رمضان.. علاج النزيف المادي و الروحي

التحرير

لا شك أن التغيير إلى الأحسن على مستوى الفرد والشعوب أمر بالغ الأهمية وسنّة وضعها الله في الكون كي ينعم الإنسان بحياته على وجه الأرض ويحافظ عليها. وعلى عكس ما يستخلصه الفكر التقليدي من آية:

إنَّ الله لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد: 12)

بأن الله تعالى لا يغير ما بقوم من النعم والإحسان ورغد العيش حتي ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية فيسلبهم الله آنذاك الرفاهية ورغد العيش. إلا أننا نرى أن المحور الأساسي في هذا السياق أن الله تعالى جعل مدارج الرقي على المستوى المادي والروحي في متناول الإنسان، أي إذا طمح لرفع مستواه على الصعيدين المادي والروحي وسعى لذلك فحتما سيبارك له مساعيه. وإذا اعتراف المرء في قرارة نفسه بوجود العيوب في ذاته وأنها تمثل عائقا في طريق رقيه استطاع أن يعقد العزم على التخلص منها نهائيا. وهذه أول خطوة للتطلع للعيش الأفضل. فتغيير الحال لا يحصل بالأماني ولكن بالعمل الجاد والنية الصالحة والسلوك القويم، فمن يطمح للوصول إلى بر الأمان وشاطئ السلامة، عليه أن يعُدَّ الزاد من العمل الصالح والتقوى وأن يركب سفينة النجاة. وما أروع ما قاله الإمام الشافعي (رحمه الله) بهذا الصدد:

تبغي النجاة ولم تسلك طريقتَها
إن السفينة لا تجري على اليبسِ

أيها الأعزة، إن سفينة النجاة.. “رمضان المبارك” في هذا السياق، قد أرست على شواطئ قلوبنا القاسية ودق ناقوس النجدة، فهل من مستنجد؟!
كل سنة يطل علينا الشهر الفضيل ويجدنا في حال أسوأ من حال السنة المنصرمة. فها هي الأمة مثخنة بالجراح والمآسي والآلام، فما من بلد مسلم إلا وهو في حالة نزيف مضنٍ تأكل أحشاءه نيرانُ فتيل الإرهاب. والجميع يصرخ باحثا عن الحل قبل أن يفوت الأوان. وليكن معلوما أن معظم الحشود الإسلامية قد ساهمت من قريب أو بعيد في هذه العيشة الضنكة من خلال ابتعادها عن الحضرة الأحدية. فها بالشهر الفضيل يمد يده إلينا جميعا كي نبدأ صفحة جديدة مع خالقنا، فلننتهزْ هذه الفرصة ونضيف رصيدنا من الصالحات ونصفِّي ما علينا من آثام. فلا شك أن الأمة التي أعزها الله بالقرآن لن تذوق طعم العز ثانية إلا به، وها بالشهر الفضيل الذي نزل فيه القرآن يدعوكم لعقد صلح جديد مع خالقكم.
فكما لا يخفى على أحد فإن من أهم أهداف الصيام والقيام هو اكتساب المرء مزيدا من الحسنات والقرب إلى الله أكثر، وذلك بالتبرع للسائل والمحروم بما يحتاجه من أموال وغذاء. ولكن ما يحدث على أرض الواقع هو أن الشهر الفضيل تحول إلى شهر تبذير للقدرات المادية وبالتالي أحدث نزيفا اقتصاديا في جسد الأمة المترامية الأطرف التي تستورد خلاله أطنانا إضافية من المنتجات الغذائية لتغطية الحاجيات المترفة.
يبدو أن المغزى الصحيح من الطقوس الدينية العظيمة قد ضاع وتبخرت الغاية منها في زحام موضات الاستهلاك والتقليد الأعمى. ولا يختلف اثنان أن أمة الاستهلاك المبالغ فيه والهزل هي أمة فاشلة. والعجب العجاب أن الأمة تشتكي من نزيف على المستوى الروحي والمادي على حد سواء. ولا شك أن رمضان هو المنقذ في هذا الخضم، حيث يربي أبناء الأمة على الجدّ والقناعة ويدربهم على عفة اللسان، ونقاء القلوب، وتطهيرها من أدران الأحقاد والبغضاء، والحسد والغلّ والشحناء. ويعلمهم الاكتفاء بالقليل والتمسك بالقناعة.

والعجب العجاب أن الأمة تشتكي من نزيف على المستوى الروحي والمادي على حد سواء. ولا شك أن رمضان هو المنقذ في هذا الخضم، حيث يربي أبناء الأمة على الجدّ والقناعة ويدربهم على عفة اللسان، ونقاء القلوب…

وفي هذا الخضم كلنا بحاجة ماسة إلى أن نخصص وقتا كافيا إلى فترات من الصفاء والراحة والنقاء لتجديد معالم إيماننا وإصلاح ما فسد، وإن شهر رمضان المبارك يشكل فترة روحية وفرصة للإصلاح. إنه محطة لتعبئة القُوى الروحية والخُلُقية التي يحتاج إليها كل مسلم. إنه مدرسة لتجديد الإيمان، وتهذيب الأخلاق، وتشحيذ الأرواح، وإصلاح النفوس، وضبط الغرائز، وكبح الشهوات.
فحري بكل مسلم أن يجعل من هذا الشهر الفضيل نقطة تحوُّل، من حياة هجرة الله وتعاليمه إلى حياة الاستغفار والتوبة النصوح. وأن يكون هذا الشهر مرحلة تغيّر في المناهج والأفكار والآراء، لتكون موافقةً للمنهج الحق لكتاب الله وسنة نبيه المصطفى . ولو تأملنا في الآيات التالية من سورة الأنبياء:

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين (الأنبياء: 106-108)

لوجدنا أن سنة الله الأزلية مع الأقوام السابقة لا زالت سارية المفعول إلى يومنا هذا وبعبارة أوضح أن العيش في كنف الأمان والاستقرار على الأرض التي يباركها الله لن يتم إلا بالرجوع إليه والعيش في كنف تعاليمه. ولسوء حظ أغلبية المسلمين أنهم يعتمدون على أدبيات علماء عصور الظلمات لتحصيل العلوم الدينية، وقد ساهم هذا في تشكيل صورة مغلوطة للدين الحنيف في أذهانهم وبالتالي ابتعادهم أكثر من الحضرة الأحدية. وها نحن ندعوكم جميعا أن تأخذوا من رحيق نفحات الفكر الإسلامي الأحمدي المتجدد لأنه يحوي بين طياته رحيق الوحي الإلهي. فهلموا يا مشعر المسلمين وانهلوا ما يشفي غليلكم ويطمئن قلوبكم، كي تكونوا من الفائزين.
نسأل الله تعالى أن يُعيد علينا شهر رمضان المبارك ونحن في أحسن حال، وأن يُعيد علينا العيد ونحن برفقة الصديقين، وأن يجعلنا من المقبولين عنده وراية الإسلام الحق ترفرف في القلوب الطاهرة، في ظلّ الخلافة الإسلامية الحقة خلافة مولانا مسرور أحمد، أيّده الله تعالى بنصره العزيز، آمين يا ربّ العالمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Share via