المَسِيحُ يَتَزَوَّجُ، وَيُولَدُ لَهُ

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • معضلة السابقين في فهم النبوءات المستقبلية
  • هل سيتزوج المسيح ويولد له؟
  • ما معنى الزوج في اللغة؟
  • الفرق بين المرأة والزوج
  • ما هو وجه الفرادة أن يولد للمسيح الموعود ابنا؟

نبوءة في حديث
النبوءات المستقبلية التي تضمنها حديث حضرة خاتم النبيين عن آخر الزمان، طالما شكَّلت لدى غلاة الحرفية عقبة كؤودًا، ومعضلة كبيرة تقض مضاجع محدِّثيهم، ومن تلك النبوءات ما جاء في الروايات عند التقاء النبي بوفد جُذام، إذ قال:

«مرحبا بقوم شعيب وأصهار موسى، ولا تقوم الساعة حتى يتزوّج فيكم المسيح ويولد له»(1)..

وموقف التقليديين غلاة الحرفية من حديث كهذا معروف، ونرى أن جُلَّهم، إن لم يكونوا كُلُّهم قد وضعوه في عداد الأحاديث الموضوعة، دون أدنى تأمل في متنه، لمجرد أنهم استشكل عليهم الوقوف على سنده.

تساؤلان يطرقان الأذهان
بادئ ذي بدء، لو أننا نظرنا في عمق الحديث مطلقين لتساؤلاتنا العنان، فلا بد من أن يخطر في بالنا تساؤلان اثنان على أقل تقدير، أولهما: أحقًّا سيتزوج المسيح النازل آخر الزمان من العرب وهو الغير عربي؟! وثانيهما: ما الغرابة في أن يتزوج نبي وتكون له ذرية؟! أوليست هذه سنة الله في النبيين جميعا بحسب قوله تعالى:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً (2)؟!

فما الداعي لأن يذكر حضرة خاتم النبيين هذا الأمر كما لو أنه أمر خارق للعادة؟!

معنى «الزوج» بُعْدٌ آخر
لحسن الحظ أننا، نحن العرب، نقر للفظة «زوج» في حياتنا اليومية بمعان عديدة لا تقتصر فقط على أنثى المرء المصاحبة له في إطار العلاقة الشرعية المعروفة، وإنما اكتسب الزوجان تلك الصفة من فكرة أن كلا منهما يُعد مثيلا مكملا للآخر، حتى أن من المفسرين من أهل اللغة كالشيخ متولي الشعراوي، عرَّف الزوج فقال: «البعض يظن الزوج يعني الاثنين، إنما الزوج كلمة مفردة تدل على واحد معه مثله من جنسه» (3). ومن الضروري التركيز على فكرة أن الزوج يعني واحدًا معه مثيله المكمل، لهذا السبب نجد أن الاستعمال القرآني يضع لفظة «زوج» ومشتقاتها في مواضع الانسجام والتقارب الروحاني والفكري، والتكامل النفسي، بل وحتى الجسدي، ننتقي من الآيات الكثيرة مثلا قوله تعالى عن حضرة زكريا :

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (4).

نعم، فقد وصف الله تعالى قرينة زكريا بـ «زوجه» فقط حين اكتملت العلاقة بينهما وساد الانسجام بعد الحمل المبارك بيحيى ، بينما كان الاستعمال القرآني من قبل ذلك الحمل يصفها بـ «امرأته».

«امرأة فلان» ليست بالضرورة زوجه
إن حضرة زكريا وصف قرينته بـ«امرأتي»، وذلك قبل أن تحمل له بيحيى، قال تعالى حكاية عنه:

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (5).

مما يؤكد على البَوْن الشاسع بين مدلولي اللفظين «زوج» و«امرأة». وبناء على هذا الفهم الدقيق فرَّق العرب بين الزوج والمرأة والصاحبة، بحيث إننا نجد في القرآن المجيد هذين اللفظين في سياقين مختلفين. فنجد أن الاستعمال القرآني للفظة «امرأة» ورد في المواضع التي تفيد وجود علاقة جسدية بين الذكر والأنثى ولكن دون تحقق الانسجام الروحي أو الفكري، فذكر القرآن امرأة فرعون ولم يقل زوج فرعون، حيث كانت مؤمنة وزوجها كافر، وذكر امرأة نوح، وامرأة لوط، ولم يقل زوجتيهما، حيث كانتا كافرتين وزوجاهما مؤمنان، أي أن فكرة الانسجام الروحي بين الذكر والأنثى كانت معدومة، لهذا وصف الله تعالى الأنثى بـ «امرأة فلان».

تعريجا على تَزَوُّجِ المسيح
لما تبينت لنا دلالة لفظ الزوج في العربية، التي بناء عليها تم تصحيح رؤيتنا لكثير من القضايا، أبرزها معنى أزواج المؤمنين في الجنة كما ورد في قوله تعالى:

هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (6).

وكذلك ماهية الحور العين في قوله تعالى:

كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (7)..

فارتقت أفهامنا لندرك أن زوج المرء هو مثيله المكمل، وجماعته التي تقتفي أثره، فأزواج النبي جماعته وأتباعه المخلصون، وقوله تعالى:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (8).

أي ادخل الجنة أنت وجماعة المؤمنين بك، فالزوج تعني فيما تعني الجماعة أيضا، إذا ما تحققت فكرة الانسجام الروحي بين الإمام والمأمومين. فبالعودة إلى النبوءة عن المسيح (يتزوج ويولد له) يُمكننا فهم تَزَوُّجِ المسيح المزمع نزوله آخر الزمان على أنه ستكون له جماعة، وسيسكن هو وجماعته تلك الجنة التي وُعد بها في ثلاثة إلهامات متوالية في سياق متصل، وهي:

«يا آدمُ اسكنْ أنت وزوجُك الجنّةَ.
يا مريمُ اسكنْ أنت وزوجك الجنّة.
يا أحمد اسكنْ أنت وزوجك الجنّة»(9)،

ومن الأنسب نقل شرح المسيح الموعود نفسه لهذا الوحي، إذ إنه هو نفسه المعني بالنبوءة موضوع المقال، قال حضرته: «ليس المراد من مريم هنا مريم أُمّ عيسى، ولا يعني آدم هنا آدم أبا البشر، ولا يعني أحمد هنا سيدنا خاتم النبيين، ولا يراد مِن أسماء النبيين مثل موسى وعيسى وداود وغيرهم الواردة في هذه الإلهامات، أولئك النبيين بأعيانهم، بل أنا المراد من كل هذه الأسماء. وحيث إن اسم مريم هنا لا يشير إلى أية أنثى، بل يشير إلى المذكّر، فكان لزامًا أن تُستعمل له صيغة المذكر بحسب القواعد، أعني أن يقال: «يا مريم اسكنْ»… أما لفظ الزوج فهو أيضًا لم يردْ هنا بمعناه المعروف وإنما يعني الرفقاء والأقارب، وكلا المعنيين موجود في القواميس»(10).

وماذا عن الولادة؟!
ماذا كان يقصد النبي من ذكر هذه الولادة يا ترى؟! لا شك أن كل من يتزوج يولد له، إلا من جعله الله عقيما، أَوَكَانَ كل ما عناه النبي هو لفت انتباهنا لعدم عقم المسيح المحمدي الذي لا زال التقليديون قابعين بانتظاره؟! السبيل الذي سلكناه في إدراكنا دلالة لفظ «يتزوج» في الحديث، يجعلنا مضطرين إلى التزام السياق ذاته لفهم دلالة لفظ «يولد له»، فإذا كان التزوج يعني تكوين جماعة مؤمنة متجانسة ومنسجمة روحانيا مع إمامها ومؤسسها، فلا بد أن الولادة تشير إلى أمر في سياق متصل أيضا.
قد يؤسس المرء جماعة كبيرة ومنسجمة معه وفيما بين أعضائها، كالمدارس الثقافية والأحزاب السياسية والتكتلات الاقتصادية، ولكن سرعان ما تتشتت تلك التجمعات برحيل مؤسسها، أو تتغير توجهاتها كلية في أحسن الأحوال مع تغير قيادتها، فتتحول تلقائيا إلى جماعة جديدة. ولكن لا يسير الأمر هكذا مع جماعة المؤمنين التي يزرع الله تعالى بذرتها بيده كجماعة المسيح الموعود، إن تكوين تلك الجماعة في حياة المسيح الموعود هو مصداق الشق الأول من النبوءة (يتزوج)، وقيام الخلافة بعد المسيح الموعود هو مصداق الشق الثاني من نفس النبوءة (يولد له)، حيث إن الولد امتداد لأبيه، وطالما يجري القول السائر على الألسنة في كل بلاد العرب: «من خلَّف ما مات» فتعبير «يولد له» يعني يكون له خَلَفٌ، أي خلافة. فالحمد لله أولا على تحقق النبوءة، وثانيا على نعمة الجماعة والخلافة.

1. نقلا عن «المواعظ والاعتبار» للمقريزي.
2. (الرعد 39)
3. تفسير الشعراوي لآية وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (الحج 6)
4. (الأنبياء 91)
5. (آل عمران 41)
6. (يس 57)
7. (الدخان 55)
8. (البقرة 36)
9. البراهين الأحمدية، الجزء الرابع، الخزائن الروحانية، مجلد 1، ص 590-591، الحاشية في الحاشية 3.
10. المرجع السابق.