- فماذا عن الإحصائية المقارنة لورود كلمة “السيف” في القرآن مقارنة بالكتب الأخرى؟
- وكيف يدحض المقال ادعاء أن المسلمين رفعوا السلاح فقط لأنهم كانوا ضعفاء في مكة؟
- وما هو دور الحركات الاستشراقية في تشويه سيرة النبي ﷺ بعد انتهاء حكم الأندلس؟
- ثم كيف فسرت آيات سورة “الحج” الغاية الحقيقية من الإذن الإلهي بالقتال؟
- لماذا يعتبر المقال أن حماية الكنائس والبِيَع واجب شرعي يسبق حماية المساجد؟
____
شهادة المعاصرين للحدث
نظرا إلى ما تمتع به سيدنا محمد ﷺ من رصيد الصدق العظيم حتى قبل بعثه رسولا، لم يكن بمقدور كبار خصومه تكذيبه شخصيا، وتروي كتب السير والأحاديث العديد من الروايات بهذا الصدد، كتلك الرواية الواردة في سنن الترمذي:
ويماثل موقف أبي جهل موقف النضر بن الحارث وهو أيضا معروف بعدائه للإسلام، وتصادف أن سمع في ناديه قائلا يقول إن محمدا كاذب (والعياذ بالله) فردّ عليه قائلاً:
وبالتالي لم يجد الذين عاشوا في زمنه ولا حتى أعداء الإسلام آنذاك عيباً واحداً في شخصيته، لكن الغريب هو أن الذين يدرسون شخصيته من قرون بعد مجيئه ﷺ يحاولون تشويه سمعته.
المعاصرون للحدث هم أولى بالأخذ بشهادتهم، هذه قاعدة يُعمل بها حاليا في المحافل العلمية الرصينة وأروقة القضاء، بل وحتى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، غير أن الآية تُقلَب عنوة رأسا على عقب، إذا ما تعلق الأمر بسيرة سيدنا محمد ﷺ بوجه خاص، وذلك لسبب يتضح بيانه من خلال هذا المقال.
أول سلاح شهره المسلمون!
لقد تلقى النبي الوحي القرآني الأول
ثم الأمر بتبليغ ذوي قرباه
خلال الأعوام الثلاثة الأولى من بعثته ﷺ، وخلال هذه المدة الوجيزة كانت جماعة المؤمنين الأولى تنمو نموا بطيئا، لكنه مستمر في الوقت ذاته، وخلال هذه المدة آمن عدد من كبار رجالات قريش، ولم يكن السلاح الذي شُهر عليهم ليؤمنوا، لم يكن سوى الحجة البالغة والكلمة المؤثرة.
أين هم من المسلمين قبل الإذن بالقتال؟!
المساحة التي يخصصها المستشرقون المغرضون من أجل تشويه سمعة الإسلام ونبيه، هي مساحة شاسعة من المطبوعات التي تصدرها المؤسسات الكنسية والمنظمات الأهلية التابعة لها منذ أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، والذي شهد سقوط الأندلس، الأمر الذي وضع نقطة النهاية لحكم المسلمين فيها ووجودهم المؤثر على الساحة الأوروبية، ومع انتهاء حكم المسلمين للأندلس بدأت حملة تشويه الإسلام ورمزيه الرئيسين الممثلين في القرآن الكريم وسيرة النبي العظيم ﷺ، وتلك ممارسات ممنهجة ومنظمة بشكل يفوق التصور، كان من مظاهرها، ولم يزل، تمويل الحركات الاستشراقية العالمية التي لا شغل لها ولا هدف سوى تشويه هذين المقدسين بكل ما استطاعت من قوة ووسائل، غير مشروعة في أغلبها بطبيعة الحال. إذ لو توخى هؤلاء المغرضون المشروعية في هجومهم على شخصية النبي ﷺ لاضطروا إلى النظر في سيرته ككل متكامل، لا أن يركزوا أنظارهم السقيمة على جانب واحد من حياته، والغريب أن هذا الجانب هو الجانب الأقصر من حيث المدة الزمنية، إذ يبلغ عدد السنين التي رفع فيها النبي ﷺ السيف دفاعا عن مجتمع صار مسؤولا عن رعايته، عشر سنوات مقابل ثلاث عشرة سنة كان مأمورا فيها بالصبر على الأذى. المستشرق المغرض يُسقط من حساباته التطفيفية تلك السنوات الثلاث عشرة قبل الهجرة النبوية المباركة، فإن لم يسقطها فإنه يلوي عنق الحقيقة، بدعوى باطلة تقول بأن تلك السنوات الثلاث عشرة لم يكن بمقدور المسلمين فيها رفع السيف في وجه الاضطهاد!
شهادة السيف على كذب المغرضين!
«السيف».. تعبير قديم يراد به استعمال القوة المسلحة، من طرف واحد غالبا، أي بمنطق العدوان وغصب حق الغير، وهذا من الاستعمالات اللغوية الشائعة عبر العصور، فحين يقال مثلا أن فلانا أخذ مال فلان بحد السيف، فهذا معناه أن صاحب السيف غصب مال الآخر، واستضعفه.. أما على صعيد الاستعمال القرآني فسندهش حين نرى أن تعبير «السيف» لم يرد في الكتاب الحكيم ولا مرة واحدة، ولا حتى على سبيل الإشارة من طرف خفي، مقارنة بوروده في الكتاب المقدس 390 مرة(5) فقط بصيغة الإفراد، وذلك بحسب إحصاء إحدى الصفحات المسيحية غلى شبكة الإنترنت.
وعلى أية حال، وبصرف النظر عما إذا كان تعبير «السيف» يراد به الغصب والعدوان أو القتال المتكافئ المشروع، فإن المسلمين منذ عهد الإسلام المبكر وحتى انقضاء العام الثالث عشر من البعثة لم يرفعوه، لأنهم ببساطة لم يتلقوا إذنا بهذا الصدد.
بالطبع إن ادعاء الطاعنين في شرف الإسلام ونبيه بأن السنوات الثلاث عشرة السابقة للهجرة النبوية لم يكن بمقدور المسلمين فيها رفع السيف في وجه الاضطهاد، ليس سوى ادعاء أجوف، يدحضه أن حال المسلمين من الضعف أو القوة لم يتغير كثيرا بين عشية وضحاها.
بل يمكن القول بأن المسلمين حين كانوا في مكة يتحملون الاضطهاد بصبر طاعة لله تعالى ولرسوله الكريم، كانوا من حيث وجهة نظر الإنسان العادي، كانوا أقوى وأقدر من وضعهم الجديد بعد الهجرة والإذن لهم بالقتال.. كيف هذا يا ترى؟!
لقد دخل الإسلام في عامه الأول ثلة من كبار شخصيات قريش، كأم المؤمنين حضرة خديجة (رضي الله عنها) وحضرة أبي بكر الصديق ، وفي دار الأرقم، انضمت لحظيرة الإسلام شخصيات ذات ثروة ورأي كحضرة عثمان بن عفان ، وهؤلاء حازوا من الثروة المادية ما يكفي ويفيض لتمويل عمليات انتحارية كالتي تمولها كبرى الحكومات حاليا دون جدوى، كذلك انضمت إلى حظيرة الإسلام شخصيات عرفت ببأسها الشديد كعمر بن الخطاب .. وليس هذا فحسب، بل حتى إن من فقراء المسلمين ممن آمنوا في تلك الفترة المبكرة كعبد الله بن مسعود الذي صدع بقراءة القرآن في المسجد الحرام فأُبرح ضربا، وكررها حتى سئم المشركون من ضربه، فهؤلاء امتازوا بروح التضحية والفداء بحيث لو أمروا بالإجهاز على سادات قريش أصحاب سياسة الاضطهاد لفعلوا دون تردد.. ولكن هذا لم يحدث.
ومع انتهاء حكم المسلمين للأندلس بدأت حملة تشويه الإسلام ورمزيه الرئيسين الممثلين في القرآن الكريم وسيرة النبي العظيم ﷺ، وتلك ممارسات ممنهجة ومنظمة بشكل يفوق التصور، كان من مظاهرها، ولم يزل، تمويل الحركات الاستشراقية العالمية التي لا شغل لها ولا هدف سوى تشويه هذين المقدسين بكل ما استطاعت من قوة ووسائل
فإذا ما قفزنا بالزمن عشر سنين إلى الأمام، وكنا في مجتمع المدينة المنورة الجديد، والذي كانت اللقمة تقتسم فيه بين المسلم الأنصاري وأخيه المهاجر، حيث خلف المسلمون المهاجرون وراءهم أموالهم في مكة، فإننا يمكننا القول مطمئنين بأن حال المسلمين في المدينة حين أُذن لهم بالقتال لم تكن بأفضل من حالهم في مكة، والأسباب المادية لم تكن في صالحهم مقارنة بالحال حين كانوا في مكة. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة بعد نصر بدر المؤزر، يقول تعالى:
فلو تصورتا أن السيف يتكلم، فسنسمعه يرد على أولئك المستشرقين المغرضين قائلا: تالله إنكم لكاذبون!
شبهات التنصير والإلحاد.. الممارسة الدجالية القديمة
في الواقع إن غض الطرف عن جريمة صناديد مكة والتركيز فقط على فكرة حمل المسلمين السيف، هو اقتطاع للأمور من سياقها، وهذه ممارسة دجالية قديمة يبلغ عمرها خمسة قرون أو يتجاوزه بقليل. والمحاولات المستميتة من جانب أساطين التنصير والمستشرقين في سبيل إظهار مجرمي مكة المعتدين في مظهر الضحية أمر لا يكاد يُصدَّق! فعلى الرغم من أن هؤلاء القساوسة والمستشرقين يبدون أتباع دين يدعو إلى السلم والخلق القويم، أي أن انتصارهم للطرف المجرم أمر يستحق الوقوف عنده مليا، ويكاد لا يماثله في التاريخ سوى موقف كبار يهود المدينة من المسلمين، حين قصدوا مكة متآمرين مع مجرميها على المسلمين في المدينة، ويحكي القرآن المجيد موقف اليهود في سياق قوله تعالى:
إن المرء لا يتخذ هذا الموقف الأعوج إلا حين يُسقط من حساباته وجود ذات أعلى خالق ورقيب، فهذا الموقف موقف إلحادي بكل المقاييس، وهو موقف قد ارتضاه قساوسة التنصير ومستشرقو الطعن لأنفسهم منذ قرون، ويحاولون بواسطته عبثا طمس الحقائق الجلية، ولكن طالما فشلت محاولاتهم وأسفرت عن جمال الإسلام الخفي أكثر وأكثر.
سُنَّةُ دَفْعِ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
الأصل في شريعة الإسلام هو السلم التام، شكلا ومضمونا، ويتجلى هذا الأصل أبهر تجلٍّ في الدعوة القرآنية إلى جنوح المسلمين للسلم إذا ما أبدى محاربوهم الجنوح إلى السلم، ولو اضطرارا، وذلك بحسب قوله تعالى:
فإذا كان هذا هو موقف الإسلام الرسمي ممن رفعوا السيف عليه، أفتراه يرفع السيف على غيره عدوانا؟! بالطبع لا.. فحتما وراء تشريع الإسلام القتال سبب داع.. فما هو يا ترى؟!
سلسلة الجواب على التساؤل السالف تقدمها الآية الكريمة من سورة الحج المباركة، وبالمناسبة، إنها السورة التي نزل فيها تشريع القتال والإذن به، يقول تعالى:
ففي هاتين الآيتين المتواليتين من سورة الحج نطلع على جملة فوائد: أولاها بيان الإذن الرسمي بالقتال، وأنه كان المرحلة الأخيرة بعد ثلاث عشرة سنة من الصبر الإسلامي إزاء الاضطهاد القرشي، وهو اضطهاد طال المسلمين جميعا دون استثناء، فقيرهم وثريهم. وحتى بعدما اضطر المسلمون إلى شق طريق الهجرة مؤثرين السلامة والسلم، فإن هذا لم يُرضِ غرور صناديد مكة، فقرروا ملاحقتهم حتى في مهجرهم.. إن فعلة مشركي مكة هذه بمعايير عصرنا تدينها كافة المواثيق الدولية، مثل ميثاق الأمم المتحدة لحماية اللاجئين.. بل إن جريمة صناديد مكة كانت مضاعفة، ففوق أنهم أعلنوا النفير للقضاء على المسلمين الفارين بدينهم تاركين لهم ديارهم وأموالهم لينهبوها، أقدموا فوق ذلك على غزو وطن وشعب مستقل ذي سيادة.. لا شك أن الله تعالى الحي القيوم يسمع ويرى ما يحدث، فينبغي على كل متبصر أن يَتوقع حدوث أمر ما يضبط الموازين، إن كان يؤمن بأن لهذا الكون إلها!
الإِسْلَامُ، وَالحَرْبُ مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ
الإذن الإلهي المعلن للمسلمين بالقتال في آية (الحج: 40) تعلله الآية التالية مباشرة، أي (الحج: 41)، وذلك أن الإذن بحمل السلاح لم يأتِ إلا بعد سنين من الصبر على وقاحة مجرمي مكة، وفي نهاية تلك السنين العشر، صار شابا من كان في بدايتها صبيا غِرًّا، فأقام الله تعالى الحجة على مجتمع مكة بأكمله، حتى إن من شباب مكة الذين عاصروا اضطهاد المسلمين قديما قد أقروا لاحقا ببراءة ساحة الإسلام ونبيه من تهمة العدوان والإكراه على اعتناق الإسلام، إذ لأسلم العديد منهم طواعية بمحض إرادته، مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنهم).. فتلك شهادة المعاصرين للحدث، أفنتركها لأجل تهمة غائب غاضب؟!
وإذا تعمقنا في الموضوع أكثر، وجدنا أن قتال المسلمين في مجمله كان لأجل إقرار مبدأ الحرية الدينية، فلو كان المسلمون دعاة إكراه كما يزعم المنصرون، لما كان هناك وجود للمجتمع الإسلامي التعددي، بدءا من مجتمع المدينة المنورة الذي ضم الوثنيين واليهود جنبا إلى جنب مع المسلمين..
إن أغرب ما في الموضوع أن المجرم يرمي البريء بعيبه هو، فأصحاب محاكم التفتيش الإسبان ومن على شاكلتهم يتهمون الإسلام ونبيه بالإكراه في الدين، علما أن مجتمع الأندلس الإسلامي كان مجتمعًا نعم فيه أهل كافة الأديان بالحرية والسلام، حتى إن يعود الأندلس لم يطب لهم المقام بعد انتهاء حكم المسلمين هناك، ففروا بأرواحهم وأموالهم إلى الجنوب حيث حكم المسلمين أيضا.
إن آية (الحج: 41) بإيجاز توضح سبب رفع نبي الإسلام سيفه للقتال، وأنه ليس بغية كسب مادي أو لنشر دينه بالقوة، بل دفاعا عن النفس، لإنقاذ الإسلام من الإبادة أولا، وإرساء مبدأ حرية الدين والفكر كحق لجميع الناس وجميع الأديان ثانيا. وهكذا فكل حرب خاضها الرسول الكريم يجب أن ينظر إليها من ذلك المنظار. فوفقًا للآية المذكورة أعلاه إنه من واجب المسلمين حماية ليس فقط المساجد ولكن أيضًا أماكن العبادة عند الأديان الأخرى وضمان حرية الدين لجميع الناس، يتوافق هذا تمامًا مع القرآن الكريم الذي ينص صراحة على أنه
ولله در أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
الحربُ في حقٍّ لديكَ شريعةٌ
ومن السمومِ الناقعاتِ دواءُ(11).
الهوامش:
- سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله
- القاضي أبو الفضل عياض بن موسى، «الشفاء بتعريف حقوق المصطفى»، ج1، ص90، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2002
- (العلق: 2)
- (الشعراء: 215)
- محرك البحث في الكتاب المقدس
- (الأَنْفال: 18)
- (النساء: 52)
- (الأَنْفال: 62)
- (الحج: 40-41)
- (البقرة: 257)
- أحمد شوقي، «الشوقيات»، قصيدة «ولد الهدى».