• يجب أن تكون العبادة ناجمة عن أعماق القلب وبالحب.
  • يجب أن يكون الحب كاملا وتكون الطاعة كاملة والتذلل كاملا.
  • وعد الله المطيعين بإنعامات لا حدود لها.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين.

نقرأ في القرآن الكريم، ويُذكر في محاضراتنا وخطباتنا مرارا، ولعلِّي أيضا تناولت في مناسبات عديدة موضوع أن الله تعالى بيَّن الغاية التي من أجلها خُلِق الإنسان، فقال:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ

أي إذا كان هناك هدف من خلق البشر فهو عبادة الله بوجه كامل بأن يكونوا عبادا كاملين له جل وعلا. ولكن ما المراد من أن يكون المرء عبدا وما المراد من يعبدونِ ؟ إنما المراد منه هو الخضوع التام، وأداء حق الخدمة والعبادة بالقوى والمواهب كلها، أي يجب أن تكون العبادة ناجمة عن أعماق القلب وبالحب، دون أن تكون عبئا، وأن يكون الحب كاملا بحيث لا يشارك اللهَ أحدٌ فيه، وأن تكون الطاعة كاملة ويكون التذللُ كاملا.نرى أن الله تعالى خَلَق خَلْقًا كثيرا وكلّفهم بمهام مختلفة، وكلٌّ يعمل في دائرته، أي كل شيء يطيع الله تعالى. ومقابل كل المخلوقات الأخرى خلق الله تعالى إنسانا وكلّفه بمهمة. فما هي تلك المهمة يا تُرى؟ ألا وهي أن يعرف الإنسان الهدفَ من خلقه وما كلِّف به من الأمور، فهي الهدف الحقيقي من خلقه. ولكن كم هم الذين يعملون على تحقيق هذا الهدف وإنجاز هذه المهمة؟! دعكم من غير المسلمين وانظروا إلى المسلمين فقط لتروا كم منهم يعملون بأوامر الله تعالى ويطيعونه ويعبدونه من الأعماق بعاطفة الحب الخالص لله . لو حسبنا الأرقام بهذا الشأن لوجدنا أن الملتزمين بذلك قلة، بل إن عدد الذين يعبدون الله على سبيل التقليد وبصورة سطحية أيضا قلَّة، وأكثرهم عن صلاتهم ساهون.

يجب أن تكون العبادة ناجمة عن أعماق القلب وبالحب، دون أن تكون عبئا، وأن يكون الحب كاملا بحيث لا يشارك اللهَ أحدٌ فيه، وأن تكون الطاعة كاملة ويكون التذللُ كاملا.

الغريب في الموضوع أن المخلوقات الأخرى كلها تؤدي ما خُلقت لأجله، ولا تعصي الله. لقد أُخبر الناس بوضوح تام أن لخلقهم هدفا كلَّفهم الله تعالى به وعليهم أن يحققوه، ولكن الناس يعصون الله تعالى فيه ويخالفون أمره.خلاصة الكلام أن المخلوقات والأشياء الأخرى تُنجز المهام الموكلة إليها بطاعة تامة بينما لا تكاد تلك الطاعة تلاحَظ عند الإنسان. تُرى ما السبب في ذلك؟ إنما السبب هو أن الله تعالى منح الإنسان دون سواه من الخلق القدرة على الاختيار. فإذا عمل الإنسان بأوامر الله وأدرك الهدف من خلقه، وهو التذلل الكامل والخضوع والتواضع التام وإخضاع حبه كله والعلاقات كلها لمرضاة الله فقط، وتركُ السيئات والكِبر كليها والانقياد التام إلى الله تعالى، فإذا فعل الإنسانُ ذلك تاب اللهُ عليه وأتاه وأكرمه بحبه ولُطفه.

باختصار، لقد خلق اللهُ الإنسانَ وزوّده بالقدرة على الاختيار بين الطاعة والعصيان، وأخبره بالهدف من خلقه، وقال له بأنه لو ظل متسمكا بطاعته وكان عبدا كاملا له لاستحق إنعاماته التي لا حدود لها، وسينالها أكثر فأكثر. أما المخلوقات الأخرى فليس لها إلا مجال واحد ولا بد لها أن تعمل في إطاره، وما لها من خيار آخر سوى الطاعة. فما دام ليس أمامها إلا هذا الخيار فهي لا تستحق ثوابا ولا إنعاما، إذ لم توضع على محك الاختيار. والحق أن الله تعالى قد أودع الإنسان فقط هذه القدرة، أي خوّله أن يختار أحد السبيلين. السبيل الأول هو أن يحقق الإنسانُ الهدفَ من خلقه ويتذلل أمام الله فينال حبه تعالى. والسبيل الثاني هو ألا يحقق الهدفَ المذكورَ ويكون من الذين يعصون الله ويخرجون من دائرة عبوديته ليصير عبدا للشيطان، فيستحق بذلك العقوبة من الله تعالى.إذًا، يستطيع الإنسان أن يكون عبدا حقيقيا لله تعالى نتيجة طاعته طاعة كاملة. وهذه المزية قد أُعطيها الإنسانُ وحده ولم يُعطَها حتى الملائكة. فمن مِنن لله على الإنسان أن أراه الغاية من حياته، والتي لو حققها لكان من الذين يحبهم الله تعالى كثيرا، ولبلغ مرتبة لا تتأتى حتى للملائكة. فالإنسان سعيد بحيث فضَّله الله تعالى على المخلوقات كلها، شريطة أن يبذل ما منحه الله تعالى من قوى ومواهب، وقدرات ذهنية وفكرية لم تعط لسواه في طاعته الكاملة وعبادته ولنيل حبه ،فلو فعل ذلك وحقّق الهدف من خلقه لكان من الفائزين بحبه .كما قلت آنفا إن الله تعالى خيَّر الإنسانَ بين سبيل البر والفجور. فالسيئات والمغريات المادية تجذب الإنسان إليها، وهي تعترض طريقه أحيانا اختبارًا وابتلاء، وأحيانا يسلك الإنسان درب الحسنات فيعترض سبيله فجأة شيء يُضله عن سواء السبيل. وفي العصر الراهن يواجه الإنسان عند كل خطوة أمورا تجتذب حتى سالكَ طريق الحسنات، فتميله إليها.

باختصار، لقد خلق اللهُ الإنسانَ وزوّده بالقدرة على الاختيار بين الطاعة والعصيان، وأخبره بالهدف من خلقه، وقال له بأنه لو ظل متسمكا بطاعته وكان عبدا كاملا له لاستحق إنعاماته التي لا حدود لها، وسينالها أكثر فأكثر. أما المخلوقات الأخرى فليس لها إلا مجال واحد ولا بد لها أن تعمل في إطاره، وما لها من خيار آخر سوى الطاعة.

فإذا اجتنب الإنسان تلك المغريات وقاومها متذكِّرًا الغايةَ من خلْقه فإن الله تعالى الذي يكرم عبده هذا يرفع درجاتِه أكثر. وإن من منن الله الكبرى على الإنسان بعد أن أطلعه على الغاية المتوخاة من خلْقه أنه يرسل من عنده الرسل والمنادين الذين يوجِّهون عباده إلى الغاية من خلْقهم ويسعون لإنقاذه من ارتكاب السيئات ويعصمونهم من الانحراف عن الصراط المستقيم ويعلِّمونهم التمييز بين السيئة من الحسنة. وقد ذكر الله أمثال هؤلاء في القرآن الكريم في صورة دعاء فقال:

رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ (آل عمران: 194)،

فهؤلاء المنادون يُبعثون من الله تعالى ليُطلعوا الناس على الغاية من خلْقهم، ويدلّوهم على سبل التقرب إلى الله . فالذين يستجيبون لنداء المنادي ويقولون: «سمعنا مناديا» هم السعداء. وهذا المنادي هو المبعوث من الله . هنا يبرز التساؤل: إلامَ ينادى ذلك المنادي؟ أإلى تجارة أو إلى منفعة مادية؟! أإلى المال والمتاع؟! كلا، بل هو نداء فحواه أن آمِنوا أيها الناس. آمِنوا بماذا؟ واستجيبوا لمن؟ ألا إنه يعلن: أن آمِنوا بربكم ، آمِنوا بمن خلَقكم وربَّاكم وهيَّأ لكم سُبُل التقدم ورقَّاكم إلى درجة عالية. فاستجيبوا له، وحقِّقوا الهدف من خلْقكم امتثالا لأوامره شاكرين. فقلنا ملبِّين دعوةَ ذلك المنادي: فآمنّا . ربَّنا ندعوك بتواضع قائلين:

رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا .

إلامَ نادى ذلك المنادي؟ أإلى تجارة أو إلى منفعة مادية؟! أإلى المال والمتاع؟! كلا، بل هو نداء فحواه أن آمِنوا أيها الناس. آمِنوا بماذا؟ واستجيبوا لمن؟ ألا إنهس يعلن: أن آمِنوا بربكم ، آمِنوا بمن خلَقكم وربَّاكم وهيَّأ لكم سُبُل التقدم ورقَّاكم إلى درجة عالية. فاستجيبوا له، وحقِّقوا الهدف من خلْقكم ….

فإيماننا بك والثبات عليه مستحيل دون أن تغمرنا بأفضالك الخاصة. فالامتثال لأوامرك والعمل بها، صعب جدا ويشقّ علينا كثيرا دون فضلك وتأييدك. فلا نستطيع حمل هذا الحمل الثقيل دون عونك. لطالما تصدر منا الأخطاء بما لا حصر له، ولا عاصم لنا من سوء العاقبة سواك، إنك أنت الستار والغفار، نعيش في ظل حفاظتك دوما. فقد غمرتْنا رحمتك التي وسعتْ كل شيء، فلا نقدر على اجتناب الأخطاء والزلات بقوة سواعدنا. فأنت ربُّنا وأنت الذي تُوفِّقنا للحسنات والتقدم فيها. والصبر على الإيمان والتقدم فيه محالٌ دون فضلك. لا نقدر على كل ذلك بأنفسنا، ولا نقدر على إنقاذ أنفسنا من أي هجمة للشيطان. فأنت الذي يمكن أن تثبتنا على الإيمان وتزيدنا إيمانا على الدوام، فزدْنا إيمانًا.ينبغي أن تسألوا الله تعالى أن يزيدكم إيمانا ليغفر لكم ذنوبكم ويجعلكم من الذين يحرزون إيمانا حقيقيا.

وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا

أي أبعِدْ عنا سيئاتنا وأزِحْ جميع العقبات التي تعترض طريق تخلُّصنا من الذنوب، بل امحُ سيئاتنا كلها كأنها لم تصدر قط. واحفظنا من كل عقاب، بحيث نأتيك ضمن السابقين في الخيرات، الذين علَّمتَهم دعاءً لنيل هذه المكانة: تَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ . أي توفَّنا ونحن أبرار ولا تجعلْنا من الذين يؤمنون بهذا المنادي ثم ينحرفون عنه. أنت ترسل مناديا في كل زمن للإصلاح فلا تجعلْنا نُضيع إيماننا بعد إذ آمنا به أول مرة، مصابين بالأنانية ومتورطين في الشكوك والشبهات المختلقة من عند أنفسنا. وجنبنا سوء العاقبة، لذا فإنا نعوذ بك أن نكون ممن تسوء عاقبتهم. وعندما يأتي أجلُنا نكون من الأبرار السابقين في الخيرات، ولا تضل بنا أعمالنا وعقولنا وعلومنا عن الصراط المستقيم.ثم قال الله في الآية التالية:

رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ

أي نرجو أن تحقِّق أيضا الوعودَ التي قطعتَها مع رسلك بحقنا، حتى نتمتع بجميع تلك الفيوض التي وعدتَ بها رسلَك ومناديك.

وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ ،

لذا نرجوك أن توفقنا لأعمال بحسب أوامرك، وألا نكتفي بأحاديث تتعلق بالمعتقدات فقط بل نرجو أن تنال أعمالُنا رضاك، واجعلْنا ملتزمين بأوامرك بقوة حتى لا ننحرف عن الصراط المستقيم إلى يوم القيامة وألا نكون محلّ عقوبة، ونرجوك ألا نمثل أمامك خجلين بل نتمنى أن تنقضي كل لحظة من حياتنا بحسب الهدف الذي خلقتنا من أجله، ووفِّقنا أن نُقدم نموذجا للعبادة الحقيقية ونكون عابدين صادقين، ولا نكون من المقصِّرين في الطاعة أبدا.لقد بيّنتُ من قبل بعض التفاصيل كما تتبين من هذه الآيات، أيْ أن هذا هو النداء الذي يُطلقه المنادون، وهذا ما يقوم به من المؤمنون بالمنادي. إذًا، فإن زمن الرشد على هذا النحو يكون يوم عيد هو أعظم وأفضل من الأعياد كلها. نحن الأحمديون سعداء، إذ قد بعث الله تعالى مناديا فينا بحسب وعده بعد زمن مظلم امتد إلى ألف عام، ثم وفّقنا للإيمان به. لقد أعلن هذا المنادي أن الله تعالى بعثه ليبيّن للناس تعليم الإسلام الجميل، وأنه أرسله خادما صادقا للنبي لترسيخ دعائم شريعته وليهدي الناس إلى سبيل الله ليكونوا عبادا حقيقيين لله تعالى، ذلك الطريق الذي يُنال نتيجة طاعة أوامر الله طاعة كاملة. فقال : لقد أرسلني الله تعالى إلى الدنيا لأجذب بالحِلم والرفق ودماثة الخُلق الذين ضلوا الطريق إلى الله تعالى وهدايته المقدسة، ولأهدي الناس إلى الصراط المستقيم في ضوء النور الذي أوتيتُه.ما هي النصائح التي وجهها لنا المسيح الموعود لنكون عبادا حقيقيين، وماذا كان يتوقعه منا؟ وكيف يجب أن نروِّض أنفسنا بعد أن آمنّا به ؟ أذكر لكم بعضا مما نصحَنا به المسيح الموعود ، يقول: إن أفراد جماعتنا بحاجة إلى أن يزدادوا إيمانا وتنشأ لديهم معرفة ويقين صادق، وألا يتكاسلوا في الأعمال الصالحة، لأنه إذا كان المرء كسولا يرى الوضوء أيضا مصيبة دَعْكَ أن يصلّي التهجد. إن لم تنشأ قوة للأعمال الصالحة ولم يكن حماس للاستباق في الخيرات فعلاقتكم بنا عديمة الجدوى. قال :

«الطاعة ليست بأمر بسيط وسهل بل هي بمنـزلة الموت، ومثلها كمثل سلخ الجلد من إنسان حيٍّ».

اليوم عيد الأضحى وننحر فيه الحيوانات ثم نسلخ جلودها، ولو كان في الحيوان رمق حياة لشعر بألم شديد، ولكن يقول : مثل الطاعة كمثل سلخ الجلد من إنسان حيٍّ. وهذه التضحية أكبر من ذلك. قال :

«الذي لا يطيع طاعة كاملة يسيء إلى سمعة هذه الجماعة.»

ثم قال :

«يجب ألا يكتفي المرء بعد البيعة بالاعتقاد أن هذه الجماعة صادقة، وأنه سينال البركة بمجرد هذا الاعتقاد… الله تعالى لا يفرح بالإيمان وحده ما لم تكن الأعمال صالحةً. فما دمتم قد انضممتم إلى هذه الجماعة فاسعوا لتكونوا صالحين وأتقياء واجتنبوا السيئة… ادعوا وتضرعوا وتصدّقوا في هذا الوقت. ليِّنوا ألسنتكم، داوِموا على الاستغفار، وادعوا في الصلوات.»

قال :

«الصلاة والاستغفار علاجان مثاليان لغفلة القلب. يجب على المرء أن يدعو في الصلاة قائلا: اللهم باعِد بيني وبين خطايايَ. إذا استمر في الدعاء بصدق القلب سيجابُ بالتأكيد حينا من الأحيان.»

قال :

«الصلاة هي الحسنة الوحيدة التي بأدائها يزول الضعف الشيطاني، وهي التي تسمى الدعاء. يريد الشيطان أن يكون الإنسان ضعيفا في أدائها لأنه يعلم أن الإنسان يصلح نفسه بالصلاة فقط.»

أي الصلاة تؤدي إلى إصلاحه. إذنْ، هذه بضعة أشياء قد قدّمتُها بين أيديكم من الخزائن الكثيرة التي أعطانا إياها إمام الزمان والمنادي . حين أرسل الله تعالى المسيحَ الموعود كان ذلك زمن العيد، كانت الدنيا قلقة آنذاك، أو كان الذين يكنّون ألما وحرقة للإسلام قلقين. لا شك أن المسلمين كانوا يحتفلون عندها بالعيدَين ولكن الذين كانوا يتألمون من أجل الإسلام كانوا غير مرتاحين، وكانوا ينتظرون مسيحا. فأتى ذلك المسيح وشفى المرضى الروحانيين لكي يحتفلوا بالعيد الحقيقي. ويتبين من تاريخ الجماعة أن صالحا اسمه منشي أحمد جان قد عبَّر عن هذا الأمر، وكان مرتبطا بالمسيح الموعود جدا وكان قد أدرك جيدا تقوى المسيح الموعود وعبادته ومكانته. وكان قد كتب إلى المسيح الموعود حتى قبل دعواه معبرًّا عن مشاعره القلبية بما معناه: نحن المرضى نعقد عليك أنت الآمال، فبالله عليك كُنْ مسيحا لنا، لكي نحتفل بالأعياد الحقيقية.

«الطاعة ليست بأمر بسيط وسهل بل هي بمنـزلة الموت، ومثلها كمثل سلخ الجلد من إنسان حيٍّ».

لقد توفي هذا الرجل الصالح المنشي أحمد جان قبل أن يشرع المسيح الموعود في أخذ البيعة من الناس. والحق أن الذين بايعوا على يد المسيح الموعود عليه السلام والذين كانوا بعده هم من كانت أعيادهم أعيادًا حقيقية. لا شك أن العيد الحقيقي هو لمن كان بصحة جيدة ويعيش بين أحبته سعيدا مطمئنا. إن الله تعالى حين أرسل مسيحه لعلاج المرضى الروحانيين ولإنقاذ سفينة الإسلام الموشكة على الغرق، فإنه قد شفى الكثيرين شفاء روحانيا، والكثير من واقعاتهم محفوظة في تاريخ الجماعة، بل لا تزال مثل هذه الواقعات تقع حتى اليوم، وإني أقرأ بعضها على أسماعكم أحيانا في مناسبات شتى. كثير من الناس يكتبون أنهم قد عرفوا الحق فنالوا به السكينة والاطمئنان، وليس العيد الحقيقي إلا سكينة القلب وطمأنينته، والحق أن السعادة التي حظينا بها اليوم لم نحظ بها من قبل قط. في إحدى المناسبات ضرب حضرة المصلح الموعود مثلاً لتوضيح هذا الموضوع فقال لو فقد المرء ولده بين جمع غفير، ثم وجده بعد ساعة أو ساعتين، فكم يفرح الولد وكذلك الوالد؟!. كذلك عندما يهتدي عبد ضال إلى ربه ويرجع إليه، فلا شك أن العبد يكون سعيدا، ولكن الحق أن الله تعالى هو الآخر أيضا يفرح ويرضى.ويتابع المصلح الموعود رضي الله عنه: فهذا هو العيد الحقيقي. العيد يرمز إلى ذلك العيد الحقيقي (أي أن أعيادنا الظاهرية إنما ترشدنا إلى ذلك العيد الحقيقي) وإنما يكون المرء سعيدا بالعيد إذا احتفل به في بيته ووطنه، أما لو هلَّ على الناسِ العيدُ وهم في سفر وخارج بيوتهم فلا يستمتعون به. فمثلا لو كان المرء في غابة محاطًا بين الوحوش واللصوص ويخشى على حياته، فكيف عساه أن يفرح بالعيد؟! إنما العيد لمن كان آمنا في بيته وسط أولاده وزوجته وأقاربه وأصدقائه. أما من ضل عن سبيل الله تعالى تائها في فلوات الغي والضلال فأنى يكون عيده حقيقيا؟! العيد إنما يعني السعادة، والسعادة تحصل بطمأنينة القلب وسكينته. إن الله تعالى هو محور جميع أنواع الحب، ويجب أن يكون هكذا، فينبغي على المؤمن أن يحب الله تعالى حبا كاملا، لأنه لن يحظى بالسعادة ولن يحتفل بالعيد الحقيقي إلا من وصل إلى ربه، لأن الله سبحانه وتعالى هو منبع كل أنواع السعادة والأعياد. فهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نسعى لإدراكها. إذا أردنا الاحتفال بالعيد الحقيقي فعلينا أن نحرص كلنا على صحتنا الروحانية ونحذر من أن نحيد عن جادة الصواب. وكما قلت من قبل فإن الله تعالى هو الذي يُعيذُ من الشيطان ويهدي إلى سواء السبيل، لذا فعلينا أن لا نبرح ندعوه تعالى. ما دمنا قد آمنا بإمام هذا الزمان فلا بد لنا من العمل بأوامره لكي ننشئ صلتنا بالله تعالى، فنكون من الذين يحققون الغاية من خلقهم. وفقنا الله تعالى لذلك. آمين

الذين كانوا يتألمون من أجل الإسلام كانوا غير مرتاحين، وكانوا ينتظرون مسيحا. فأتى ذلك المسيح وشفى المرضى الروحانيين لكي يتمكنوا من الاحتفال بالعيد الحقيقي.

بعد الخطبة الثانية سوف نقوم بالدعاء، فاذكروا فيه خاصة أولئك الذين هم واقعون في الغي والضلال رغم كونهم من أمة الإسلام لعل الله يهيئ لهم أسباب الهدى. فبسبب وقوعهم في الضلال يظلم بعضهم بعضا، فالحكومات والزعماء الحكوميون يظلمون الرعايا، أما رجال الدين المزعومون من أصحاب المصالح الشخصية فيؤججون مشاعرهم ويدفعونهم أيضًا إلى ارتكاب الظلم، وهكذا يعرّضونهم لمزيد من الظلم. فهكذا يكون هؤلاء العامة بين مطرقة الحكام الظالمين وسندان رجال الدين مؤججي الفتن. فادعوا الله تعالى أن ينجيهم من هذا الظلم ويخرجهم من هذا الغي والضلال. فكل هؤلاء الذين يفسدون أفراح عيدهم كما يدمرون أفراح عيد الآخرين أيضا، ويجلبون عليهم سخط الله نتيجة رفضهم تلبيةَ نداء المنادي الذي أرسله الله تعالى، ادعوا الله تعالى أن يلهمهم الصواب فيهتدوا إلى سواء السبيل.ثم ادعوا للمسجونين في سبيل الله تعالى الذين يقبعون في السجون بغير حق، إلا معاداة الجماعة، فادعوا الله تعالى أن يهيئ الأسباب للإفراج عنهم. وادعوا لكل أولئك المسلمين الأحمديين الذين يتعرضون للمحن لأنهم أحمديون، أيا كان بلدهم. وادعوا الله تعالى للمرضى بالشفاء الكامل العاجل. هناك أناس ينفعون خلق الله، فادعوا الله تعالى أن يوفقهم للمزيد من خدمة البشرية. وادعوا لزوال أنواع الاضطراب المنتشر في العالم عموما. وادعوا للذين هم واقعون في أي مشكلة وكربة أن يكشف الله تعالى عن كل واحد منهـــــم كربته. وادعوا لكل أولئك الذين نذروا حياتهم للدين ويقومـون بخـدمته في مختلف البلاد. تـعالوا ندع معا.