- ما هو التفسير الدقيق لقوله تعالى “فلا تعجل عليهم”، وكيف يرتبط بحكمة الله في إمهال المكذبين؟
- كيف تساهم الشياطين في إضلال الكافرين وصرفهم عن الحق؟
- لماذا يُحشر المتقون “وفدًا” بينما يُساق المجرمون “وِردًا”؟
- كيف ترد هذه آيات سورة مريم على استهزاء الكفار واستعجالهم وقوع العذاب في الدنيا؟
___
شرح الكلمات:
أَزًّا: الأَزُّ هو غليان القِدْر في الأصل، ثم استُعمل بمعنى الإغراء (الأقرب). والأزُّ أقوى مِن الهزّ (المفردات تحت أزّ).
أرسلنا: أرسله يعني بعَثه. ويعني أيضًا أطلقه وخلّاه. يقال أرسلتُ البعيرَ: خلّيتُ سبيله (انظُر الأقرب والقرطبي).
التفسير:
لقد بيّن الله تعالى هنا أن عملنا الأساسي هو حماية عبادنا من الشياطين، كما قال الله تعالى لإبليس في مكان آخر من القرآن الكريم ]إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ[ (الحجر 43)[ (الحِجر: 43)، ولكنا ننـزع حمايتنا عن هذا النوع من الكفار، ونتركهم وشأنهم، ونخلي سبيل الشياطين ليهاجموهم كما شاءوا، فلا نريد أن نتدخل في شؤونهم أبدًا.
وقوله تعالى ]أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ[ لا يعني أنه تعالى يبعث الشياطين للهجوم عليهم، أو يرسلهم بنفسه وراء هؤلاء؛ بل المراد أنه تعالى يقيّد الشياطين في الأصفاد عادةً، أو يتصدى لهم إذا هجموا على عباده، ويحميهم منهم، ولكن هؤلاء الكفار هم من النوع الذي إذا هاجمهم الشيطان فإنه تعالى لا يدفعه عنهم، بل يخلي سبيله، ليفعل بهم ما شاء، لوجود نوع من الأنس والتجانس بين الفريقين حيث يحنّ الواحد إلى الآخر ويتلهف إليه شوقًا.
وكأن الله تعالى يبين هنا أنه يصفّد الشياطين في أول الأمر، أو إذا أرادوا الهجوم على عباده تصدى لهم دفاعًا عنهم، ولكنه يأتي فيما بعد حين يتخلى عنهم ويتركهم والشياطين. ذلك لأنه يتولد بين الشيطان وهؤلاء العباد نوع من التوافق والتجانس والتوادّ حتى يحن الواحد منهما شوقًا لاحتضان الآخر؛ فلا يريد الله بعد ذلك أن يتدخل في شؤونهم.
أما قوله تعالى ]تَؤُزُّهم أَزًّا[ فله ثلاثة مفاهيم:
الأول: أن الشياطين تحرّضهم على المعاصي. ذلك لأن الشيطان إنما يغري الإنسان بما يتفق مع طبيعته، والبديهي أن الشيطان يحب الإثم والعصيان. فمثلا لو قيل إن المعلم يحث الطلاب حثًّا لفهِم السامع أنه يحرضهم على المذاكرة وطلب العلم. أو إذا قلنا مثلاً إن قائد فريق الكركيت يؤزّ اللاعبين أزًّا لكان المعنى أنه يحرضهم على إجادة هذه اللعبة وإتقانها. ولما كان عمل الشيطان الحث على الشر فكان معنى قوله تعالى ]تؤزّهم أزًّا[ أن الشياطين تغري هؤلاء بالمعاصي والآثام.
والثاني: أن الشياطين لا تزال تحرّضهم على المعاصي حتى يسقطوا في جهنم في آخر المطاف.
والثالث: أن الشياطين تحرضهم على التصدي للمسلمين والهجوم عليهم. ذلك لأن الشيطان إنما سيحرّضهم ضد عدوه، والبديهي أن عدوه الحقيقي هو المسلمون والإسلام؛ ولكن ليس بوسعه أن يهاجمهم مباشرة، لذا فهو يحرض أصحابه بأن هُبُّوا واحملوا على المسلمين.
الحق أن المؤمنين يصابون بالقلق حين يتجاوز العدو الحدود في شره وعدوانه، فيُعرِبون عن غيرتهم تارة، ويقولون للنبي أو لخليفته أن يدعو على العدو بالهلاك، ويصدرون فتاوى الجهاد تارة أخرى. في حين أن الله تعالى يكون قد خطط لهلاك الأعداء خطة أخرى، فيأمر المؤمنين بعدم الاستعجال، لأن كل شيء سيتم في موعده، وسيحل عليهم العقاب من عنده حتمًا.
التفسير:
أي ما دام الأمر كما بيّنا، وما دامت هذه هي مشيئتنا، فلا حاجة بكم أيها المؤمنون أن تخططوا لعقابهم، وتتخذوا شتى التدابير لمحاربتهم. إنما تعليمنا لكم هو ]فلا تعجَلْ عليهم[.. أي لا تتسرعوا في شأنهم فيما يخص نواياكم أو خططكم وتدابيركم أو هجومكم أو دعاءكم عليهم. ذلك لأن الله تعالى لم يحدد هنا أمرًا معينًّا ينهانا عنه، فلذا يمكن أن يراد هنا كل شيء يُستخدم ضد العدو من نية أو خطة أو تدبير هجومي أو مشاعر غيظ وألم أو دعاء.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا نُهينا هنا عن الاستعجال ضد العدو؟
والجواب أن الآية السابقة أخبرتنا أن الله تعالى نفسه قد خلّى سبيل الشياطين لتحريض هؤلاء الأعداء. كان الله تعالى قادرًا على أن يحمي العباد من هجمات الشياطين، ويفشل هجومهم، لأن من سنته أن الشيطان إذا صال على عبده تصدى لـه دفاعًا عنه من صولته، ولكنه تعالى ما دام قد أمسك عن التدخل بين هؤلاء القوم والشياطين فلا بد أن يكون وراء ذلك حكمة إلهية. فلا يليق بالمؤمن القيام بما يتعارض مع الحكمة الإلهية، فيهبّ لمحاربة الذين قد أراد الله تعالى بمشيئته وحكمته أن يمدّ لـهم حبل المهلة مدًّا.
غير أن هذا لا يعني أن يمتنع المؤمنون من اتخاذ مواقف سلمية أخرى ضد معارضي الإسلام، ولا يحملوا أي مشاعر غيرة ضد أعداء الحق، ولا يتخذوا تدابير مشروعة لإفشال مكائد المتآمرين على الإسلام. وإنما ينهانا الله تعالى عن الرد على ما سبق بيانه في الآية الماضية.
لقد بين الله تعالى بقوله ]ألم تَرَ[ أن الظروف واضحة جلية لكم، ولو تدبرتم لأدركتم أن كل هذا إنما يتم وفق مشيئة إلهية خاصة.
علمنا من ذلك أنه إذا كان هناك أمر لا نعرف على وجه اليقين ما هي الخطة الإلهية بشأنه، أو إذا كان ثمة حدث يندرج تحت النواميس الطبيعية العامة، فيجوز لنا عندها الدفاع عن أنفسنا ضد هجوم العدو، ويحق لنا أن نتخذ ضده التدابير بحسب القانون. ولكن إذا رأينا جليًّا أن الله تعالى يعمل الآن بحسب مشيئته الخاصة خلافًا لسنته العامة فليس لنا إلا العمل بما أوصانا الله به في قوله تعالى ]فلا تعجَلْ عليهم[. فعندها يحرم على المؤمن حتى الدعاء على العدو أيضًا، واللجوء إلى أي تدبير. إنما يؤمر عندئذ أن يتحمل العدوان بصبر وثبات فحسب.
الحق أن المؤمنين يصابون بالقلق حين يتجاوز العدو الحدود في شره وعدوانه، فيُعرِبون عن غيرتهم تارة، ويقولون للنبي أو لخليفته أن يدعو على العدو بالهلاك، ويصدرون فتاوى الجهاد تارة أخرى. في حين أن الله تعالى يكون قد خطط لهلاك الأعداء خطة أخرى، فيأمر المؤمنين بعدم الاستعجال، لأن كل شيء سيتم في موعده، وسيحل عليهم العقاب من عنده حتمًا.
ثم يقول الله تعالى ]إنما نَعُدُّ لهم عَدًّا[.. أي أنكم تنامون غافلين عن عدوكم، ولكنا مستاءون منه لدرجة أننا نعد ساعات هلاكه عدًّا. وما دمنا نتربص به لكي نكسر عنقه، فلم تستعجلون خاصة وأنكم لا تقدرون على مقاومته.
انظر كيف أعطى الله تعالى هنا تعليمًا واضحًا وهامًّا بصدد الجهاد، وكيف تدعم هذه الآية تلك النظرية الرائعة التي قدمها مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية سيدنا المسيح الموعود بصدد الجهاد في هذا العصر. فقد بين الله تعالى في هذه الآية أنه سيأتي على المسلمين زمان يقول فيه فئة منهم أن لا سبيل لرقي الإسلام الآن إلا بالجهاد ضد هؤلاء الكفار وببذل الجهود لمحوهم بحد السيف. ولكن هؤلاء سيكونون على الخطأ، فإنما الطريق السليم والصحيح أن لا يتعجل المسلمون في مقاومة الأعداء، بل يتحملوا أذاهم بصبر وجلد، ولا يتخذوا إلا تدابير روحانية أي نشر الدعوة والدعاء وما إلى ذلك. وهذا بالضبط ما دعا إليه سيدنا المسيح الموعود الذي بعثه الله تعالى لإصلاح العالم، فأعلن للمسلمين في بيت شعر لـه بالأردية ما تعريبه:
كل من يخرج للحرب بعد سماع هذا الأمر سيلقى على أيدي الكافرين هـزيمة نكراء. (التحفة الغولروية ص 78)
لقد أوضح حضرته للمسلمين أنهم ما داموا لا يملكون أي قوة فكيف يكون الجهاد بالسيف فرضًا عليهم. عندما يحين وقت الجهاد بالقوة سيمكّن الله المسلمين من مقاومة العدو كيفما شاء.
فالمسيح الموعود قد عارض فكرة الجهاد السائدة بين المسلمين في هذا العصر، وهذه هي الحقيقة التي بيّنها الله تعالى في قوله فلا تعجَلْ عليهم.
فإنما الطريق السليم والصحيح أن لا يتعجل المسلمون في مقاومة الأعداء، بل يتحملوا أذاهم بصبر وجلد، ولا يتخذوا إلا تدابير روحانية أي نشر الدعوة والدعاء وما إلى ذلك. وهذا بالضبط ما دعا إليه سيدنا المسيح الموعود الذي بعثه الله تعالى لإصلاح العالم
الحق أن رقي المسيحيين وازدهارهم الذي تتحدث عنه هذه السورة إنما كان مقدرًا لهم في المستقبل، بل قد أكد القرآن الكريم والحديث الشريف أنه مقدر لهم في الزمن الأخير بالتحديد. فثبت بذلك أن قوله تعالى ]فلا تعجَلْ عليهم[ ليس موجهًا إلى رسول الله في الحقيقة، وإنما إلى المسلمين في الزمن الأخير، حيث أخبر الله تعالى أنه سيأتي عليهم زمان يتمنون فيه حرب المسيحيين برؤية رقيهم وازدهارهم. وبالفعل إنه لمن الغريب المدهش أن المسلمين ظلوا غافلين عن المسيحيين في الزمن الذي كانوا فيه قادرين على حربهم وكان المسيحيون بمثابة صيد في قبضتهم، ولكن حين ازدهر المسيحيون في العالم فكر المسلمون في جهادهم، مع أن المشيئة الإلهية كانت تقتضي منهم عندئذ العمل بقوله تعالى ]إنما نَعُدُّ لهم عَدًّا[، فكان الحريّ بهم أن يستغفروا الله تعالى على ما تقدم منهم من تقصير وغفلة، ويدعوه دعاء مجملاً بأن يحميهم من فتنة المسيحيين في المستقبل، ويبدؤوا ضدهم الجهاد بالقرآن الكريم كفارةً عن غفلتهم السالفة، لكي يتم القضاء على القوة المسيحية ببركة القرآن الكريم. ولكن المسلمين نادوا بالجهاد بالسيف في غير أوانه، فأتاحوا بذلك للمسيحيين الفرصة للدعاية الزائفة ضد الإسلام، وكانت النتيجة أن آلاف المسلمين سقطوا ضحية لدعايتهم وارتدوا وتنصروا. إنا لله وإنا إليه راجعون. وكان سيدنا المسيح الموعود هو الوحيد الذي نبه المسلمين إلى خطئهم هذا، ولكنه تعرض بسببه لفتاوى التكفير حيث قيل إن هذا الشخص عدو للإسلام ولرقيه (مجلة «إشاعة السنة النبوية» مجلد 13 عدد 4 إلى 12 عام 1890 ص 5-148). والحق أن الطريق الوحيد لرقي الإسلام في ذلك الوقت إنما هو نشر تعليم الإسلام الصحيح، لكي يفتحوا به قلوب فئة من المسيحيين، ويزيلوا سوء الفهم من قلوب فئة أخرى منهم. ولكن المؤسف أن المسلمين قد كافئوا حضرته على هذه الخدمة العظيمة بالسباب والشتائم بكثرة لم تكن – في رأيي – من نصيب أي من المبعوثين من عند الله تعالى. فأرى أن السباب والشتائم التي قد كالها له المشايخ في يوم واحد وفي جلسة واحدة لم يتعرض لـها أي من الأنبياء في عشر سنين، بل لم يكن العلماء في العصور الخالية بذيئي اللسان مثل هؤلاء المشايخ أبدًا. وسننتقم منهم على ظلمهم بواسطة الرسول يوم القيامة، فإنه لا بد أن يبدي سخطه على هؤلاء الظالمين، وسيضع ضماد السكينة على قلوبنا الجريحة، إن شاء الله تعالى.
وليكن مفهومًا أن قوله تعالى ]فلا تعجَلْ عليهم[ لا يعني أن نكفّ عن الدعاء على أعداء الإسلام هؤلاء بأي شكل كان، إنما المراد أن على المؤمنين ألا يضيقوا منهم ذرعًا ولا يدَعوا اليأس يستولي عليهم؛ لأن هناك أدعية لا حرج فيها مبدئيًا. فمثلاً يجوز لنا تمامًا أن نقول يا رب اكسرْ شوكة المسيحيين كما قال سيدنا المسيح الموعود في دعائه عليهم في بيت شعر لـه فقال:
يا ربِّ سحِّقْهم كسَحْقِك طاغـيًا
وَانـزلْ بساحتهم لـهدمِ مكانهم
(نور الحق: الجزء الأول ص 126)
ولكنه دعاء مبدئي، إذ لا علاقة لـه بأي عملية خاصة منهم، فلم يقل مثلاً يا رب، دمّرهم لأنهم قد شنوا الهجوم على فلان، وإنما هو دعاء مبدئي، حيث تمنى كسر شوكة المسيحيين. ولا بأس في القيام بمثل هذه الأدعية ضدهم، ولكن لا يجوز الدعاء عليهم بسبب فعل معين لهم.
وباختصار، إن الله تعالى قد أوضح في ]فلا تَعجَلْ عليهم[ مسألة الجهاد تمامًا، وبيّن أنه قد جعل لهلاك هؤلاء القوم موعدًا، وأنه تعالى يعدّ ساعات هلاكهم عدًّا. وعندما يحل ذلك الموعد سوف يبطش بهم بنفسه . أما أنتم فماذا عسى أن تفعلوه؟ إنكم لن تستطيعوا أن تفعلوا شيئًا، بل نحن الذين نقوم بكل شيء.