- المعنى اللغوي للفظ “طه”
- وقيمة الكمالات المحمدية في ميزان الفطرة.
- وكيف أن سيرة النبي r جسدت المعنى الأتم للإنسانية الكاملة قبل البعثة وبعدها!
_____
التفسير:
لقد قلت في تفسير سورة يونس لدى الحديث عن المقطعات القرآنية أن لفظ طَه أيضًا منها. ولكن تبين لي بالمزيد من التدبر في اللغة وفي أقوال المفسرين ومضامين هذه السورة أن «ط» أو «هـ» هنا ليس اختزالاً لكلمة أخرى، بل هما كلمة مستقلة ومعناها «يا رجلُ». فقد ورد عن هذا اللفظ ما نصه: إنها بمعنى «يا رجلُ» في لغة عُكَلٍ وفي لغة عَكٍّ. قال الكلبي: لو قلتَ لرجل مِن عَكٍّ «يا رجل» لم يجبْ حتى تقول «طه». وقال قُطْرُبُ: هي كذلك في لغة طيّ» (تفسير فتح البيان).
علمًا أن قطرب كان من كبار اللغويين والنحاة، وكان من أبرز تلاميذ سيبويه. وقد ذكر صاحب «لسان العرب» أيضًا هذا الاستعمال. فبما أن شتى القبائل العربية قد استعملت هذا اللفظ بمعنى «يا رجل» أي «أيها الرجل الكامل القُوَى» فقد اعتبرتُ سورة طه تسلسلاً لموضوع سورة مريم.
لقد أُشير بلفظ «طه» أن محمدًا رسول الله يتحلى بجميع صفات الرجولة مثل الشجاعة والسخاء ومقاومة السيئة وغيرها على وجه الكمال، لذلك فهو الوحيد بين البشر أجمعين الذي يستحق بكل جدارة أن يسمى الرجل الكامل.
وعندما نفحص التاريخ يتبين لنا أن محمدا رسول الله كان إنسانًا كاملاً حقًّا، ومتصفًا أتمَّ اتصاف بجميع المزايا الحسنة التي يجب توافرها في رجل كامل القوى والصفات. خذوا مثلاً صفة مقاومة السيئة، فدراسة حياته من هذه الناحية تكشف لنا أنه كانت في قلبه الطاهر المطهر رغبة عارمة لمقاومة السيئة لا نجد لها مثيلاً في العالم. وقد دفعته هذه العاطفة الفطرية فيه، حتى قبل بعثته، إلى أن يبحث عن الطريق الذي يؤدي به إلى معرفة الله تعالى. كان الكفر والشرك سائدين في كل مكان حوله . لم يكن هناك أمة إلا وكانت تشرك بالله وتعبد الأوثان. فكان حوله اليهود والنصارى وأهل مكة، وكانت هذه الطوائف الثلاث كلها منغمسة في الشرك. فأهل مكة، الذين كان النبي
يعيش بينهم، كانوا غارقين في الوثنية كليةً حتى كانوا يعبدون في الكعبة أيضًا ستين وثلاث مئة صنم (البخاري: كتاب المغازي، باب أين ركز النبي الراية). أما اليهود والنصارى فكانوا منغمسين في الشرك أيضًا. لا شك أن اليهود كانوا يرفضون الشرك بأفواههم، ولكنهم اتخذوا واحدًا من أنبيائهم ابنًا لله وقالوا عزيرٌ ابنُ الله(التوبة: 30). وكان المسيح قد عدهم مجرمين جراء مخالفتهم وعصيانهم، فكيف يمكن أن تهدي هذه الأمة المجرمة الآخرين. وأما النصارى فكانوا مشركين إذ كانوا يؤمنون بثلاثة آلهة بدلاً من إله واحد. فلما رأى النبي أنه لا يوجد عند أي واحد من هؤلاء الطوائف أي أثر لمعرفة الله تعالى وتوحيده وتفريده، وأنهم جميعًا ساقطون في الهوة المظلمة للكفر والشرك، رغب بشدة في أن يبحث عن سبيل مرضاة الله تعالى. ولقد استولت عليه هذه الرغبة حتى عاف الدنيا وكرهها، وأخذ يتجنب مجالس القوم الذين كانوا يعبدون الأصنام ليل نهار، متبرئًا من الوثنية المنتشرة حوله. ولما كان محاطًا بالوثنيين من كل طرف بحكم إقامته بينهم، حيث كانوا يقدمون القرابين والنذور لأوثانهم، ويقرضون الشعر مدحًا لأصنامهم، فكان من المحال أن يعتزلهم كلية، فقرر أخيرًا أن ينفرد في مكان ليبتهل إلى الله الواحد الأحد ويستعين به حتى يهيئ من عنده أسباب الهدى. فكانت السيدة خديجة رضي الله عنها تزوده بالطعام الذي لم يكن كطعام الناس اليوم، إنما كان عبارة عن التمر والسويق واللحم المجفف. فكان يذهب بهذا الزاد إلى غار حراء الذي يبعد عن مكة ثلاثة أو أربعة أميال، حيث يقضي عدة أيام في الذكر والعبادة والدعاء، حتى يهديه الله تعالى وغيره من الناس إلى السبيل الذي يؤدي بهم إلى الله تعالى.
وعندما نفحص التاريخ يتبين لنا أن محمدا رسول الله كان إنسانًا كاملاً حقًّا، ومتصفًا أتمَّ اتصاف بجميع المزايا الحسنة التي يجب توافرها في رجل كامل القوى والصفات. خذوا مثلاً صفة مقاومة السيئة، فدراسة حياته من هذه الناحية تكشف لنا أنه كانت في قلبه الطاهر المطهر رغبة عارمة لمقاومة السيئة لا نجد لها مثيلاً في العالم.
إن هذه الرغبة النابعة في قلبه كانت رغبة غير عادية، وكانت أسمى من الاستعانة بالبشر، إذ ما كان لبشر أن يساعده في تحقيقها. في الأمور المادية يمكن أن يساعد المرءَ أقاربُه وأصدقاؤه بالقوة أو بالمال، ولكن ما كان لأي قوة بشرية أن تعينه في مقصده هذا بشكل من الأشكال. لو كان في زمنه أي دين حق لاستعان به في تحقيق رغبته، ولكن لم يوجد في الدنيا عندئذ أي دين حق، بل كانت الأديان والطوائف كلها منغمسة في الشرك والوثنية. فما كان ثمة قوة يمكن أن تساعده في شفاء غليله للتوحيد الإلهي إلا الله تعالى وحده. كانت زوجته خديجة – رضي الله عنها – زوجة وفية ومواسية لـه ، ولكن ما كان بوسعها أيضًا أن تساعده بهذا الشأن. ولم يكن أصدقاؤه ولا أقاربه قادرين على ذلك. ولم يكن رهبان النصارى بقادرين على تقديم أي عون له. كما لم يكن بوسع كهان مكة أن يساعدوه بهذا الشأن. كان هؤلاء أنفسهم ضالين، فأنى لهم أن يساعدوه شيئًا! إن فطرته كانت أفضل من كل هؤلاء حيث كان يكره الشرك منذ نعومة أظفاره كرهًا شديدًا. فذات مرة قابله زيد بن عمرو – وكان عمًّا لعُمر ، وكان قد تاب عن الشرك في زمن الجاهلية، وكان يعتبر نفسه من كبار المحاربين للشرك – وبعد الحوار دعاه النبي إلى الطعام، فقال إني لا آكل طعام المشركين. فقال إني لم أشرك قط (البخاري: كتاب المناقب، باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل). ولكن هذا الشخص كان قد تبرأ من الشرك نتيجة صحبة اليهود، وأما النبي فقد خُلق بفطرة تعاف الشرك بشدة. لا شك أنه قد اطلع على أحكام الله تعالى وتفاصيل الشرع من خلال الوحي من عند الله تعالى، ولكن فيما يتعلق بحب التوحيد وكراهية الشرك بشدة فكانا مغروسين في فطرته من أول يوم. كان يعلم أن الله تعالى واحد، ويجب أن يكون واحدًا، ولكنه كان لا يعلم السبيل للوصول إليه ولمعرفته . وبحثًا عن ذلك السبيل كان يذهب إلى غار حراء ليعبده هناك. وفيما هو في عبادة الله تعالى ذات يوم ظهر لـه ملاك وقال لـه: “اقْرَأْ”. فقال : “ما أنا بقارئ”. فضمه الملاك إلى صدره بقوة ثم تركه وقال: “اقْرَأْ”، فقال : “ما أنا بقارئ”. فغطّه الملاك ثانية بقوة أكثر وقال: “اقْرَأْ”. فقال : “ما أنا بقارئ”. فضمّه الملاك ضمة شديدة جدًّا، وقال: اقْرَأْ باسْمِ ربِّك الذي خلَق * خلَق الإنسانَ مِن عَلَقٍ * اقْرَأْ وربُّك الأكرمُ * الذي علَّم بالقلم * علَّم الإنسانَ ما لم يعلَمْ (البخاري، باب كيف كان بدء الوحي).
هذه الآيات هي أول ما نـزل على النبي من الوحي في غار حراء. ومن الملاحظ هنا أن الله تعالى لم يقل لرسوله إنه سيهب لـه العلوم التي قد نسيها الناس، بل قال إنه سيهب له ما لم يعلَمه أحد من قبل. ذلك لأنه لو قال لـه سأعلّمك ما نسيه الناس لكان معنى ذلك أنه سيعطيـه ذلك العلم والهدى الذي سبق أن وهبه لإبراهيم أو لنوح أو لموسى أو لعيسى وغيرهم من الأنبياء، ولكن الناس قد نسوه الآن. بل قال الله تعالى لنبينا علّم الإنسانَ ما لم يعلَمْ.. أي سأعطيك العلوم التي لم أعطها آدم ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا غيرهم من الأنبياء والرسل. فالواقع أن الله تعالى قد أخبره في أول وحي له أنه سيجعله “خاتم النبيين”، وأنه سيمنحه التعليم الذي لم يعطه أحدًا من النبيين من قبل. وهذا يعني أن الوحي الأول نفسه قد أشار إلى الحقيقة التي ينطوي عليها لفظ طه، حيث بين الله تعالى أن محمدًا متحلٍّ بالقوى الروحانية الكاملة، ولذلك سيعطى تعليمًا كاملاً غير خاضع للتبديل والتغيير.
ثم بعد ذلك بدأت مرحلة جديدة أكدت أنه كان «طه» في الحقيقة، وأنه كان بالفعل متحلّيًا بجميع الكفاءات والصفات التي يجب توافرها في الإنسان الكامل. قال الله تعالى له اقْرَأْ.. أي اذْهَبْ وبلِّغْ رسالتي إلى الدنيا. ولم تكن هذه بمهمة سهلة. فلقد رأيتَ أن الله تعالى لما أمر موسى بأن يذهب إلى فرعون ويبلغه رسالة الله تعالى قال موسى خائفًا واجعَلْ لي وزيرًا مِن أهلي (طه: 30).. أي رب إنه عبء ثقيل ولن أستطيع حمله وحدي، فاجعل مساعدًا لي من أهلي. ولكن النبي لم يقل هذا، بل إن الله تعالى لما أمره أن يذهب ويبلغ رسالته إلى الدنيا، تحمّلَ هذا العبء بمفرده، وخرج لتبليغ رسالة الله تعالى. فلما أتى بيته حكى لزوجته خديجة – رضي الله عنها – كل ما جرى لـه، ثم قال لها «قد خشيتُ على نفسي» (البخاري، كتاب بدء الوحي).. أي لقد عهد الله إلي مسؤولية كبيرة جدًّا، ولا أدرى هل سأستطيع القيام بها أم لا؟ وكانت خديجة رضي الله عنها قد شهدت حياته المباركة بأم عينها فقالت من فورها: «كلا، واللهِ لا يُخزيك الله أبدًا. إنك لتصِل الرَّحِمَ وتحمِل الكَلَّ، وتكسِب المعدوم، وتقرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق» (المرجع السابق).. أي أنك تعامل الأقارب بالحسنى، وتسعى دائمًا لحمل أعباء الآخرين، وتحاول إحياء الأخلاق الفاضلة التي قد اندثرت من الدنيا، وتكرم الضيف، وتعين الأبرياء في مشاكلهم التي يقعون فيها من غير جريمة؛ فكيف يمكن إذًا أن يخذل الله تعالى شخصًا يتصف بهذه الصفات الرائعة؟
إن أكبر شاهد على أخلاق الإنسان وسيرته في الدنيا هو زوجته التي تشاهد أحواله بكرة وعشيًّا. لذا فإن هذه الشهادة لأقوى الشهادات. وهي تؤكد أن الرسول كان بالفعل طه.. أي رجلاً تجلّت فيه جميع الفضائل والمحاسن التي يجب توافرها في الإنسان الكامل أكملَ تجلٍّ وأروعَه. فإننا حين نمعن النظر في وقائع حياته بالتفصيل نعلم أن الله تعالى قد أودعه قبل ولادته جميع المحاسن التي يجب توافرها في رجل كامل القوى، ليكون أسوة حسنة للناس بجميع أصنافهم وشرائحهم. نحن لا ننكر أن المسيح كان نبيًا عظيمًا، ولكنه لم يكن نموذجًا للناس في كل زمن ومن كل صنف. فمثلا لا دليل في الإنجيل على زواج المسيح ، فلا يمكن إذًا أن يكون أسوة للمتزوجين. كما أنه لم يصبح حاكمًا حتى يقول الملوك والحكام اليوم أنه أسوة لنا نحن الملوك أيضًا. أما محمد رسول الله فقد مر بكل أنواع الظروف والأحوال، وبالتالي كان أسوة منقطعة النظير للناس من كل الطبقات والشرائح أجمعين.
ثم إنه تحلى في جميع مراحل حياته بأروع خُلق وأطيب سيرة، مما كان دليلاً ساطعًا على أنه قد أُودع القوى الروحانية على وجه التمام والكمال. وعلى سبيل المثال، توفي والده قبل ولادته، كما انتقلت أمه إلى بارئها وهو صغير جدًّا. ولكنه كان مثالاً رائعًا في دماثة الأخلاق حين كان عند جده الذي تولى كفالته مكان أبيه. إن أمر الطفل اليتيم لا يخلو من أحد الحالين: فإما أن تفسد أخلاقه نتيجة التدليل المفرط، أو تموت مواهبه نتيجة الإهمال. فلو كان اليتيم عند قوم يدللونه في كل حين شفقة عليـه لفسدت أخلاقه كلية، أما إذا كان في بيت لا يعامله أهله كما يعاملون أولادهم لفقد الهمة والعزيمة. ولكن النبي كان رائع السيرة منذ طفولته. فقد شهد أقرانه وزملاؤه أنه لم يكن قليل الصبر عند الأكل والشرب كالصغار، بل كان يظل جالسًا في مكانه بهدوء ووقار حتى تدعوه عمته وتعطيه نصيبه من الأكل، فكان يتناوله أيضًا بوقار. تشهد أمه من الرضاعة أنه كان وقورًا ومؤدبًا حتى كان الصبيان يستغربون منه. ويقول إخوته من الرضاعة إنه يتجنب اللغو من الألعاب. كان يحبّ المزاح، ولكنه يكره الكذب وقول الزور كراهة شديدة. كان شديد المواساة بالناس في تلك السن الصغيرة أيضًا حتى إن الصغار كانوا يعدّونه رئيسًا. (تاريخ الخميس، الجزء الأول ص 225).
ثم إنه كان بارًّا بعمه أبي طالب وعمته بحيث لا نجد نظيرًا لمثل ذلك البرّ عند الأولاد الحقيقيين أيضًا. لما فتح مكة سأله الناس يا رسول الله، أين ستقيم؟ فأجاب من غير غضب: وهل ترك لنا عقيل بيتًا حتى نقيم فيه؟ وكان يعني أن أبناء عمه قد باعوا بيته أيضًا، فلم يبق له بيت يقيم فيه (البخاري: كتاب السير والجهاد).
ثم إن النبي لم يحبّ عمه أبا طالب حُبَّ الولد والده فحسب، بل أوصى الآخرين أيضًا بألا يقولوا لوالديهم أُفٍّ.
وبعدها دخل النبي في سنّ الفتوة والشباب وهو سن لا يكترث فيها الناس لما يفعلون. ولم يكن لدى العرب عندئذ أي رادع قانوني أو خُلقي. فكان المرء منهم يتفاخر على الملأ بعلاقته غير المشروعة بامرأة أو فتاة. (يُتبع) .