سيرة المهدي - الجزء 1 الحلقة 11

__

  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني ميان عبد الله السنوري وقال: أراد حضرته في 1884 أن يعتكف في مكان ما خارج قاديان ويزور بعض مناطق الهند أيضا، فقرر أن يقصد “سوجان بور” في محافظة غورداسبور ليعتكف هناك فترة، وأرسل لي حضرته بهذا الخصوص بطاقة بريدية كتبها بخط يده، فالتمست منه أن يصحبني في هذا السفر بل في جولته في الهند أيضا، فقبِل. ولكن تلقى حضرته فيما بعد وحيًا معناه: إن غايتك ستتحقق في هوشياربور، فتخلى عن قصده إلى “سوجان بور” وعزم على السفر إلى هوشياربور. فلما أوشك على السفر في شهر يناير 1886 كتبَ إلي ودعاني إلى قاديان، وكتب إلى شيخ مهر علي من هوشياربور أيضا ما يلي: أريد أن آتي إلى هوشياربور فابحثْ لي في إحدى زوايا المدينة عن بيت ذي طابقين. فأخلى “شيخ مهر علي” لهذا الغرض بيته المعروف باسم “طويله”.

سافر بعربة ثيران، وسلك طريقًا يمرّ من نهر “بياس”، وكان شيخ حامد علي وفتح خان يرافقانه.

يقول ميان عبد الله السنوري: كان “فتح خان” من سكان قرية “رسول بور” المتصلة ببلدة “تانده” في محافظة هوشياربور، وكان يكِنّ لحضرته احترامًا وتقديرًا كبيرين، إلا أنه وقع تحت تأثر المولوي محمد حسين البطالوي فارتدّ.

على أية حال، لما بلغ حضرته النهر وجد ماء في الطريق المؤدي إلى السفينة فحمله الربّان وأركبه السفينة فأعطاه حضرته روبية واحدة. فلما كانت السفينة تمخر عباب النهر،  قال لي حضرته: إن صحبة الشخص الكامل كالسفر في النهر حيث يأمل المرء الوصول إلى بر الأمان، كما أن هناك خطر الغرق أيضا. لقد استمعت إلى قوله وحسبته حديثًا عابرًا، إلا أنه لما ارتدّ “فتح خان” تذكرت قوله هذا.

على أية حال، أقمنا في الطريق في قرية “فتح خان” ووصلنا في اليوم التالي إلى هوشياربور حيث أقام حضرته في الطابق الثاني من الدار المسماة بــ “طويله”، وقسَّم الأعمال بيننا حتى لا نختلف، فعُهدتْ إليّ مهمة طبخ الطعام، وإلى “فتح خان” مهمة شراء الأغراض من السوق، أما “شيخ حامد علي” ففوضت إليه مهمة القيام بجميع الأعمال الأخرى بالإضافة إلى ضيافة الزوار. ثم أعلن  بإعلانات كتبها بخط يده ألا يزوره أحد إلى أربعين يومًا وألا يدعوه للطعام أحد، وبأنه سيقيم هنا عشرين يومًا أخرى بعد هذه الأيام الأربعين فبإمكان من يرغب في زيارته من الناس أن يزوره فيها ومن يريد دعوته للطعام أن يفعل، ومن يريد الاستفسار أن يستفسر حينها.

أمرنا قائلا بأن يبقى باب البيت مغلقًا دومًا وألا يكلمني أحد في البيت أيضا، وإذا دعوت أحدًا فيجب أن يردّ عليّ بما يلزم فقط وألا يأتيني أحد في الطابق الثاني. ينبغي أن يرسل لي طعامي إلى الطابق الثاني دون الانتظار هناك حتى أنهي الطعام بل يجب أن تأخذوا الأواني الفارغة في وقت آخر. سأصلي الصلاة لوحدي في الطابق الثاني أما أنتم فيمكنكم أن تصلوا في الطابق الأرضي. أما صلاة الجمعة فقد أمر حضرته بالبحث عن مسجد متروك في طرف المدينة حتى نصلي معا وحدنا. كان هناك بستان خارج المدينة وكان به مسجد مهجور فكان يذهب إليه لصلاة الجمعة فيخطب بنا ويؤمنا.

يقول ميان عبد الله السنوري: كنت أوصل الطعام إلى الطابق الثاني، ولم أكن أتكلم معه إلا إذا تكلم معي بشيء فكنت أجيب. قال لي في إحدى المرات: لقد فُتحت عليّ من الله تعالى في هذه الأيام أبواب أفضال كبيرة فالله تعالى يتكلم معي لمدة طويلة في بعض الأحيان، ولو كتبت ذلك لكانت مجلدات كبيرة.

يقول ميان عبد الله السنوري: لقد تلقى في هذا الاعتكاف نفسه إلهامات عن الابن الموعود، وأعلن عن هذه النبوءة بعد انتهاء الاعتكاف من هوشيار بور. (أقول: راجعوا الإعلان بتاريخ 20/2/1886) فلما مضت أربعون يومًا أقام هناك عشرين يومًا أخرى دعاه فيها بعضُ الناس على مائدة الطعام وجاءه بعض الناس للنقاش في الأمور الدينية،  كما جاءه بعض أصدقائه القدامى من خارج هوشياربور وأقاموا عنده ضيوفًا. وفي تلك الأيام نفسها حدثت المناظرة بينه وبين “مرلي دهر” التي نقلتْ مجرياتها في كتابه “سرمه جشم آريا” (كحل لعيون الآريا). فلما انقضت مدة شهرين كاملين عاد حضرته إلى قاديان بالطريق نفسه. كان هناك قبر رجل صالح على بعد خمسة أميال أو ستة، وكان حوله بستان صغير. فلما وصل حضرته إلى هذا المكان نزل عن عربة الثيران وقال: هذا المكان جميل وظليل فلنتوقف هنا لبعض الوقت. ثم ذهب إلى الضريح وكنت وراءه، أما شيخ حامد علي وفتح خان فوقفا عند العربة. فلما وصل حضرته إلى المقبرة فتح بابها ودخل إليها ثم وقف عند رأس القبر ورفع يديه للدعاء وظل يدعو لبعض الوقت ثم عاد وقال لي: لما رفعت يدي للدعاء خرج هذا الولي من قبره وجلس أمامي، وكنت سأتكلم معه لو لم تكونوا معي. كانت عيناه كبيرتين ولونه أسود. ثم قال: ابحثوا عن خادم هذا الضريح حتى نسأله عن أحوال هذا الولي. فبحثنا عنه ووجدناه فسأله عن هذا الرجل الصالح فقال: لم أره في حياتي لأنه قد مضى على وفاته مئة سنة تقريبًا إلا أني سمعت من والدي أو جدي أنه كان وليًّا كبيرًا في هذه المنطقة كلها وكان تأثيره كبيرًا فيها. سأله عن هيئته فقال: سمعت أنه كان أسود اللون وكانت عيناه كبيرتين. بعد ذلك انطلقنا من هناك ووصلنا إلى قاديان.

سألت ميان عبد الله السنوري: ماذا كان يفعل أيام خلوته هذه، وكيف كان يتعبد؟ فقال: لا نعلم ذلك لأنه كان يقيم في الطابق العلوي ولم يكن مسموحًا لنا الصعود إليه، وإذا ذهبنا لإيصال الطعام ذهبنا بعد استئذانه.

يقول ميان عبد الله السنوري: صعدت يومًا إلى الطابق العلوي لإيصال الطعام فقال لي : تلقيت إلهامًا: بورك من فيها ومن حولها، ثم شرحه وقال: أنا المراد مِن “مَن فيها” وأنتم المراد مِن “مَن حولها”.

يقول ميان عبد الله السنوري: كنت أبقى في البيت كل الوقت ما عدا الجمعة التي أخرُج فيها لصلاة الجمعة مع حضرته، كما أن “شيخ حامد علي” أيضا كان يظلّ في البيت معظم الأوقات، أما فتح دين فكان يقضي نهاره في الخارج.

أقول: أغلب ظني أنه كان خارج البيت وقت تلقي حضرته الإلهام المذكور.

يقول ميان عبد الله السنوري: كان “فتح دين” يكنّ لحضرته في تلك الأيام احترامًا لدرجة كان يقول: أعدُّ حضرتَه نبيًّا، وبناء على الاعتقاد القديم السائد كان يصيبني قلقٌ عند قوله هذا.

وروى ميان عبد الله السنوري وقال: ذهبت في إحدى المرات لإيصال الطعام فقال لي : يخاطبني الله تعالى ويحادثني بصورة لو ذكرتُ جزءًا منها لتركني كل هؤلاء الذين يُظهرون لي احترامًا كبيرًا.

  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني ميان عبد الله السنوري وقال: كان المسيح الموعود مرة مضطجعًا في “بيت الفكر” (الغرفة المجاورة للمسجد المبارك التي هي جزء من بيت المسيح الموعود )، وكنت أدلك رجليه حين طَرَق بابَ الغرفة “لاله شرمبت” أو لعله كان “لاله ملاوا مل”، فنهضت لفتح الباب إلا أن حضرته أسرع وفتح الباب قبلي ثم عاد وجلس في مكانه وقال لي: إنك ضيفي وقد أوصى النبي بإكرام الضيف.
  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني ميان عبد الله السنوري وقال: كنت في قاديان عند ولادة بشير الأول. جاء المسيح الموعود في المسجد في منتصف الليل وقال لي: ميان عبد الله، زوجتي تعاني من آلام المخاض الآن، فاقرأ أنت ههنا سورة يس وأنا سأذهب وأقرأها في الداخل. وقال: إن قراءة سورة يس تخفف من آلام المريض ولأجل ذلك تُقرأ هذه السورة عند حالة النـزع أيضا حتى لا يتألم الميت، وتنتهي الآلام قبل أن تنتهي سورة يس. بعد ذلك عاد إلى الداخل وطفقت أقرأ سورة يس، ثم دخل المسجد بعد قليل مبتسما قبل أن أنهي قراءة يس وقال لي: رُزقنا بصبيّا. ثم عاد إلى البيت، أما أنا فمن شدة فرحي وحماسي صعدتُ سطح المسجد وشرعت أقول بأعلى الصوت: مبارك مبارك.
  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثتني والدتي وقالت: لما تزوجت مكثت في قاديان شهرًا ثم عدتُ إلى دلهي. في تلك الأيام بعث لي المسيح الموعود رسالةً كتب فيها: لقد رأيت في الرؤيا ثلاثةَ أبناءٍ شبابٍ لك. تقول والدتي: الذي كنت أتذكره هو أنه كتب ابنَين إلا أن حضرته كان يقول بل رأيت ثلاثةً وكتبت أيضا ثلاثةً.
  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثتني والدتي أن المسيح الموعود كان يقول: هناك جانب من الإخفاء العجيب في أمور الله تعالى. لقد قال الله تعالى عن الابن الموعود إنه سيجعل الثلاثة أربعةً إلا أن جميع أولادنا أصبحوا مصداقًا له بشكل أو بآخر، فقد عدَّ ميان (ميرزا بشير الدين محمود أحمد) أنه جاعل الثلاثةَ أربعةً إذ إنه الرابع بعد مرزا سلطان أحمد ومرزا فضل أحمد وبشير الأول المتوفّى…..أما أنتَ (أي أنا العبد المتواضع كاتب هذه الأسطر) فالرابع من بين الأبناء الأحياء فقط دون بشير الأول المتوفى، أما شريف أحمد فقد عدّه مصداقًا لـ “يجعل الثلاثة أربعة” إذ كان الرابع من أبنائه الأحياء والمتوفين دون مرزا سلطان أحمد ومرزا فضل أحمد* ؛ أما مبارك أحمد فلكونه الرابع في أبنائه الأحياء دون بشير الأول المتوفى.
  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثتني والدتي وقالت: أصبح المسيح الموعود في الفترة القريبة من وفاته يرى رؤى ويتلقى إلهامات كثيرة عن وفاته. فلما سافر إلى لاهور كثرت هذه الإلهامات هناك. فقلت له يومًا قلقةً لهذا ولغيره أيضا: فلنعُدْ إلى قاديان الآن. فقال: الآن سنعود عندما يُرجعنا الله تعالى.

أقول: إنه دليل آخر على صدقه إذ إنه مع تلقيه إلهامات متكررة عن وفاته ومع ازديادها كلما دنت وفاته وكأن الموت ماثل أمامه، ظلّ منشغلا في إتمام أعماله بكل جهد ومثابرة، بل أخذ يعمل بجدّ وانهماك أكثر. فلما توفي كان في تلك الأيام أيضا يؤلف كتيب “بيغام صلح” (أي رسالة الصلح) كما أنه ظل يلقي خطابات أيضا بصورة متواصلة. فلو كان غيره لفترتْ قواه بعد سماعه خبر موته، ولو كان مفتريًا لانكشفت حقيقتُه في هذا الوقت.

  1. بسم الله الرحمن الرحيم. أقول: في 25/5/1908 بعد صلاة العصر – أي قبل وفاته ببضع ساعات – ألقى خطابًا يفيض بالحماس في دار الخواجه كمال الدين التي كانت الصلاة تقام فيها، وكان السبب في إلقائه هذا الخطاب تحدي المناظرة الذي جاء به شخص من طرف المولوي إبراهيم السيالكوتي، وقد عيّن حضرته المولوي محمد أحسن للاتفاق على شروط المناظرة، ثم ألقى خطابًا قويًا بحضور هذا الشخص، واحمرّ وجهه من شدة الحماس كما كان يحدث دومًا. ولا زلت أشعر بصدى بعض الجمل من خطابه هذا، فمثلا قال: دعوا عيسى يمت لأن حياة الإسلام تكمن فيه، وقال أيضا: لقد أتممنا مهمتنا الآن.
  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني الحاج عبد الحميد اللدهيانوي وقال: كان حضرته في “لدهيانه” وكان في باحة داري شجرة “نيم”، وكان موسم الأمطار وكانت أوراق هذه الشجرة خضراء وجميلة جدًّا. فقال لي: انظر، ما أجمل أوراق هذه الشجرة. يقول الحاج: نظرت حينها إلى حضرته وقد اغرورقت عيناه.
  1. بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني الحاج عبد المجيد أنه في أيام نشر كتاب “إزالة الأوهام” كان المسيح الموعود في لدهيانه وخرج يتمشى، وكنت أنا والحافظ حامد علي معه. بينما كنا في الطريق إذ قال لي الحافظ حامد علي: لقد تلقى هذه الليلة أو في هذه الأيام وحيًا: “سلطنت برطانية تا هشت سال بعد ازان ايام ضعف واختلال.” أي ستستمر قوة الحكومة البريطانية إلى ثمانية أعوام ثم تأتي عليها أيام الضعف والاختلال.

أقول: في المجلس الذي ذكر فيه الحاج عبد المجيد هذه الرواية قال لنا ميان عبد الله السنوري: أرى أن هذا الوحي أقدم من هذا الزمن، لأن حضرته قد أخبرنا – أنا والحافظ حامد علي – بهذا الوحي، وأذكره على النحو التالي: “سلطنت برطانيه تا هفت سال، بعد ازان باشد خلاف واختلال.” أي ستبقى الدولة البريطانية قوية إلى سبع سنوات ثم يعم الخلاف والاختلال. قال ميان عبد الله بأن الجزء الثاني من الإلهام محفور في ذاكرتي كالنقش في الحجر،  كما أذكر أنه قال “إلى سبع سنوات”. لم يكن المولوي محمد حسين البطالوي قد أصبح معارضًا في الزمن الذي أسمَعَنا المسيح الموعود هذا الوحي. زاره الحافظ حامد علي وذكره له أيضا؛ فلما تحول إلى معارض لحضرته نشر في مجلته بقصد إثارة الحكومة أن المرزا قد نشر مثل هذا الوحي.

أقول: إن لم يكن مردّ الاختلاف في الروايتين لميان عبد الله والحاج عبد المجيد هو ضعف الذاكرة عند أحدهما فمن الممكن أيضا أن يكون حضرته قد تلقى هذا الوحي مرتين وبلفظين اثنين، والله أعلم. كما أقول: لقد فُسّر هذا الوحي بتفسيرات عديدة، إذ إن البعض عدّ المدة المذكورة من تاريخ الوحي، وقال بعضهم أن بداية هذه المدة تكون من وفاة الملكة الفكتوريا، وذلك لأن حضرته قد دعا كثيرا للملكة. وبعضهم يجعلون له تفسيرًا آخر. يقول ميان عبد الله: أرى أن هذه المدة تبدأ من بداية القرن العشرين، لأن الأحداث تؤكد ذلك ولم أفهم هذا المعنى للوحي إلا بعد حدوث الأحداث.

أقول: أرى أنه يمكن أن يكون أحد معانيه أن هذه المدة تبدأ من وفاة المسيح الموعود ، لأنه قد ذكر أنه حرز للحكومة البريطانية، فأرى أنه ليس صحيحًا عدّ المدة عند وجود الحرز. وبذلك تكون بداية الحرب العالمية الأولى ونهاية مدة السبع أو الثمانية أعوام واحدة. والله أعلم.

أقول: للحكومة البريطانية أيادٍ كثيرة علينا، لذلك ينبغي أن ندعو ليحفظها الله تعالى من هذه الفتن. (للمزيد من شرح هذه الرواية انظر الرواية رقم 314 في الجزء الثاني من سيرة المهدي)

Share via
تابعونا على الفايس بوك