وفاة سيدنا المسيح الموعود عليه السلام

محمد أحمد نعيم

داعية إسلامي أحمدي

س: متى توفي المسيح الموعود ؟

ج: في 26/5/1908م بمدينة لاهور.

س: من صلَّى على المسيح الموعود الجنازة إمامًا؟

ج: أحبُّ شخص إليه ، وهو سيدُنا نور الدين .

س: ما هي تفاصيل فاجِعة الجماعة بوفاة إمامها، وكيف ضمَّد الله جراحها بإقامة الخليفة الأول له ؟

ج: إن في تفاصيل هاتين الواقعتين ما يجعلنا نزداد إيمانا وإخلاصا وثقة في الله ربنا. كانت أم المؤمنين رضي الله عنها تعاني بعضَ الأمراض التي لزِمتها في أواخر شهر أبريل/ نيسان 1908م، وكانت ترغب في الذهاب إلى لاهور بغية العلاج عند طبيبة مختصة، بينما كان المسيح الموعود قد أعلِمَ في ضوء بعض الإلهامات إلى أن موته وشيك، ومن ثم كان مترددا في الذهاب إلى هناك، لكن رغبة أم المؤمنين أيضا كانت تهمّه. لذلك ركّز على الدعاء، وطلب من بعض أفراد الجماعة أن يدعوا أيضًا، وفي ذلك تقول ابنته «السيدة نواب مباركة بيغم رضي الله عنها» أنه قال لها: أمامي مهمة أطلب منكِ بخصوصها الدعاءَ، وإذا رأيتِ في المنام شيئا فأخبريني. فرأت رضي الله عنها في المنام أنها صعدت إلى الطابق العلوي، حيث يجلس المولوي نور الدين وهو يمسك بكتاب ويقول انظري! هذا الكتاب يضم ما أوحي إلى المسيح الموعود بخصوصي، وإنني أبو بكر. وحين أطلعتْ المسيح الموعود في اليوم التالي على ما رأتْه قال لها: «لا تقصّي هذه الرؤيا على أحد، حتى على أمك». وأخيرا قرّر أن يسافر إلى لاهور في 29/4/1908م حيث أقام في البناية الأحمدية، وظل يجتمع بأفراد الجماعة هناك ويلقي عليهم المواعظ، كما حضَر للقائه بعضُ عِلية القوم من غير الأحمديين رغبة منهم في زيارته. بدأ المولوي نور الدين بإلقاء دروس القرآن هناك، ومن ثم كان المسيح الموعود يداوي بأنفاسه المقدسة أسقام الناس الروحية من جهة، ومن جهة أخرى كان المولوي يمهد الطريق لاقتناع الناس بصدقه بإزالة وساوسهم من خلال النصائح والمواعظ. في 17/5/1908 أقيمت مأدبة طعام كبيرة باقتراح من المسيح الموعود بقصد تأمين الغذاء الروحي لكبار لاهور، ولما كان عليلا، فقد طلب من المولوي نور الدين أن يقرأ شيئا على مسامع الضيوف الكرام، وما كاد أن يبدأ خطابه – امتثالا لأمر المسيح الموعود – حتى شرّف المجلس بحضوره مزوّدًا بقوة غيبية مما أنزل عليه من وحي يقول «إني مع الرسول أقوم» وبدأ يخطب في الناس مباشرة، وكان ذلك في الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، ولما مضت على الخطبة ساعة، قال للحضور: يمكن أن أنهي الخطاب إذا أردتم، لتتناولوا الطعام.. لكن جميع السامعين قاطبة أظهروا رغبتهم في أن يستمر في الخطاب قائلين: إن هذا الطعام المادي نأكله كل يوم، أما الغذاء الروحي هذا فهو غير متوفر كل يوم، ولا نفوز به في كل مكان، فأكمل الكلام، وكان له تأثير كبير في النفوس، ولما كان هذا الخطاب موجها إلى طبقة معيّنة من الناس، فقد طرح بعض السادة أن تكون له محاضرةٌ يحضرها عامة الناس، فقبِل هذا الاقتراح، وبدأ يكتب موضوعًا بعنوان «بيغام صلح» أي (رسالة الصلح) يتلخص في أن يحترم أتباع كل ديانةٍ مؤسسي الديانات الأخرى، ويذكروهم بخير فقط وإن كانوا غير مستعدين لتصديقهم، وينبغي أن يمتنعوا عن السب والشتم، بحيث يذكر المسلم أنبياء الهندوس باحترام، وفي المقابل يجب أن يحترم الهندوس أيضا نبينا المصطفى ، وكتب: إننا مستعدّون للتصالح مع ذئاب الغابات وأفاعى الأراضي القفراء، إلا أننا غير مستعدين بأي شكل من الأشكال للتصالح مع أولئك الذين يطلقون الشتائم على من هو أحب إلينا من آبائنا وأولادنا ومن الناس أجمعين. لقد أكمل هذا الكتاب القيّم في حياته، إلا أنه من سوء الحظ لم يُقرأ في حياته، وقد قرأه الأستاذ الخواجة كمال الدين بعد وفاة المسيح الموعود في عهد الخليفة الأول وبإذن منه في 21/6/1908م في حشد يضم آلافا من الناس في قاعة جامعة البنجاب برئاسة القاضي برتول جندر المحترم. كان المسيح الموعود – لباعثٍ خفيٍّ – منهمكًا في تأليف هذا الكتيِّب -رسالة الصلح- لدرجة تمكَّن من إنهائه حتى صلاة العصر في 25/5/1908، ثم بعد الصلاة خرج كالمعتاد للنـزهة لكنه عاد عاجلا، وكان -كما سبق ذكره- عليلا نتيجة الجهد الدماغي المتواصل والتعب المضني، وتأليفُ هذا الكتاب تسبّب في ضعفه أكثر، الأمر الذي سبّب له نوبة إسهال لم يستطع أن يقاومها جسمُه العليل، فطلب المولوي نور الدين والدكتور السيد محمد حسين شاه رضي الله عنهما، فحضرا إليه، فوصفَا له أدوية منشطة وغادراه ظنًّا منهما أن النوبة ناتجة عن الأعمال المضنية دماغيًا، وأن هذه الأدوية ستزيل التعب وتبعثه على النوم، ومن ثم سيتحسن. لكنه في الساعة الثانية ليلا أصابه إسهال شديد أوشك أن يتوقف بسببه النبض تماما، فطلب المولوي نور الدين، والدكتور السيد محمد حسين شاه، والسيد الخواجة كمال الدين، والسيد الدكتور مرزا يعقوب بيك وقال لهم: لقد أصابني إسهال شديد، فصِفوا لي دواءً، وأردف قائلا: «عالجوني وادعوا لي أيضا، فالحقيقة أن الدواء في السماء». فباشَروا العلاج ولم يفارقوه نظرا لوضعه الحرج، وظلوا يسعون جاهدين لعلاجه لكن دون جدوى. كان يشعر بالجفاف في لسانه وحلقه، غير أنه راح يردد بين حين وآخر: «يا إلهي، ياحبيبي»..ومع ضعفه الشديد، تيمّم وأخذ يصلي الفجر، وقد غُشي عليه أثناء الصلاة، واستفاق بعد قليل وأدى الصلاة كاملة. وفي الصباح بات واضحًا أنه في اللحظات الأخيرة من حياته، وقبيل الظهر فاضت روحه الطاهرة، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، إنا لله وإنا إليه راجعون. والجدير بالذكر أنه – في أثناء تأليف كتاب رسالة الصلح – تلقّى من الله أحدَ الأيام وحيًا ينص على ما يلي «الرحيل ثم الرحيل، والموت قريب». هذا الوحي، وإن كان لا يحتمل أي مجال للتأويل، لم يتكلمْ بخصوصه ولم يشرحْه عن قصد، لكنه بالنظر إلى مثل هذا الوحي قالت له أم المؤمنين ذات يوم وبدافع القلق والاضطراب: لِنعُدْ الآن إلى قاديان. فقال لها : «سنذهب متى ذهب الله بنا هو نفسه».

يقول مرزا بشير أحمد : كان المصلح الموعود عند وفاته ، في التاسعة عشرة من عمره، وهو يقول بخصوص مرض والده ووفاته: كانت صحة المسيح الموعود على ما يرام حتى مساء 25/5/1908م، وحين دخلتُ البيت ليلا بعد صلاة العشاء، وجدته يتناول العشاء مع أم المؤمنين على السرير. استلقيت على سريري وأخذَني النوم، وفي الهزيع الأخير من الليل وقبيل الفجر أيقظني أحدهم، وربما استيقظت تلقائيا بسبب أصوات الناس، فإذا سيدنا المسيح الموعود يعاني ضعفًا شديدًا بسبب الإسهال، فلما طلع الفجر حملنا سريره من الباحة إلى داخل الغرفة، ثم بعد قليل حين طلع الفجر سأل إذا كان قد حان وقت الصلاة؟ فقال أحد الموجودين، ولعلّه الشيخ عبد الرحمن: نعم يا سيدي قد حان. فتيمم مستلقيا وبدأ الصلاة. وفي الساعة التاسعة تقريبا تدهورت صحته جدًّا.

يتابع مرزا بشير أحمد روايةً عن أم المؤمنين رضي الله عنها «قالت أم المؤمنين عندما استفحل الوضع بسبب الضعف الشديد، سألتُه: هل نستدعي المولوي نور الدين؟ فقال: نعم، وقال: أيقظوا محمودا.. ثم سألتُه: هل أنادي صهرنا (محمد علي خان)؟ ولا أتذكر هل ردّ على ذلك أم لا». وفي الساعة العاشرة تقريبا بدأ يُحتضَر، ووثقنا أنه في الظاهر لم يبق أي بصيص من الأمل في حياته. وإلى تلك الساعة كانت أم المؤمنين رضي الله عنها منصرفة إلى الدعاء بمنتهى الصبر والتحمل، ولم يكن على لسانها غير الكلمات التالية «يا إلهي قد انقضت حياتُه في خدمة الدين، فهبْ له حياتي أنا أيضا» ولكن حين ظهرت حالة الاحتضار قالت باكية بكلمات تفيض بالألم والحرقة المتناهيتين: «يا إلهي؛ الآن يفارقُنا عبدك هذا، فلا تُفارقْنا أنت»، وفي الساعة العاشرة تقريبا، تنفس نفسا طويلا وصعدت روحه الطاهرة إلى عتبات مولاها الحبيب الخالد الدائم الحي القيوم، إنا لله وإنا إليه راجعون. كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَام (الرحمن: 27-28)

وبُعَيد وفاة المسيح الموعود جمعتْ أمّ المؤمنين أولادها، ونَصَحتْهم نصيحة تجدر بأن تُكتَب بماء الذهب، فقد قالت لهم – وفق رواية السيدة مباركة بيغم بنت سيدنا المسيح الموعود -: يا أولادي لا يبعثنّكم النظرُ إلى البيت الخالي على أن تحسبوا أن أباكم لم يترك لكم شيئا، كلا بل ترك لكم في السماء كنـز الأدعية الهائل الذي سيظل يصلكم في أوانه.