نبوءة محمدي بيغم.. بحث و تدقيق

__

لا يخفى على أحد أن المبعوث السماوي لا يأتي بالنبوءات من عند نفسه، بل يخبر الناس بما يُوحى إليه من رب العزة

: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ (الجن 28-29)

وللنبوءات وظائف متعددة منها أنها تثبت وجود إلهٍ حيٍّ يكلّم عباده ويتصل بهم. كما أنها تثبت صدق المبعوث السماوي، وتبعث الأمل والإيمان في نفوس المؤمنين. هذا بالإضافة إلى أنها تُنذر المعارضين والمكذبين حتّى يرتدعوا ويكفوا عن أفعالهم.ومن سنته إرسال المأمورين لكي يهدوا الناس وينقذوهم من العذاب الأليم، قال تعالى

مَا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً (النساء: 151).

ولذلك تكون نبوءات الإنذار مشروطة بانعدام الشكر والإيمان، فإذا رجع المنُذَرون إلى الشكر والإيمان فما يفعل الله بعذابهم؟

وهكذا يكون الغرض من نبوءات العذاب أن يرجع المعارضون عن ضلالهم وانحرافهم عن الصراط المستقيم، فإذا تابوا ورجعوا فما يفعل الله بعذابهم؟ وإنْ لم يتوبوا ويرجعوا فلا ريب أن العذاب واقع بهم.

ولما كانت رحمة الله سبحانه وتعالى سبقت غضبه فإنه يسلك إلى عباده الضالين كل طريق حتّى يرجعوا عن ضلالهم ومنها طريق التخويف، قال تعالى

ذَلِكَ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (الزمر18)

وهكذا عامل الله قوم يونس ، فإنهم لما عارضوا وأبوا واستكبروا، نزلت نبوءات الإنذار على نبيهم يونس ، فلما تابوا وأنابوا فما يفعل الله بعذابهم؟

وبعد ملامسة بعض من وظائف النبوءات نتطرق إلى إلقاء الضوء على نبوءة محمدي بيغم التي وقع لدى البعض سوء فهم كبير بخصوصها، وظنوا أن المسيح الموعود قد تنبأ بأنه سوف يتزوج من محمدي بيغم، وهذا غير صحيح بالمرة، فالنبوءة لم تكن نبوءة زواج على الإطلاق.

لقد كانت هذه الفتاة ابنة أحد أقرباء المسيح الموعود الأبعدين وهو الميرزا أحمد بيك، وحدث أن ارتد هذا الرجل عن الإسلام وتحول إلى عدو شديد العداء للدين الحنيف، والتف حوله بعض أقاربه وساروا في نهجه الضال.

تألّم المسيح الموعود من موقفهم هذا ونصحهم أن يكفوا عن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، ولكنهم ازدادوا في غيهم وضلالهم. فتلقى حضرته من ربه نبوءات عقاب بخصوص هذه العائلة المتمردة على الله ورسوله ، ومنها:

“لا أهلكهم دفعة واحدة، بل قليلا قليلا لعلهم يرجعون ويكونون من التوابين. إن لعنتي نازلة عليهم وعلى جدران بيوتهم، وعلى صغيرهم وكبيرهم، ونسائهم ورجالهم، ونزيلهم الذي دخل أبوابهم، وكلهم كانوا ملعونين.. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقطعوا تعلُّقَهم منهم وبعدوا من مجالسهم، فأولئك من المرحومين.” (مرآة كمالات الإسلام، التبليغ، الخزائن الروحانية؛ ج 5، ص569)

وفي إعلان آخر حذرهم المسيح الموعود والإمام المهدي من أن الله تعالى قرر:

“كل فرع من أبناء عمومتك سوف يُقطَع وينتهي بلا ذرية. إذا لم يتوبوا فإن الله سوف يرسل عليهم البلاء بعد البلاء حتى يهلكهم. سوف تمتلئ بيوتهم بالأرامل، وسوف ينْزل غضبه على جدرانهم.” (جريدة “رياض الهند”، بتاريخ 20/2/1886م).

وفيما يتعلق بوالدَي محمدي بيغم – الميرزا أحمد بيك وأميرة النساء بيغم – بصفة خاصة فقد تنبأ المسيح الموعود والإمام المهدي فقال:

“فأُلهمت من الرحمن أنه معذبهم لو لم يكونوا تائبين. وقال لي ربي: إن لم يتوبوا ولم يرجعوا فننـزل عليهم رجسًا من السماوات، ونجعل دارهم مملوءة من الأرامل والثيبات، ونتوفاهم أباتِرَ مخذولين. وإن تابوا وأصلحوا فنتوب عليهم بالرحمة، ونغير ما أردنا من العقوبة، فيظفرون بما يبتغون فرحين” (أنجام آثم، مكتوب أحمد، الخزائن الروحانية؛ ج 11، ص 212)

وإلى هنا لم يكن لمحمدي بيغم أية علاقة بالنبوءات التي تلقاها المسيح الموعود ، بل كانت تتعلق بأفراد العائلة الضالين، وبعد سلسلة من المصائب التي حلّت على هذه العائلة بدأت تظهر محمدي بيغم على مسرح الأحداث. حيث شاءت الأقدار أن احتاج والدا محمدي بيغم إلى مساعدة المسيح الموعود في بعض الأمور الخاصة بأملاك الأسرة، ولذلك ذهب أبوها الميرزا أحمد بيك إلى حضرته يلتمس المساعدة. ولكن المسيح الموعود أخبره بأنه سوف يستخير الله أولاً. ثم أخبره أن الله تعالى أمره أن ينصح الميرزا أحمد بيك لينشىء علاقةً مع حضرته بأن يزّوجه من ابنته الكبرى محمدي بيغم فينوّره بنوره، قائلا:

إن الله أخبرني أن إنكاحها رجلا آخر لا يبارَك لها ولا لك. فإن لم تزدجر فيُصَبُّ عليك مصائب، وآخرُ المصائب موتك، فتموت بعد النكاح إلى ثلاث سنين. بل موتك قريب ويَرِدُ عليك وأنت من الغافلين. وكذلك يموت بعلها الذي يصير زوجها إلى حولين وستة أشهر قضاءً من الله. فاصنع ما أنت صانعه، وإني لك من الناصحين.” (مرآة كمالات الإسلام، الخزائن الروحانية؛ ج 5، ص 573)

وكما هو واضح من نص النبوءة فإنها لم تكن نبوءة عن زواجه من محمدي بيغم، بل كانت بمثابة الإنذار الأخير لميرزا أحمد بيك، وكأن الله تعالى يقول له أمامك فرصة أخيرة للتوبة وهى أن تُزوج ابنتك من ميرزا غلام أحمد ، وإن لم تفعل فسوف تهلك في خلال ثلاث سنين. ولا نجد في هذه النبوءة قولا يقول سوف يتزوجها ميرزا غلام أحمد وإن لم يتحقق هذا فهو ليس من الله. بل إن نص النبوءة واضح إنها إنذار لأبيها.

كما احتوت النبوءة على احتمال زواجها من رجل آخر “إن الله أخبرني إن إنكاحها رجلاً آخر لا يبارك لها ولا لك”. وإلا كيف يمكن أن يُحذر الله سبحانه وتعالى من شيء لا يمكن حدوثه؟!

ولقد رفض الميرزا أحمد بيك الفرصة الأخيرة للهداية، وقام بتزويج ابنته من رجلٍ آخر وهو الميرزا سلطان محمد. وتحققت نبوءة المسيح الموعود ومات الميرزا أحمد بيك في خلال ثلاث سنوات.

وبعد موته دبّ الخوف والفزع في قلوب من كانوا حوله من الضالين، ومما سجَّلته وقائع التاريخ أيضًا أن أسرة الميرزا أحمد بيك توقفت بعد ذلك عن أسلوب البذاءة نحو الله تعالى ورسولِه الكريم محمد المصطفى وكتابِه المجيد القرآن الكريم. والواقع أنه مع توالي الأحداث.. أخذتْ هذه الأسرة تتحول نحو الإسلام طلبا للعزاء، وسعى أعضاؤها إلى طلب العفو والمغفرة عن سوء أفعالهم، بل توسلوا إلى المسيح الموعود أن يدعو الله جل وعلا، كي يرفع عنهم برحمته الواسعة ما قدّر لهم من عذاب وشيك، ويزيل عنهم اللعنة التي كتبت عليهم.

هذه حكمة الله سبحانه وتعالى الكامنة خلف النبوءات التحذيرية، إنه هو الرحمن التواب الذي يقبل التوبة عن عباده ولا يرضى لعباده الكفر، فإنه يخوفهم لعلهم يرجعون، فإذا انتهوا غفر لهم ما قد سلف.

هكذا عزيزي القارئ نكون قد لامسنا أهم معالم هذه النبوءة وتجد داخل هذا العدد تبيانا مفصلا لوقائعها ودقائقها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك