تفاصيل أحداث وفاة حضرة الإمام المهدي عليه السلام

تفاصيل أحداث وفاة حضرة الإمام المهدي عليه السلام

الأستاذ حميد كوثر

لكل سؤال جواب

إن الوعد الذي قطعته التقوى على نفسها بأن تكون مهداً لكل حوار فكري علمي هادئ يطل اليوم في شكل باب جديد نضيفه لصفحات المجلة تحت عنوان “لكل سؤال جواب” يجيب من خلاله الكتاب المختصون على الأسئلة الكثيرة التي يحملها بريد المجلة. إن أسئلتكم ستكون الزاد الذي يغني هذا الباب ولذلك فصدر التقوى الرحب سيتسع لكل سؤال بناء يتعلق بالمواضيع التي تطرحها المجلة.

سؤال هذا العدد يجيب عليه الأستاذ: محمد حميد كوثر (داعية إسلامي أحمدي)

السؤال

يدّعي معارضو الجماعة الإسلامية الأحمدية أن حضرة مرزا غلام أحمد مؤسس الجماعة قد توفي في المرحاض مما يدل على غضب الله عليه، فما هي حقيقة الأمر؟

الجواب

لقد ادّعى معارضو الأحمدية الكثير من الادعاءات، وافتروا الكثير من البهتانات، وزوّروا الكثير من الحقائق فألبسوها بالأكاذيب، ولكن هذه الأكذوبة فاقت كل ما عداها من المفتريات. وإن المرء ليستحي أن يكتب عن مثل هذه المفتريات، ولكن حقد الحاقدين، وجهالة الجاهلين، وافتراء المفترين، وكذب الكاذبين، كل ذلك يضطرنا أن نرفع القلم ونتطرق إلى تناول هذا الموضوع لكي نبين للقارئ الكريم حقيقة تلك الفرية الشنيعة التي لا يخجل معارضو الأحمدية من دوام تكرارها وترديدها.

إن العجيب في الأمر أن الصفاقة والسفاهة قد بلغت إلى أقصى الحدود بأولئك الذين يرددون هذه الأكذوبة دون أن يقدموا أي دليل على هذا القول الساقط والزعم المتدني. ونحن نسأل .. من أين جاءوا بتلك الأكاذيب سوى من خيالهم السقيم؟ هل كانوا موجودين أثناء وفاة مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية؟ هل كان من بينهم شاهد عيان؟

إن الحقيقة التي يعرفها القاصي والداني هي أن سيدنا أحمد فارق الحياة مستلقيًا على فراشه، وكان حوله العشرات من الناس، وكان من بينهم بعض الأطباء المشهورين، بالإضافة إلى أفراد عائلته وبعض صحابته، ولم يتفوه أحد منهم بمثل هذا القول، ولم يذكر أحد منهم أنه توفي في المرحاض أو في بيت الخلاء، فكيف يزعم أولئك الذين لم يكونوا حاضرين تلك الواقعة حدوث أمر لم يره ولم يقل به أي شخص من بين أولئك الذين كانوا بالفعل شاهدي عيان طوال الفترة التي لقي فيها سيدنا أحمد ربه؟

حقا.. لقد علّم إبليس تلاميذه فنون الكذب والدجل والافتراء، ولقنهم دروس التزوير والتدليس والمراء، ولكن.. هل يُلام إبليس على ما فعل، أم يُلام أولئك الذين يُصدقونه بغير دليل ولا برهان، ويمشون وراءه بغير بصيرة كالعميان؟

لقد سُجلت واقعة وفاته في أكثر من كتاب، وجاء ذكرها في أكثر من مرجع، ولكن المعارضين لا يريدون أن يقرؤوا الحقيقة، ولا يبتغون أن يعرفوا حقائق الأمور، ونحن نعلم أنهم سوف يستمرون في ترديد الأكاذيب وتكرار المفتريات، ولذلك فنحن لا نتوجه إليهم بقول، وإنما نتركهم لصاحب الأمر الذي إذا شاء أن يرحم فهو أرحم الراحمين، وإذا شاء أن يعذب فإن عذابه هو العذاب الأليم، ولا يسعنا إلا أن ندعوه قائلين: اللهم اجعل لعنتك على القوم الكاذبين.

أما حقيقة الأمر فهي أن سيدنا أحمد  كان قد وصل إلى لاهور في صحبة أفراد عائلته وبينهم زوجته نصرة جهان أم المؤمنين، وكان معه بعض صحابته، ونزل في بيت واحد من فضلاء أفراد جماعته في لاهور. وكان سيدنا أحمد يعاني من مرض الدوسنطاريا الذي كان يعاوده من حين لآخر، وفي يوم 23 من ربيع الثاني 1326 هـ الموافق 25 أيار (مايو) 1908، عاوده المرض، وقد جمع صلاتي المغرب والعشاء، وتناول قليلاً من الطعام. ثم أحس برغبة في قضاء حاجته فذهب إلى بيت الخلاء، ثم عاد إلى غرفته لينال قسطًا من الراحة. ونام بعض الوقت، ونامت زوجته أم المؤمنين لفترة قبل صلاة التهجد، ولكنه استيقظ مرة أو مرتين أثناء الليل لقضاء حاجته. وعند الساعة الحادية عشرة من مساء تلك الليلة، استيقظ مرة أخرى وقد شعر بضعف شديد فأيقظ  زوجته، وبعد قليل ازداد شعوره بالضعف فاستأذنته زوجته أن تدعو مولانا نور الدين الذي كان طبيبًا حاذقًا وكان أيضًا من أقرب وأحب صحابته إليه، وقد وافق حضرته كما طلب أيضًا استدعاء ابنه سيدنا محمود أحمد ، وكان حينئذ في التاسعة عشرة من عمره.

وقد جاء مولانا نور الدين ، كما جاء الدكتور محمد حسين والدكتور يعقوب بيك، وقال لهم سيدنا أحمد أنه يعاني من الدوسنطاريا وسألهم أن يقترحوا له دواء، ثم أضاف قائلاً: في الحقيقة إن الدواء موجود في السماء، فعليكم بالدواء والدعاء. وقد قام الأطباء بمعالجته، ولكن الضعف كان يزداد، وشعر بالجفاف في لسانه وحلقه، ولكنه كان يردد بين حين وآخر: “يا إلهي يا حبيبي”. ولعل هذا يُذكرنا بما قاله سيدنا رسول الله في مرضه الذي توفي فيه، إذ ورد في صحيح البخاري بأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان رأس النبي على فخذي فغشي عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: “اللهم الرفيق الأعلى” (باب آخر ما تكلم النبي ).

كان صحابة سيدنا أحمد وجميع الحاضرين في حالة من القلق والاضطراب، وكان البعض يقوم بخدمته والبعض الآخر يؤدون صلاة التهجد، وقد كتب ابنه ميرزا بشير أحمد يقول:

“.. حينما رأيت وجه والدي في صباح ذلك اليوم انتابني القلق، واستولى علي شعور بأن هذا ليس إلا مرض الموت”.

حول الساعة الخامسة صباحًا وصل نواب محمد علي ، وهو زوج ابنته ومن أبرز صحابته، ولما دخل سلم على سيدنا أحمد فردّ ، ثم سأل: هل حان وقت صلاة الفجر؟ قيل نعم. فضرب بكفيه على الفراش وتيمم ثم أخذ يُصلي الفجر. ولكنه غُشي عليه أثناء الصلاة، وبعد قليل أفاق فسأل ثانية: هل حان وقت صلاة الفجر؟ فقيل نعم. فنوى لصلاة الفجر ثانية، وراح يؤدي الصلاة حتى فرغ منها، ثم غشي عليه وهو يردد هذه الكلمات: “يا إلهي يا حبيبي”.

في الساعة الثامنة صباحًا سأله أحد الأطباء الذين كانوا يتولون علاجه عما إذا كان يشعر بألم أو أذى في أي جزء من أجزاء جسده الشريف، لكنه لم يستطع أن يجيبه بسبب شدة الضعف، وأشار إلى الحاضرين طالبًا ورقة وقلمًا، وكتب أنه يشعر بضعف شديد ولذلك فإنه لا يرد عليهم. وفي الساعة التاسعة صباحًا تدهورت حالته وكانت أنفاسه الشريفة طويلة، وقد بات واضحًا للحاضرين أنه في اللحظات الأخيرة من حياته. وفي الساعة الحادية عشرة قبيل ظهر ذلك اليوم، فاضت روحه الطاهرة للقاء حبيبها، وانتقل إلى الرفيق الأعلى في جنة الخلد، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وبذلك انقضت أيام عمره المبارك الذي بلغ فيه الخامسة والسبعين ونصف العام.

هذه هي تفاصيل مراحل مرضه الذي توفي فيه، وقد نقلتها هنا بالتفصيل والترتيب، وتؤكد لنا هذه الحقائق الموثقة على أنه قضى حاجته للمرة الأخيرة في الساعة الحادية عشرة مساء، وبعدها لازم فراشه حتى الساعة الحادية عشرة من نهار ذلك اليوم، وطوال هذه المدة بقي على فراشه، وصلى صلاة الفجر على فراشه، وجاد بأنفاسه الشريفة على فراشه، أمام الكثيرين من الحضور في ذلك اليوم.

ونحن نتحدى كل أولئك المتخرصين والكذابين والمفترين المضللين أن يأتوا بشهادة واحدة لشاهد عيان أن حضرته قد توفي في المرحاض، فإن لم يفعلوا.. وهم حتمًا لن يفعلوا.. فليتقوا الله ربهم، وليخشوا يومًا تشخص فيه الأبصار.

إنهم بهذا الإفك والبهتان الذي يخترعونه، وبهذا التزوير والكذب الذي يفترونه، إنما يماثلون تمامًا أولئك المستشرقين الغربيين الذين هم من أعداء الإسلام، والذين راحوا يصفون كيف توفي سيد الأنبياء، وكيف أنه كان يتألم في مرضه الذي توفي فيه حتى إنه كان يقول: “إن للموت لسكرات”، وكيف أنه كان لا يقوى على المسير حتى أنه كان يخط بقدميه على الأرض وهو يتحامل على كتفي رجلين من صحابته، وكيف أنه لم يقو على أداء الصلاة فأمر أن يؤم أبو بكر المصلين، وكيف أنه كان يفقد الوعي وهو في النزع الأخير، وكيف أنه كان يكابد الآلام الشديدة حتى إن ابنته فاطمة رضي الله عنها راحت تبكي بجواره.. إنهم يذكرون كل هذه الأمور لكي يوحوا إلى القارئ أن هذا الألم الذي تحمله رسول الله إنما كان بسبب غضب الله عليه في أيامه الأخيرة، رغم أنهم لا يقولون هذا صراحة وإنما يتركون للمعارضين أن يستنتجوه بأنفسهم.

والآن يسير أعداء الجماعة الإسلامية الأحمدية على نفس النهج الذي سار عليه أعداء الإسلام من قبل، ولكن مع فارق كبير، وهو أن أعداء الإسلام لم يخترعوا أكذوبة ولم يفتروا فرية كما يفعل الآن أعداء سيدنا الإمام المهدي والمسيح الموعود ، وإنما ذكروا الحقائق بأسلوب معين لكي يستنتج منه القارئ ما يريدون هم له أن يستنتجه دون أن يتفوهوا به صراحة. أما أعداء سيدنا أحمد فلم يستحوا أن يفتروا عليه هذه الفرية الدنيئة، فشابهوا بمسلكهم هذا أعداء سيدنا المسيح عيسى بن مريم ، الذين افتروا عليه البهتان وألصقوا به وبأمه تهمة شنيعة، فذكروا والعياذ بالله أنه كان من أولاد الزنى، وكان غرضهم الدنيء أن يثبتوا أنه لا يمكن أن يكون مبعوثًا من عند الله تعالى، فإن الله لا يبعث من كان من أولاد الزنى، ولذلك فقد كان رد الله تعالى عليهم التأكيد على أنه كان مؤيدًا من الروح القدس.

ولقد كان في سابق علم الله تعالى أن هؤلاء المتخرصين من أعداء سيدنا أحمد سوف يلصقون به أيضًا فرية شنيعة ليثبتوا أنه لا يمكن أن يكون مبعوثًا من عند الله تعالى، فإن الله لا يبعث من يموت في المرحاض، ولذلك فقد كان رد رسول الله  عليهم التأكيد على أنه سوف يُدفن في قبر رسول الله، حيث قال عن الإمام المهدي: “يدفن معي في قبري”. والقبر الذي يحدثنا عنه رسول الله ليس هو المقبرة التي يدفن فيها الجسد، فليست كل الأجساد تدفن في المقابر، وليس كل الموتى يدفنون في القبور التي تزار ويقام عليها الشواهد، إذ أن بعض الموتى تحترق أجسادهم وتتحول إلى تراب تذروه الرياح، وبعض الموتى تأكل أجسادهم السباع والطيور، وبعض الموتى يموت غرقًا فتأكله الأسماك التي قد يأكلها الإنسان، وبالتالي فليس كل من يموت يدفن في مقبرة. ولكن الله تعالى يذكر في كتابه العزيز أن كل إنسان يموت فيُقبر، إذ يقول:

مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (عبس: 20-22)

فهذا القبر الذي يذكره الله تعالى في كتابه العزيز ليس هو المقبرة التي يدفن فيها الجسد، ولكنه القبر الذي وصفه رسول الله بأنه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، وقد أشار إلى أن قبره روضة من رياض الجنة، والمعنى أن الإمام المهدي سوف يدفن في قبره، لا يعني أبدًا أن مقبرة رسول الله سوف تُفتح ويُزاح جسده الشريف قليلاً حتى يجعلوا مكانًا لجسد الإمام المهدي، فمن ذا الذي يسمح له المسلمون بنبش قبر النبي حتى يدفن فيه شخصًا يدّعي أنه الإمام المهدي، وإنما معناه أنه حيثما يموت ويدفن الإمام المهدي ، فإنه سوف يقبر في نفس قبر الرسول الذي هو روضة من رياض الجنة، مما يُبرؤه تمامًا من تلك الفرية الشنيعة والادعاء الوضيع الذي يحاول أن يلصقه به الأعداء بقولهم أنه توفي في المرحاض. ألا لعنة الله على الكاذبين!

وما أروع ما قاله حضرة الإمام المهدي بهذا الصدد:

سَأُدْخَلُ مِنْ عِشْقِي بِروضَةِ قَبْرهِ   

وَمَا تَعْلَمُ هذَا السِّرَّ يَا تَارِكَ الهُدَى

Share via
تابعونا على الفايس بوك