواب كالإبل وغيرها، وأيضًا للمجرمين. كما يُستخدم للضعفاء أيضًا حيث يقول الله تعالى في القرآن الكريم أنه إذا نـزل الأمر بالقتال رأيتَ فئة من المؤمنين ]كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون[(الأنفال: 7). ذلك لأنهم يفكرون في أنفسهم مرارًا بأنهم كانوا يؤمرون بأن يرحموا الناس، ويعاملوا كل واحد بالمحبة والرفق واللطف والإحسان، فكيف يأمرهم الله الآن بحرب الناس! فبما أنهم يرون هذا الحكم خلافًا لما أمروا به من قبل، فيشق على أنفسهم. فليس المراد من هذه الآية أنهم أرادوا أن يخالفوا عن أمر الله تعالى، وإنما المعنى أنهم استغربوا من هذا الأمر إذ لم يكن العمل به بالأمر السهل لهم، حيث كان عليهم أن يحاربوا إخوانهم وأقاربهم، وهو أمر يشق على المرء بطبيعة الحال. ولكن العمل بالأمر نفسه هو الذي جعلهم يفوزون برضوان الله تعالى، فسيقوا إلى الجنة.

وهنا ينشأ السؤال بأن القرآن الكريم لم يستعمل لفظ «السوق» للمجرمين والضعفاء فقط، بل للمؤمنين أيضًا. قال الله تعالى ]وسيقَ الذين اتّقَوا ربَّهم إلى الجنة زُمَرًا[(الزمر: 74)، فما معنى هذه الآية إذا كان السوق هو الحث والدفع من الوراء؟

أما المفسرون فقالوا في الجواب: ورد السوق للكفار بمعنى حثهم ودفعهم من ورائهم، بينما ورد للمؤمنين بمعنى سوق ركابهم.. أي أن الله تعالى سيكون في انتظارهم، فتسوق الملائكة ركابهم سوقًا حتى يصلوا إلى الله تعالى بأسرع ما يمكن (الرازي).

بيد أن هناك إجابتين أخريين عندي. الأولى أن الله تعالى قال عن الكافرين قبل هذه الآية مباشرة ]وسيقَ الذين كفروا إلى جهنم زُمَرًا[(الزمر: 72).. فاستعمل للمؤمنين أيضًا نفس الفعل على سبيل المجاورة فحسب. فسوق المؤمنين إنما يعني هنا الذهاب بهم من دون أدنى دفع لهم من الوراء أو الأمام أو من دون أية إشارة على إهانتهم.

والإجابة الثانية هي أن هذه الكلمة تصوير لما سيكون عليه الكافرون يوم القيامة ولما كان عليه المؤمنون في الدنيا. فالكافر يفر من العذاب، وأما المؤمن فيهرب من التنعم والرخاء، فإنه لا يريد إلا لقاء الله تعالى. فإذا كان الكافر يفر من المشقة والعناء، فإن المؤمن يعاف عيشة الترف والرخاء، ولكن الله تعالى يمنحه النعم والرخاء رغم أنفه. وهذا كما قال حضرة سيد عبد القادر الجيلاني- رحمة الله عليه- إني لا آكل الشهي من الطعام ولا ألبس الغالي من الثياب ما لم يرغمني الله على ذلك مستحلفًا بذاته (قلائد الجواهر في مناقب الشيخ عبد القادر ص 36).

إذًا فكلمة السوق تصوير لباطن المؤمن، ولا تعني أبدًا بأنه سيُدفع إلى الجنة فعلاً.

وكما قلت إن السائق يقابله القائد. ولفظ القائد ينطوي على ثلاث دلالات: شجاعة القائد، وبشاشة جنوده، وحثّه الآخرين على العمل من خلال نموذجه الحسن. والحق أن القائد الناجح إنما هو ذلك الذي يتحلى بهذه المزايا الثلاث. أي أنه ببسالته ونموذجه الحسن يرفع معنويات جنوده ويذكي فيهم الحماس للإقدام والتضحية بكل غال ورخيص، كما يجد بنفسه البشاشة واللذة في الموت في سبيل الله تعالى؛ ذلك لأن القائد يجري أمام الجيش للقاء العدو بينما يأتي جنوده وراءه. كما أن القائد الناجح من يجد جنوده أيضًا البشاشة في القتال، حيث إن كلمة القائد نفسها تتضمن الدلالة على أنه ليس بحاجة إلى النظر إلى الوراء، فجنوده يشعرون بمسؤوليتهم تمامًا، وسيلحقونه بكل بشاشة من تلقاء أنفسهم.

وهنا ينشأ السؤال بأن القرآن الكريم لم يستعمل لفظ «السوق» للمجرمين والضعفاء فقط، بل للمؤمنين أيضًا. قال الله تعالى ]وسيقَ الذين اتّقَوا ربَّهم إلى الجنة زُمَرًا[(الزمر: 74)، فما معنى هذه الآية إذا كان السوق هو الحث والدفع من الوراء؟

لقد ذُكر في تاريخ أمريكا حادث رائع يبين كيف أن القائد الناجح يفتح بأسوته ونموذجه قلوب جنوده وزملائه. كانت الولايات المتحدة الأمريكية تحت حكم الإنجليز في أول الأمر. ثم بعد أن ظلوا مستعمَرين فترة طويلة نشأت بينهم حركة تحرُّر، ولكن لم يكن عندهم جنود ولا عتاد كاف لمقاومة المستعمِرين الإنجليز الذين كان عندهم الجنود وكانوا يملكون العتاد بكل أنواعه. فتطوع الفلاحون والعمال الأمريكان لقتال المستعمرين، واندلعت نيران الثورة في كل أنحاء البلد. ولما تقوت حركة التحرير اختاروا لهم قائدًا اسمه واشنطون، وهو الذي أُنشئت باسمه مدينة واشنطون فيما بعد. لقد كان رجلاً عاديًا، ولم يكن ذا خبرة كبيرة في فنون الحرب والقتال، ولكن قلبه كان مفعمًا بالإخلاص والحماس لبلده وشعبه. فكان يتجول في البلد كله، يلقي الخطب ويلهب الحماس في القوم للجد والاجتهاد من أجل الحرية لأنها نعمة عظمى. فذات مرة رأى أثناء بعض جولاته أن الثوار يبنون قلعة وأن أحد مساعديه الذي اسمه كاربول يشرف عليهم واقفًا بجنبهم. وكان العاملون أربعة أو خمسة فقط من الجنود الثوار، وكانوا يحاولون رفع أعمدة خشبية ضخمة، ولكنهم كانوا يفشلون في ذلك رغم بذلهم الجهد الجهيد. وكان كاربول هذا واقفًا بجنبهم يحثهم بأعلى صوته على رفع الأعمدة، بدون أن يتقدم ويساعدهم في رفعها. وكان واشنطون يمر بهم على صهوة حصان أبيض، فلما رأى هذا المشهد أوقف حصانه، وسأل القوم عما يفعلون. فقالوا إن الجنود الإنجليز قادمون، فنحن نبني القلعة لحماية جنودنا. فقال فما المشكلة في بناء القلعة إذًا؟ قالوا إن الأعمدة ثقيلة جدًّا ولا نقدر على رفعها. فتوجه واشنطون إلى كاربول وقال: لم لا تساعدهم؟ قال إنما أنا مسؤول كبير، وليس علي إلا الإشراف على عملهم. فنـزل واشنطون من توّه من فرسه، وأخذ يساعد الجنود في رفع الأعمدة حتى رفعوها. فلما أراد الانصراف وهمّ أن يركب حصانه قال لـه كاربول: أريد أن أشكرك يا سيدي، من قِبلي ونيابةً عن قومي. فأجابه واشنطون: العفو، يا سيدي. كل ما أريد منك أنك إذا كنتَ في مشكلة كهذه واحتجت إلى المساعدة فعليك أن تدعو قائدك الأعلى واشنطون!

هذه هي أسوة القائد. إنه يقدم نفسه لكل عمل وخدمة، ولا يتخلف عند التضحية عن أحد، بل يتصدر الآخرين، ويحثهم على العمل بنموذجه الحسن. وإذا لم ينتفع الناس من نموذج القائد الرائع فلا شك أن حظهم تعس جدًّا.

ولقد سميتُ المسؤولَ الأعلى في تنظيم «خدام الأحمدية» في كل فرع من جماعتنا «القائدَ» لكي يفتح قلوب الناس بنموذجه الطيب.

أما كلمة ]وِردًا[ في قوله تعالى ]ونسوق المجرمين إلى جهنم وِردًا[ فمن معانيها: الإشرافُ على الماء؛ والعطَشُ؛ والنصيب من الماء؛ الماءُ الذي يُورَد؛ والقوم الذين يرِدون الماءَ (الأقرب).

لقد بين الله تعالى في هذه الآية أن الكافرين يُحشَرون حشرًا جماعيًّا أيضًا، ولكن سيخاف بعضهم من الاقتراب من البعض الآخر، فلذا يُقهرون بالضرب على التجمع، وأخيرًا يُدفعون إلى جهنم وهم بحاجة إلى أن يؤخذوا إلى حيث يزال عطشهم. وهذا بيان لشدة عذابهم بمعنى أنهم سيكونون بحاجة شديدة لأن يجدوا مكانًا فيه الماء والراحة، ومع ذلك سيُدعّون إلى جهنم دعًّا، وهي مكان يبلغ من الهول والذعر والعذاب بحيث يكرهون التوجه إليها.

لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (مريم 88)

شرح الكلمات:

الشفاعة: الشفعُ: ضمُّ الشيء إلى مثله؛ وقيل: الشفعُ: المخلوقاتُ من حيث إنها مركَّبات كما قال ]ومِن كل شيء خلَقْنا زوجين[ (الأقرب).

وورد في المفردات: الشفاعة الانضمامُ إلى آخَرَ ناصرًا لـه وسائلاً عنه، وأكثرُ ما يُستعمل في انضمامِ مَن هو أعلى حرمةً ومرتبةً إلى من هو أدنى؛ ومنه الشفاعةُ في القيامة قال تعالى ]لا يملِكون الشفاعةَ إلا مَن اتّخذَ عند الرحمن عهدًا[، وقال تعالى ]ولا يشفَعون إلا لمن ارتضى[ وقال تعالى ]ما مِِن شفيع إلا مِِن بعد إذنه[.

التفسير:

إذا أخذنا مفهوم الشفاعة المذكور أعلاه فإن مسألة الشفاعة تنحلّ تمامًا. هناك فكرة شائعة بين المسلمين بشكل عام أن كل مسلم ينطق بالشهادة سيشفع لـه النبي يوم القيامة، بل يقولون بكل فخر أن الشفاعة ليست إلا من أجل العصاة والآثمين. مع أن الشفاعة لا بد لها من تشابه وتماثل بين المرء والرسول ، وإنما يستحق شفاعته من سعى جاهدًا لأن يكون مثله ، ولكنه لم ينجح في ذلك كما ينبغي جراء بعض تقصيراته؛ وسدًّا لهذا الفراغ سوف يتوسل النبي إلى ربه ويقول يا رب، قد بذل هذا قصارى جهده ليكون مثيلاً لي، ولكن بعض تقصيراته حالت دون أن يحقق هدفه تمامًا، فألتمس منك أن ترحمه، وتعفو عن تقصيره، ولا تحرمه من قربك.

فالشفاعة ليست للآثمين العصاة، بل لها قوانين وشروط. أولها أن يكون المرء مثيلاً للشافع، وإلا فلن يشفع لـه.

وثانيها أن يكون الله تعالى راضيًا عنه، لأنه تعالى يقول ]ولا يشفَعون إلا لمن ارتضى[(الأنبياء: 29).. أي لكي يستحق المرء الشفاعة لا بد أن يكون الله تعالى راضيًا عنه.

وثالثها أن يأذن الله لشفاعته لقوله تعالى ]ما من شفيع إلا من بعد إذنه[(يونس: 4).

إذ تعني الشفاعة أن الذين يسعون جاهدين ليكونوا أشباهًا للنبي ومع ذلك يظل بعض الفراغ في كمالهم الروحاني، سيتوسل النبي إلى الله تعالى يوم القيامة من أجلهم ويقول يا رب، لقد سعى هؤلاء أن يكونوا أشباهًا وأمثالاً لي، ولكن بقي في أعمالهم بعض النقص، فألتمس إليك أن تسد برحمتك هذا النقصان. وليست الشفاعة أنهم من ناحية يزنون ويفسدون ويقتلون، ويرفعون هتافات باطلة، ويرمون الآخرين بتهم شنيعة، ومع ذلك يقولون إن شفاعة النبي حق الآثمين المذنبين.

فلو كان الإثم يجعل المرء مستحقًا للشفاعة، كما يظن عامة المسلمين، فما الحاجة لأن يضع الله تعالى هذه الشروط الثلاثة: الشفاعة (أي المماثلة) والرضا والإذن. بل يجب أن يقول الله تعالى في هذه الحالة إن كل من يصبح آثمًا فإن محمدًا رسول الله سيتولى شفاعته يوم القيامة.

الحق أن المرء لا يستحق شفاعة الرسول أبدًا ما لم يصبح مثيلاً لـه. إنما مثل الشفاعة كأن تذهب إلى السوق لشراء فاكهة المانجو من نوع معين، فتذكر للبائع حاجتك. فيعطيك أجود ما عنده من حبات هذا النوع، ولكنك تريد المزيد وهي غير متوافرة لديه، فتقول لـه: حسنًا أعطِني من النوع الذي يشبهه جودةً، فيعطيك حبات من نوع آخر ليس مثله تمامًا ولكنه مقارب لـه؛ فتأخذها أيضًا. ولكنك لن تأخذ مكان المانجو حبات من نوى المانجو أو قشورًا للموز أو حذاء باليًا مثلا، إنما تأخذ المانجو من نوع مقارب وإن كانت أقل جودة وأصغر حجمًا بعض الشيء.

وبالمثل لا بد للشفاعة من نوع من المماثلة. إذ تعني الشفاعة أن الذين يسعون جاهدين ليكونوا أشباهًا للنبي ومع ذلك يظل بعض الفراغ في كمالهم الروحاني، سيتوسل النبي إلى الله تعالى يوم القيامة من أجلهم ويقول يا رب، لقد سعى هؤلاء أن يكونوا أشباهًا وأمثالاً لي، ولكن بقي في أعمالهم بعض النقص، فألتمس إليك أن تسد برحمتك هذا النقصان. وليست الشفاعة أنهم من ناحية يزنون ويفسدون ويقتلون، ويرفعون هتافات باطلة، ويرمون الآخرين بتهم شنيعة، ومع ذلك يقولون إن شفاعة النبي حق الآثمين المذنبين. كلا، بل إن الذي يسعى جاهدًا لاتباع خطوات الرسول ، ويسعى كل السعي لاقتداء  الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – ولكن يظل في أعماله بعض النقص، فإن الله تعالى سيكشف على النبي جهوده ومساعيه، فيتوسل النبي إلى الله تعالى مسترحمًا لـه ويقول يا رب لقد بذل عبدك هذا جهده كما ترى، ومع ذلك تخلّف، فسُدَّ له هذا الخلل بفضلك ورحمتك. وهذا ما يؤكده أهل اللغة أيضًا حيث يقولون لا بد للشفاعة من أن يكون الواحد مثل الآخر، فإنما الشفاعة هي ضم شيء أدنى إلى شيء أعلى مِثلِه. وهذه هي الحقيقة التي يبينها الله تعالى هنا بقوله ]لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا[.

(يُتبع)

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via