• ما صور الخلق الإلهي؟
  • ما حقيقة الروح كما فسرها المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام؟
  • ما حقيقة الممارسات التي يدعي البعض أنها من قبيل القدرات الروحانية، كاليوغا مثلا؟!
  • ما سر انحطاط اليهود بعدما شهدوه من ازدهار؟
  • من أين تنشأ فكرة التصوف الباطل؟
  • التحدي القرآني تمثل في عجز الكافرين عن الإتيان بمثل ما فيه من أنباء.

كنا قد نشرنا في العدد السابق جزءا من تفسير الآية 86 من سورة الإسراء. ولضيق المساحة لم نتمكن من نشر التفسير كاملا. فيما يلي نعرض باقي المادة. (التقوى)

لقد سبق أن ذكرتُ أن أستاذي المحترم حضرة المولوي نور الدين فسّر الروح هنا بالوحي الإلهي، وقال: إن القرآن يعلن هنا أن الوحي ينـزل بأمر الله تعالى، والداعي لنـزول الوحي هو أنكم لم تُؤتَوا من العلم إلا قليلا. فنقص العلم الإنساني استلزم أن يُكمل الله علم الإنسان في الروحانيات بإعلام من عنده، ولذلك أنـزل الوحي.ولقد سبق أن ذكرت أن بعضًا من المفسرين القدامى قد فسّروا الروح هنا بالقرآن (البحر المحيط)، وقولهم هذا مشابه لما ذكره أستاذي المولوي نور الدين، غير أن حضرته فسّر الروح بالوحي؛ وهذا المعنى أشمل وأوضح مما ذكره المفسرون الآخرون، كما أنه أكثر ملاءمةً للسياق.

لطالما رأيتُ أن هذا هو المراد من الروح هنا، إلى أن قرأت بعضًا من أقوال مؤسس الأحمدية سيدنا المسيح الموعود قراءة عميقة، فعدّلتُ رأيي بعض الشيء، وأدركت أن هذه الآية تشير إلى الروح الإنسانية أيضًا. ونظرًا إلى هذا المعنى تصبح مفاهيم هذه الآية واسعة ولطيفة للغاية. يقول سيدنا المسيح الموعود : إن خلق الله تعالى نوعان؛ أولهما: الخلق الابتدائي أي ما يخلقه اللهُ مِن غير أية مادة، وثانيهما: الخلق الثاني أي الذي يتم من مادة مخلوقة سلفًا بيد الله تعالى، حيث يسخّر الأسباب المادية الموجودة قبل إيجاد ذلك الشيء. وهذا النوع الثاني يسمّى خلقًا، وأما الأول الذي يتم من دون مادة فيسمّى أمرًا، كما تشير إليه كلمة كُنْ فيكون . والآية التي نحن بصددها تتضمن الجواب عن هذا الخلق الذي يتم بمجرد الأمر الإلهي.

إن خلق الله تعالى نوعان؛ أولهما: الخلق الابتدائي أي ما يخلقه اللهُ مِن غير أية مادة، وثانيهما: الخلق الثاني أي الذي يتم من مادة مخلوقة سلفًا بيد الله تعالى، حيث يسخّر الأسباب المادية الموجودة قبل إيجاد ذلك الشيء. وهذا النوع الثاني يسمّى خلقًا، وأما الأول الذي يتم من دون مادة فيسمّى أمرًا، كما تشير إليه كلمة كُنْ فيكون . والآية التي نحن بصددها تتضمن الجواب عن هذا الخلق الذي يتم بمجرد الأمر الإلهي.

وأضاف حضرته : لو أن أحدًا من الآريا الهندوس اعترض على قولي هذا فسوف أؤلف ردًّا عليه كتيبًا أدوّن فيه ما بيّنه القرآن الكريم من قوًى وطاقاتٍ للروح الإنسانية (سرمة جشم آريا، الخزائن الروحانية ج 2 ص 233). وللأسف لم يتقدم أحد من الآريا لقبول هذا التحدي، وهكذا حُرمنا من هذا الكنـز العظيم الذي كنا سنقتنيه مجانًا. ومع ذلك نجد في كتبه ما لا بأس به من المعلومات عن الروح. ولعل الله أجّل – لحكمة من لدنه – باقي المعلومات لزمن آخر.أقوم الآن بتفسير هذه الآية حسبما فهمت على ضوء المعنى الذي ذكره مؤسس الأحمدية، وكلي ثقةٌ أن كل من يتدبر في هذه المفاهيم خاليًا من التعصب سيدرك أن الله تعالى لم يترك سؤال اليهود بدون جواب، بل ردّ عليهم بجواب لطيف ومفحم تمامًا. كما سيتبين من ذلك أن الذين اعتبروا الروح هنا بمعنى الوحي الإلهي أو القرآن أيضًا لم يجانبوا الصواب، بل أصابوا كبدَ الحقيقة.

الحق أن الآيات السابقة تبيّن فضل القرآن وضرورته، بل ما زالت السورتان الماضيتان.. أعني الحِجر والنحل.. تركّزان على الموضوع نفسه، وتسوقان الأدلةَ- كما برهنتُ – على ما في القرآن من محاسن وقدرات. وأما هذه السورة.. الإسراء.. فهي أيضًا تبين أن اليهود ازدهروا ما داموا عاملين بكلام الله تعالى، ولكنهم لما أعرضوا عن كلام الله تعالى حل بهم العذاب. كانوا يظنون أنهم إنما عُذِّبوا لانتهاكهم حرمة السبت، فلما سمعوا إعلان القرآن بأنهم ما عذِّبوا إلا لإعراضهم عن «كلام الله» استغربوا من ذلك، بل استاءوا منه جدًّا، لا سيما أن المسيحيين أيضًا كانوا يعلنون عن المسيح أنه «كلمة الله». ثم إن اليهود كانوا مصابين بنقيصة أخرى تصاب بها الأمم اليائسة عمومًا وهي أنهم لما حُرموا من الوحي وانقطعت النبوة فيهم مالوا إلى التصوف الباطل، وانشغلوا بطقوس وتمرينات مختلفة، ظانين أنها ستزيد قواهم الروحانية. فمنهم من حاول صقل قواه الروحانية بترديد أذكار معينة، ومنهم من سعى لذلك بمحاولة الاطلاع على «الاسم الأعظم». كانوا جميعًا يحسبون أنهم بذلك قد سدُّوا النقصَ الذي حصل فيهم نتيجة انقطاع الوحي عنهم. لقد دَهَمَهم هذا المرض في زمن داود ، وتفاقمَ في عصر المسيح . كانوا يرون أنه بإمكان الإنسان أن يأتي بمعجزات عظيمة ويعلم الغيبَ إذا ما سيطرَ على الأرواح أو صقَل روحَه هو. وكانوا يقسمون هذا العلم إلى قسمين: أولهما حلال، وأرجعوه إلى الاسم الأعظم، وثانيهما حرام، وعزَوه إلى بعل (الموسوعة اليهودية ج 2 ص 629). ولما أعلن المسيح دعواه وأراهم المعجزات عزَوا معجزاتِه إلى بعل هذا. وقد سجّل الإنجيل هذا الأمر كما يلي: «وأما الكَتَبَة الذين نـزلوا من أورشليم فقالوا: إن معه بَعْلَزَبُول، وإنه برئيس الشياطين يُخرج الشياطينَ. فدعاهم وقال لهم بأمثال: كيف يقدر شيطان أن يُخرج شيطانًا.» (مرقس 3: 22 و23)

ثم إن اليهود كانوا مصابين بنقيصة أخرى تصاب بها الأمم اليائسة عمومًا وهي أنهم لما حُرموا من الوحي وانقطعت النبوة فيهم مالوا إلى التصوف الباطل، وانشغلوا بطقوس وتمرينات مختلفة، ظانين أنها ستزيد قواهم الروحانية….كانوا جميعًا يحسبون أنهم بذلك قد سدُّوا النقصَ الذي حصل فيهم نتيجة انقطاع الوحي عنهم.

ونفس المعنى مذكور أيضًا في: متى 9: 34، و10: 25، لوقا 11: 15، يوحنا 7: 20، و 8: 48 – 52، و10: 20. والحق أن بعل زبو أو بعل زبول أو بعل زبوب أسماء لإله كانت تعبده إحدى الأمم المجاورة لليهود، وكان الناس يعزون إليه بعض المعجزات؛ فلما مال اليهود إلى السحر ظنوا أن بعل هو رئيس العالم السفلي، وأن الناس إنما يأتون بالمعجزات مستعينين ببعل (انظر المراجع السابقة، وأيضًا الموسوعة التوراتية، والموسوعة اليهودية كلمة Beelzebul or Beelzebub).

أما ما صقله اليهود – بزعمهم – من قواهم الروحانية فعزَوه إلى «الاسم الأعظم»، واعتبروه سحرًا حلالاً. فقد ورد في الموسوعة اليهودية أن «الاسم الأعظم» كان رائجًا في اليهود قبل المسيح بثلاث مائة سنة على الأقل- غير أن بحثي يؤكد أن هذه الفكرة تسربت إليهم زمن داود وبلغت ذروتها زمن سليمان- وكانوا يشيعون بين القوم أنه يستحيل النطقُ بـ «الاسم الأعظم». وكان سَحَرَة اليهود، الموجودون خاصة في مصر، يكتبون هذا الاسم برموز معينة. (الموسوعة اليهودية كلمة Names of God) كان اليهود يرون أن كلا من السحر الأبيض والسحر الأسود أمر حق، وأن السحر الأسود يتعلَّمه الإنسان بواسطة الشياطين، أما الأبيض منه فبواسطة الأسماء الإلهية؛ وأن الأسود حرام، والأبيض حلال. فقد ورد أن علماء اليهود عارضوا السحر الأسود، ولكنهم لم يروا بأسًا في اللجوء إلى السحر الأبيض لمحاربة السحر الأسود، واكتسبوا – في زعمهم – بالسحر الأبيض من المهارة والقوة بحيث أحرقوا العدو بنظرة واحدة وتركوه رمادًا، أو حوّلوه هيكلاً من العظام، كما كانوا يشفون به المرضى. وقد لقيت هذه الأمور رواجًا كبيرًا بينهم حتى سماهم اليونان والرومان سَحَرةً (الموسوعة اليهودية كلمة Magic).

كما اعتقد اليهود أنه بإمكان الإنسان أن يعرف علم الغيب بالاتصال بأرواح الموتى. وقد جاء النهي عن هذه الممارسة في التوراة في تثنية 18: 11، وفي أماكن أخرى أيضًا. كما تحدثت التوراة عن أولئك الذين يعرفون الغيب بمناجاة الأرواح، ونهت عن الاختلاط بهم. يقول إشعياء: إذا قالوا لك أن تتصل بمثل هؤلاء فقل: «أيُسأل الموتى لأجل الأحياء؟» (إشعياء 8: 19)

وورد أن اليهود تعلمّوا هذا الفن من الفرس على الأغلب إذ كان له رواج كبير بينهم (الموسوعة اليهودية تحت Necromancy). وبالاختصار كان اليهود يعتقدون أن معرفة الغيب ممكن بالاتصال مع الأرواح، وكانوا يتعلمون هذا الفن بكثرة ويعملون به مع أنهم قد نُهوا عن ذلك.وقد لقي هذا العلم رواجًا واسع النطاق في عصرنا هذا أيضا، ويسمَّى أصحابه في الغرب بالأرواحيين (Spiritualists)، والجمعية الثيوصوفية تتأسست على هذا العلم نفسه. وكانت السيدة أيني بسنت (Mrs. Annie Besant) – التي أسست مؤسسة الجمعية الثيوصوفية الحالية – تدّعي أنها تتعلم الكثير بمناجاة الأرواح، وتدلي بكثير من أنباء الغيب، فقد أنبأت بظهور مصلح كبير مستعينةً بهذا العلم- في زعمها – وأن الشاب «كرشنا مورتي» هو المصداق لهذا النبأ. علمًا أن ما يدعو إليه هذا الشاب في هذه الأيام يماثل الإلحاد إلى حد كبير.

(Krishanamurti By Mary Lutyens P. I-15; The New Encyclopedia Britannica & The Encyclopedia of Religions, & The Ency-clopedia Americana & Every Man›s Encyclopedia, under: Krishanamurti & Theosophy)

لقد شُغِف كثير من الناس في أوربا بهذا العلم نتيجة موت كثير من الجنود الشباب لعائلات كثيرة في الحرب العالمية الماضية، وقد أنفَدَ الكاتب الشهير السير كينن دائل Sir Canan Doyle عمرَه في تعلُّم هذا الفن من أجل أحد أبنائه. وكان الكاتب والسياسي المعروف W. T. Studd يحمل الأفكار نفسها، ونشر كتابًا حول تجاربه الشخصية في هذا المجال. كما أن العالم الذائع الصيت السير أوليور لاج (Lodge) مال في آخر عمره إلى اعتقاد أن مناجاة الأرواح ممكن، وقد ألّف في هذا الشأن عدة كتب. Canan Doyle P. 140- 150 والموسوعة البريطانية الجديدة كلمة Lodge)

وهذا العلم متداول بين الهندوس باسم «اليوجا»، وقد ورد بصدده بحث مستفيض في كتاب لهم باسم «شاستر اليوجا» لـِ «بتنجلي»(موسوعة الأديان والأخلاق تحت Yoga)

ولقد اتجه متصوفة المسلمين أيضًا إلى هذا العلم زمنَ انحطاطهم، وألفوا الكثير من رطب ويابس باسم «علم الإشراق، وعلم الحاضرات» وغيرهما من الأسماء، واستعانوا بهذا العلم المزعوم. (التبيان في مسائل السلوك والإحسان المعروف بدلائل السلوك ص 151- 169، ومعارف الطريقة ص 58- 62)

وبالاختصار إن مناجاة الأرواح علم قديم، وكان له رواج كبير بين اليهود، لا سيما حين ضعفت صلتهم بالدين، وانغلق في وجههم باب الوحي، فمالوا إليه ميلا عظيمًا. وكان إقبالهم عليه زمنَ المسيح الناصري على أشده، حيث وُجدت في زمنه فرقة يهودية باسم الأسينيين، وقد أشير إليها في الإنجيل باسم الفريسيين، ويرى البعض أن المسيح كان ينتمي إلى هذه الفرقة. وقد تم العثور على نسخة قديمة لكتاب في ألمانيا ادعى فيه أحد الأسينيين أن المسيح كان من فِرقتهم. لقد سجِّلت وقائع حياة المسيح في هذه النسخة بصورة غريبة، كما ورد فيها أنه نـزل من الصليب حيًّا. راجع الكتاب The Crucifixion By An Eye Witness V. 2 P. 36 وهو موجود في مكتبتي أيضًا.لقد ورد في الموسوعة البريطانية عن هؤلاء أنهم كانوا يصومون، ويعيشون عيشةً طاهرةً، وكانوا يُخبرون بالغيب، ويأتون بالمعجزات. فقد كتب عنهم فيلو (Philo): يجب ألا نرتعب من سحرة الأمم الأخرى، إذ يوجد بيننا أيضًا أمثالُهم، ثم يقدم الأسينيين كمثال على دعواه. ويقول يوسيفوس المؤرخ اليهودي الشهير أنهم كانوا يتنبأون، ويُخبرون الغيب. وورد عنهم أنهم كانوا يقومون بتأمُّلات طويلة خلال العبادة لكي يتم لأرواحهم الاتصال بالأب السماوي. وكان زعماؤهم يدّعون بمعرفة «الاسم الأعظم»، الذي يحتوي على 42 حرفًا في زعمهم، ويفضلون العيش بعيدًا عن النساء، لكي ينـزل عليهم الإلهام أكثر (الموسوعة البريطانية كلمة Essenes).

ويبدو أن يهود المدينة كانوا ينتمون إلى هذه الفرقة نفسها. فقد ورد في الحديث أن أحد اليهود – هو عبد الله بن صيّاد – كان يدّعى معرفة الغيب ويدلي بالأنباء. فلما بلغ ذلك النبيَّ ذهب لاختباره، وقال له: «إني قد خبّأتُ لك خبيئًا؟» قال ابن صياد: هو الدُّخُّ. قال له رسول الله : اخْسَأْ، فلن تَعْدُوَ قدرَك. فقال عمر بن الخطاب: ذَرْنِي، يا رسول الله، أَضرِبْ عنقَه؟ فقال له رسول الله : إنْ يَكُنْه فلن تُسلَّط عليه، وإن لم يَكُنْه فلا خير لك في قتله» (مسلم، كتاب الفتن).

والمراد من قوله : «فلن تعدُوَ قدرَك» أن أساس علمِك العقلُ، ولا تستطيع معرفة الأنباء الإلهية.وقد استأذن عمرُ النبيَّ لقتل ابن صياد لأن الصحابة يرون أنه الدجال، ولكنه نهاه عن ذلك قائلا: إن كان هو الدجال فلن تقدر على قتله، وإذا لم يكن هو الدجال فلا يجوز قتله. تؤكد هذه الرواية أيضًا أنه كان بين يهود المدينة قوم يدّعون مناجاة الأرواح، وهذا يدل على أنهم كانوا من الفرقة الأسينية.بعد هذه المقدمة أقول: لما عجز الكفار إزاء ما جاء في القرآن من أنباء الغيب استعانوا باليهود، فقال لهم اليهود: لكي تفضحوا محمدًا سَلُوه عن الروح، أي عما أُودع في الروح من قوًى وقدرات. وكان بنيّتهم أنه لو أجاب بأن الروح تتمتع بقدرات خارقة تستطيع بها معرفةَ الغيب لقلنا له: فكيف نصدّق إذن أن معارف القرآن هي من عند الله تعالى؟ لماذا لا نقول: إنها نتاج تمارينك الروحانية. أما إذا أجاب بأن الروح عارية عن أية قدرات كهذه لسقنا البراهين على جهله بهذه الحقيقة. فكأن القرآن ليس – في رأيهم – إلا حصيلة تمارين روحانية عقلية فحسب!وهناك في القرآن الكريم دليل على أن عقيدة مناجاة الأرواح كانت سائدة بين اليهود في زمن النبي . فقد تحدث القرآن الكريم في سورة الجن عن جماعة مؤمنة بموسى – وقد أثبتُ من قبل أنّ هؤلاء الجن كانوا بشرًا – ثم نَقَلَ قولَهم:

وأنّا كنّا نقعُد منها مَقاعدَ للسمع (الجن: 10)..

أي كنا نقعد لنصغِي إلى السماء، بمعنى كنا نجلس جلسات تأملية لمعرفة الأخبار السماوية. والحق أنه كان من واجب القرآن أن يلقي الضوء على هذه القضية حتى ولو لم يسأل اليهود عنها، لأن هذه العقيدة تمثل في الواقع هجومًا على سائر الأديان الحقة، إذ توهم بأن الإنسان يستطيع معرفة معالم الهداية بمساعدة الأرواح دونما حاجة إلى الإعلام الإلهي – مثلما يدّعي بذلك الثياصوفيون – وأن أي واحد قادرٌ على معرفة الغيب من خلال التمارين الروحانية المزعومة. أقول: لو كان هذا صحيحًا لارتفع الأمان واليقين عن الدين أصلاً!ويردّ القرآن الكريم على هذه المزاعم بقوله تعالى قُلِ الروحُ مِن أمر ربي .. أي قُلْ لهم، يا محمد، إن الروح الكاملة أي التي يتيسر لها الوصال الحقيقي بالله تعالى، والتي تُطلَع على بعض العلوم الغيبية، إنما تكون مِن أمر ربي .. أي تأتمر بأمر الله تعالى، بمعنى أنه يستحيل أن تحرز أيةُ روحٍ الكمالَ من دون إذن ربها، وأنه باطل كل ما تصفونه لكمال الروح من تمارين وسحر ويوجا، لأن الروح إنما تحرز الكمال بأمر من عند الله تعالى فحسب.

ولقد اتجه متصوفة المسلمين أيضًا إلى هذا العلم زمنَ انحطاطهم، وألفوا الكثير من رطب ويابس باسم «علم الإشراق، وعلم الحاضرات» وغيرهما من الأسماء، واستعانوا بهذا العلم المزعوم.

وكأن الروح هنا جاءت بمعنى الروح الكاملة التي تتحلى بالصفات الروحانية حقًّا، مثلما جاءت كلمة الحمد في مستهل القرآن في قوله تعالى الحمد لله بمعنى أن الحمد الكامل المتصف بكل الصفات المستوجبة للحمد خاص بالله وحده. لقد أخبر الله هنا أنه خص نفسه وحده بعملية كمال الروح الإنسانية، ولا تقدر أية روح أن تحرز الكمال من دون إذن ربها، مهما مارس صاحبها من تمارين «اليوجا» أو تحمل المشاق الأخرى. وخير مثال على ذلك في هذا العصر هو شخصية كرشنا مورتي. فقد ربّت السيدةُ «أيني بسنت» هذا الشاب وأخاه تربية خاصة وفق مبادئ «اليوجا»، حيث ظلا تحت رعاية كبار الأساتذة لهذا الفن، لكي يوجّهوهما إلى الجهة السليمة من خلال قوة «اليوجا». ولكن ماذا كانت النتيجة؟ كان الأخ الأكبر يشكو دائمًا بأنهم قد ألقونا في السجن، ويمارسون علينا الجبر والإكراه بلا طائل. وأما الأخ الأصغر- الذي اختير بعد تمرّدِ الأخ الأكبر – فيعارض أفكار السيدة أيني بسنت علنًا! للتفاصيل راجِع المصادر التالية:

(Krishanamurti By mary Lutyens P. I-15; The New Encyclopedia Britanica & The Encyclopedia of Religions, & The Encyclopedia Americana & Every Man›s Encyclopedia, under: Krishanamurti & Theosophy)

ولو قيل: إن إعلان القرآن هذا ليس إلا دعوى فحسب، ولا يمكن اعتباره ردًّا شافيًا، فجوابه: إن قول الله تعالى قُلِ الروحُ مِن أمر ربي ليس إلا إعلانًا مبدئيًّا، لأن الرد الحقيقي يبدأ بقوله تعالى:

وما أُوتيتم من العلم إلا قليلا ..

حين أعلن الله تعالى أن التمارين التي اخترعها الناس لصقل قدرات الروح تزيد أرواحَهم قوةً إلى حد ما بلا شك، ولكنها قوًى ناقصةٌ تمامًا وقليلة جدًّا بالمقارنة مع القوى الروحانية الحقيقية، وإن إنكار الوحي الإلهي – بناء على هذه القوى الناقصة – مخالف للعقل، لأن الناقص لا يمكن أن يقوم مقامَ الكامل في حال من الأحوال.

والدليل الذي أسوقه دائمًا على كون هذا العلم ناقصًا هو أن الأخبار التي يتلقاها أصحاب هذا العلم من مختلف الملل تكون متضاربةً جدًّا، مع أنه لو كان تلقِّي العلوم الحقيقية من أرواح الموتى من خلال التمارين الروحية ممكنًا لما وُجد في أنبائهم هذا الاختلاف الشديد. إذ كيف يعقل أن تخبر روحُ عيسى أحدًا من أساتذة اليوجا الهندوس خلافَ ما تخبر أحدًا من الأرواحيين اليهود أو النصارى. فها هو السيد إتكنسون الأمريكي- وهو من كبار علماء هذا الفن وصاحبُ مؤلفات عديدة – يقول صراحةً بأنه يطّلع على الأمور السيئة والمنذرة، ولكنه لا يتلقى الأخبار السارة. فقوله هذا يشكّل اعترافًا وتصديقًا لقول الله تعالى وما أُوتيتم من العلم إلا قليلا . في حين أن الله تعالى يعلن في القرآن الكريم عن الأنبياء

وما نُرسِل المرسلين إلا مبشرِّين ومنذِرين (الكهف: 57)..

أي أن أُولى مهام الأنبياء أن يدلوا بالأنباء الغيبية التي فيها أخبار سارة، أما الأنباء المنذِرة فتأتي في المقام الثاني.