حتمية الفتنة .. نموذج معاصر
  • كيف أن الفتن امتحان للأمم!
  • وكيف أن المبعوثين يتعرضون لأشد الفتن!
  • وهاك عزيزي القارئ والمستمع شيئا من ألوان الفتن المعاصرة، وأعاجيب مدعي التجديد!
  • وماذا عن جماعة الخلافة.. أهي بحاجة إلى مجددين الآن؟
  • وننتهي حيث بدأنا.. من أين تنبع الفتن؟

__

الفتنة أمر يلازم جماعة الحق، هذا ما لاحظناه في مشاهد عدة في تاريخ الأنبياء عبر القرون، وجماعة المؤمنين في الزمن الأخير ليست بمنأى مما تعرضت له جماعة الأولين، فمما جرى بُعيد وفاة الخليفة الأول للمسيح الموعود ، أن ظهرت فتنة بهدف النيل من مقام الخلافة، وكانت -والعياذ بالله- من أشد الفتن التي كانت من الممكن  أن تحرف كثيرًا من الثوابت التي وضحها ورسخها المسيح الموعود ، إذ أنكروا الخلافة بعدما أقروا بها، وقاموا في وجهها، لكننا في المحصلة  نجدهم قد تلاشوا مع مرور الزمن وإن كانوا في أوج قوتهم حين بدأوا في إشعال نار الفتنة التي  أطفأها الله تعالى الآن، برغم أن الناس كانوا يظنون وقتها أنهم في عصر أكبر فتنةٍ، علمًا أن معظم من وقع فيها كان من أصحاب المسيح الموعود ، لكننا نرى أن يد الله القادر أنجت هذه الجماعة المباركة من ذاك الطوفان العظيم. لم يتوقف الأمر إلى هنا بل بعد سنوات قليلة أثار فتنةً شخص اسمه عبد الرحمن، وعرف بلقب المصري، لأنه درس في مصر، ثم عُين في مناصب مرموقة في الجماعة لكنه تعثر وقام في وجه الخلافة، وحاول كثيرا أن يفني جماعة المؤمنين لكن الله الحي القيوم فعل ما شاء، فلا يعرفه أحد الآن في العالم.

ثم ظهرت قدرة الله مجددا حين نسج بتحريض من بعض المغرضين اثنان من أولاد الخليفة الأول مؤامرةً ضد الخلافة لتشتيت شمل المؤمنين، فأخرجهم الخليفة الثاني من الجماعة المباركة، فاندثر ذكرهم من السجلات، واستمرت هذه الجماعة في سفرها المبارك الروحاني إلى حضرة الكبرياء، فالمثل «الشجرة تعرف بثمارها» ينطبق على هذه الجماعة مئة بالمائة، فنجد الذين حاولوا فتنة الناس قد أصبحوا نسيًا منسيًّا، والذين أرادوا إهلاكها إنما أهلكوا أنفسهم ولم نعد نجد لهم ذِكرًا ولا نسمع لهم همسا.

المبعوثون يتعرضون لأشد الفتن

ليس هناك من شكّ في أن المبعوث السماوي يتعرض دائمًا للفتن العديدة في حياته، وهذه الفتن تشتد بوفاته فتظهر بأشكالٍ وألوانٍ مختلفة؛ كما حدث في زمن النبي الكريم وكذلك حدث بعد وفاة سيدنا المسيح الموعود ، فاشتدت الفتن وكثر الفتانون! ونجد أن فتناً عديدةً قد ظهرت، وكانت كل واحدة منها كإعصار في وقتها،  لكنها تلاشت جميعًا كأنها لم تكن، وذهبت أدراج الرياح، والسبب هو أن يد الله لم تكن مع أصحابها، وبالتالي أدرك أبناء الجماعة أن الفتن لا قيمة لها، وبات واضحًا للجميع أن الخلافة لا محالةَ تحت رعاية الله، فلذلك نرى الآن أن الأحمديين عند كل فتنة يلجؤون إلى الخلافة مباشرة، ويتمسكون بأهدابها، ولا يكترثون لمثيري الفتن وأقوالهم وشبهاتهم. كما نجد في العصر الراهن وفي مختلف الأقطار والقارات والأقوام؛ أن هناك من يدعي النبوة أو الخلافة، ومن يدعي المجددية، ومن يدعي أنه مصلح موعود أو مسيح موعود،  ولكن أبناء الجماعة لا يلتفتون إليهم ولا يبالون بهم لما تعلّموا مما حدث خلال العصور الماضية!

من ألوان الفتن المعاصرة، وأعاجيب مدعي التجديد!

أما قضية المدّعين في العصر الراهن فإننا نلحظ عليهم الآتي:

أولا: كل واحد منهم يستهدف الأحمديين فقط، كأنه قد بُعث إلى الأحمديين حصرًا وكأنهم بحاجة إلى الهداية أكثر من غيرهم.

ثانيًا: والغريب أنه يجتمع في وقت واحد أكثر من مدّع ولكن لا يعارض أحدهم الآخر ولا يؤيده، بل يغض الطرف عن غيره، حتى إنهم لا يعرفون عن دعوى بعضهم أصلاً.

ثالثًا: إن جلّ ما يقدمون في إثبات دعواهم هو نص واحد أو اثنان من كتب المسيح الموعود ، أو من الآية، أو من الأحاديث النبوية الشريفة، ويكتفون به، مثلا أحدهم نقل نص المسيح الموعود : «سيكون ابني الموعود في الشام في وقت تلك الأحداث» فادعى أنه هو ذلك الموعود دون أن يقدم ما تلقاه بهذا الصدد من وحي أو إلهام ودون أن يخبرنا عن سبب مجيئه وإنجازاته وغير ذلك. وعلى المنوال نفسه قدم شخص آية

جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (1)،

فادّعى أن هذه الآية كانت بحقه هو، وهلم جرًّا، لكنهم لا يرفقون ادعاءاتهم تلك بالأدلة القاطعة، مثل استجابة الدعاء وإراءة الآيات والمعجزات، ولا يخدمون الإسلام بكتابة كتبهم بحق الإسلام ودحض الباطل، ولا ينشرون ما يوحى إليهم من معارف علمية، ومن تفسير القرآن الكريم، وليس لديهم مشاريع لرفع راية الإسلام، ولا لتحدي العالم باسم الإسلام، ولا بحوثٌ علمية، وإنما جهودهم كلها منصبّة على أن يعترف العالم (خصوصاً الأحمديين) بأنهم مبعوثون من السماء. وكما لاحظنا للأسف أنهم لا يدافعون عن رسول الله ولا عن خادمه المسيح الموعود .

وهنا يتساءل العاقل: لماذا يدعي معظمهم دعواه وهو في مكانه جالسًا على “الفيسبوك” ولا يعلنها على الملأ أبدا؟ أي لا يعلن في المجتمع الذي يعيش فيه، وبالكاد يعرف جيرانه غير الأحمديين عن دعواه، وربما لا يعرفونه أصلاً، كأنه لو لم يكن “الفيسبوك” متاحًا لاستحال عليهم إبلاغ ما جاءوا به، كذلك من لا يستخدم الفيسبوك فقد حُرم من الهداية، وبالتالي يفرض على الجميع أن يستخدم “الفيسبوك” حتى يسترشد وإلا هوى في هوة الهلاك لعدم معرفته بمجيء “مبعوث سماوي جديد”.

كما نجد في العصر الراهن وفي مختلف الأقطار والقارات والأقوام؛ أن هناك من يدعي النبوة أو الخلافة، ومن يدعي المجددية، ومن يدعي أنه مصلح موعود أو مسيح موعود،  ولكن أبناء الجماعة لا يلتفتون إليهم ولا يبالون بهم لما تعلّموا مما حدث خلال العصور الماضية!

جماعة الخلافة.. أهي بحاجة إلى مجددين الآن؟

فليكن واضحًا أن لمجيء المبعوث السماوي علاماتٍ واضحة، وهي أنه حين تفسد جماعة أقامها الله بيده، حيث يكثر فيها الهرج والمرج، ويظهر الفساد في البر والبحر، وتكثر المنهيات ويقتضي الزمن ضرورة مجيء المبعوث فيه حينها

اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (2)،

أما الآن فالجماعة الإسلامية الأحمدية عكس ذلك تمامًا. ثم تتبع الجماعة الخلافةَ التي أقيمت على منهاج النبوة وفق نبوءات النبي   وبقاء نعمة الخلافة منوط  بالإيمان والعمل الصالح. ونرى أن الجماعة بفضل الله تعالى تخطو كل خطوة في سبيل الله، منطلقة من ترجمة القرآن الكريم ونشرها في 74 لغة من اللغات العالمية إلى الآن، إلى تبشير المسيحيين واليهود وغيرهم من غير المسلمين بدين الإسلام وبذلك يدخل في الإسلام الآلاف سنويًّا، كما تحاول نشر العدل والصلح والسلام بين الأقوام والبلدان بعقد مؤتمرات عالمية وإلقاء خطابات توجيهية في البرلامانات العالمية والمحافل الدولية وتزين الناس بتعليم القرآن الكريم، كما يبني الأحمديون المساجد والمستشفيات والمدارس في العالم بغض النظر عن اختلاف الأعراق والألوان والأديان، وعلى المستوى الفردي يكرس الأحمديون أولادهم في سبيل الله لإعلاء كلمة الإسلام وخدمته، ويتقدم أبناؤهم في عبادة الله أكثر من غيرهم.

ولا يغيبن عن البال أنه لو جاء أحد مبعوثًا سماويًا بآيات صدقه السماوية لكنا أول من يبايعه، فلسنا ضد فكرة مجيء مبعوث سماوي، لأنه احتمالٌ قائمٌ بحد ذاته لأن المسيح الموعود قال بنفسه أن الله قادر على أن يرسل آلاف المسحاء، فمن نحن لننكر هذه الاحتمالات، علمًا أن الاحتمال شيء وتحققه شيء آخر، فالاحتمال لا يعني أنه سيتحقق حتمًا مائة بالمائة.

يقول سيدنا المصلح الموعود في ذكر الفتن الآتية في هذه الجماعة في البلاد المختلفة في المستقبل، مفسرا إلهام المسيح الموعود : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ  أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) ۔ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ):

«لا شك أن المنافقين يوجدون في الجماعات الربانية حين تلوح آثار غلبتها في الأفق من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يزال عدوّها قويًّا. علمًا أن لكل زرع موسمًا خاصًّا، كذلك فإن لنماء زرع النفاق الديني موسما خاصًّا أيضًا، وهو حين يكون الدين غالبًا على جزء من الأرض من جهة، ومن جهة أخرى لا يكون الكفر مغلوبا تماما. ذلك أن المنافقين يخافون أهل الكفر وأهلَ الإيمان في وقت واحد وعلى السواء، ولأنّ هناك سفينتين تُعَدّان في ذلك الوقت، سفينة الإيمان وسفينة الكفر، فالمنافق يريد أن يظل راكبًا في كلتيهما، فلا يأتي إلى الدين كليةً، ولا يذهب الى الكفر كليةً. إنه لا يتجاسر على محاربة المسلمين خوفًا أن ينتصروا، ولا يجرؤ على حرب الكفار خوفًا من أن يكون النصر حليفهم، ولذلك قد أخبر الله تعالى المسيح الموعود في هذه الإلهامات أن الزمن قريب حين تزدهر جماعتك، وتصبح مقابل الكفار ككفّتي ميزان، كما هو الحال اليوم في قاديان. سوف يكون هناك فئة من المنافقين في جماعتك يكونون على صلة بالمؤمنين من ناحية وبالكفار من ناحية أخرى. لم يكن في زمن المسيح الموعود أي شكل من النفاق، إذ لم يكن أحد يتوجه إلى قاديان إلا بعد أن يكون مستعدًّا للتعرض للضرب والأذى، أما الآن فإن جماعتنا قد ازدهرت وصار لها وزن مقابل العدو، ولذلك قد وُجدت فيها فئة المنافقين أيضًا. ففي عام 1934 عندما أثار الأحرار فتنة في قاديان بمساندة بعض المسؤولين الحكوميين، كان بعض المنافقين في جماعتنا يَلقَون الأحرار، فكنا نضطر إلى مراقبتهم. لقد تحققت هذه النبوءة في قاديان فقط حتى الآن، وعندما تزدهر فروع جماعتنا المختلفة في الهند كلها وتتقوى إزاء المنكرين، فسوف يوجد منافقون في تلك الفروع أيضا، وإذا ازدهرت جماعتنا أكثر فستتحقق هذه النبوءة في فروع جماعتنا خارج الهند أيضا، تارة في أوروبا وتارة في أمريكا وحينًا في الصين وحينًا في اليابان ومرة في مصر ومرة في الشام وفلسطين وغيرها.» (3)

كذلك فإن لنماء زرع النفاق الديني موسما خاصًّا أيضًا، وهو حين يكون الدين غالبًا على جزء من الأرض من جهة، ومن جهة أخرى لا يكون الكفر مغلوبا تماما. ذلك أن المنافقين يخافون أهل الكفر وأهلَ الإيمان في وقت واحد وعلى السواء، ولأنّ هناك سفينتين تُعَدّان في ذلك الوقت، سفينة الإيمان وسفينة الكفر، فالمنافق يريد أن يظل راكبًا في كلتيهما، فلا يأتي إلى الدين كليةً، ولا يذهب الى الكفر كليةً.

من أين تنبع الفتن؟

إن الفتن إما أن تكون من المنافقين، أو ممن خرج ارتدادا من الجماعة وسعى في الأرض خرابًا، فيقول حضرة الخليفة الرابع رحمه الله في معرض برنامجه الـمُثري «لقاء مع العرب» في العشرين من ديسمبر 1994، مشيرا إلى من ارتدوا عن الجماعة الإسلامية الأحمدية:

«اسألوا أولئك المرتدين، عندما كانوا في الجماعة الأحمدية وكانوا مخدوعين حسب زعمهم، أتلقَّوا في الجماعة الأحمدية أي تعليم يخالف تعليم القرآن أو تعليم النبي ؟! وعندما خرجوا من الأحمدية، أتداركوا خطأ ما كانوا يمارسونه إلى الصواب في عقيدتهم الجديدة؟! لم يحدث أبدًا أنهم سمعوا أو تعلموا أو مارسوا في الجماعة الإسلامية الأحمدية أي شيء يخالف القرآن الكريم وسنة المصطفى ، وعندما خرجوا لم يتعلموا جديدًا وإنما خرجوا لأسباب يعلمها الله.»

لذا فعلينا أن نبتعد عن الفتن بكافة أشكالها على الرغم مما يزينها به أصحابها، وينبغي علينا جميعًا أن نتمسك بالخلافة بالنواجذ لكيلا نكون فريسةً سهلةً في يد أصحاب الفتن، فلا تحمد عقبانا، وقانا الله جميعًا من الفتن وأصحابها.

المراجع

  1. (يس: 21)
  2. 2. (الأَنعام 125)
  3. التفسير الكبير، المجلد التاسع الصفحة 331 بتصرف)
Share via
تابعونا على الفايس بوك