الحج مظهر إرساء وحدانية الله تعالى

التحرير

تُعتبر الأعياد قاسما مشتركا بين الأمم والشعوب. فما من أمة إلا ولها أعيادها تحتفل فيها بأمجادها وتضحيات الجسام لأبنائها. إلاَّ أن الأعياد في الإسلام تختلف في مقاصدها ومعانيها حيث وضع المصطفى حجر أساس معالمها عندما قدم إلى المدينة وكان لأهاليها يومان يلعبون فيهما، قال: ما هذان اليومان؟ فأجابوا أننا كنا نلعب فيهما في الجاهلية؟ فقال :

“إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر.”

وهكذا أرسى مَعْلَمين هامين في التقويم الإسلامي يطلان على الأمة مرتين في كل سنة، وأماط معالم اللهو واللعب وعوضهما بمعلمي إرساء وحدانية الله وكمال عبوديته. وكما لا يخفى على أحد أن من أهم مقاصد الأعياد في الإسلام تعميق التلاحم بين أفراد الأمة المنتشرين من مشارق الأرض إلى مغاربها وترسيخ الأخوة الدينية وتمتين الرابطة الإيمانية بينهم. لهذا شُرع الخروج في يوم العيد إلى الصلاة على الكبير والصغير ذكورا وإناثا، ليلتقي الجميع، مهللين مكبرين ذاكرين الله تعالى، وذلك لتحقيق هذه الغاية المنشودة.فالوحدة هي جزء لا يتجزأ من كيان الذات الإلهية لذلك اقتضت رحمته وفضله على البشر أن أوجد لهم وحدة وتكاملا مستوحاة من ذاته في قالب شعائر الحج التي يأتي عيد الأضحى تتويجا لنجاح الحجاج في تحقيق مرامهم وحصولهم على الهدف المنشود.

فبعد أن بلغ الإنسان الرقي الكافي ووصل وعيه وإدراكه إلى مستوى النضج سن الله موسم الحج لكي تجتمع الإنسانية كافة وتصلى جماعة في مسجد واحد.. المسجد الحرام. وهكذا أتم الله الغرض من وراء الحج وهو أن تبلغ حلقة وحدانيته الكمال، وذلك بخلق الوحدة في أجزاء صغيرة متوزعة على الخارطة العالمية ثم يجمعها جميعا في قالب كتلة متكاملة تبرز وحدانيته سبحانه وتعالى في أتم صورة.

الحجاج يطوفون بالببيت طوافا جسمانيا مجذوبين كالمجانين ومخمرين بعشق خالقهم مقبلين حجر عتبة بيته . وفي الحقيقة تُعبر هذ الحركات والسكنات على خلجات الروح التي تطوف حول رمز وشعار محبوبها الحقيقي وتُقبل بوَلهٍ رمز عتبة عرشه .

ويعاين حاج بيت الله الحرام هذا المبدأ بنفسه وذلك عندما يخطو آثار أقدام سيدنا إبراهيم الخليل والمصطفى ويستحضر الظروف القاسية التي بدأت فيها الدعوة من هذا الواد غير ذي زرع في ظل المعارضة الشديدة والأذى والاضطهاد والتعذيب المنقطع النظير. يرى بعين قلبه أيادي قدرة الله التي جعلت من المستحيل حقيقة يعاينها ويعيشها الحاج خلال أيام حجه. ولا شك أن هذه التأملات تبعث فيه شعورا بنضرة وحلاوة إيمانية لا يمكن أن يشعر بها إلا في هذا الإطار وفي هذه الأجواء. وهكذا يستوحذ على قلبه الشعور بأن الهدف الأساس من الحج هو أن يصبح عبدا لله تعالى حقًّا. فيقطع كل صلاته بالدنيا وما فيها ما عدا صلته برب العزة، حيث يمسك بها تمسك العاشق الولهان. ثم يوقن أن الله تعالى فرض عليه الحج ليسهل عليه تحقيق هذا الهدف السامي حيث يمكنه من التعبير عن مشاعر عشقه وحبه الجياش تعبيرا ماديا على عتبات بيته. فالحجاج يطوفون بالببيت طوافا جسمانيا مجذوبين كالمجانين ومخمرين بعشق خالقهم مقبلين حجر عتبة بيته . وفي الحقيقة تُعبر هذ الحركات والسكنات عن خلجات الروح التي تطوف حول رمز وشعار محبوبها الحقيقي وتُقبِّلُ بِوَلَهٍ رَمْزَ عتبة عرشه .

وبعد هذه الوقفة التأملية العاجلة لهذا الركن الشامخ من أركان الدين الحنيف أود أن أتطرق لدواعي استقطاب مراسم الحج لوسائل الإعلام العالمية حيث تغطي فعالياته على نطاق واسع. وإن دل هذا الأمر على شيء فإنما يدل على أن الحج يحوي بين طياته رسالة موجة إلى البشرية قاطبة بأنه لا يزال دم الحياة يجري في عروق أهل الإسلام، ولا يزال عُشاق محمد مجتمعين في مركز الإسلام معْرِبين عن صلتهم المتينة بالدين الحنيف وبرسوله خير خلق الله محمد المصطفى . فهم يشهدون أمام العالم أنهم وإن كانوا ضعفاء لا يزالون ينبضون بالحياة كأمة واحدة وذلك بانتعاشهم بالفيوض الروحانية للمصطفى التي لن تنقطع إلى يوم يبعثون. وفي هذا الأمر تأكيد على أن الدنيا لن تخلو للأبد من عشاقه .

ويستحضرني في هذا المقام عزيزي القارئ تلك الواقعة الشهيرة قبل تاريخ الإسلام حين عزم أبرهة الحبشي على هدم الكعبة وقتْلِ سكانها، فأعلن عبد المطلب مقولته الخالدة: “للبيت رب يحميه” يقينا منه أنه لن يحدث للبيت مكروه، وهذا ما حدث فعلا حيث دون القرآن الكريم هذه الحادثة في سورة الفيل. وبناء عليها لا يسعني في هذا المقام ومن على هذا المنبر تحديدا إلا أن نعلن أن “للإسلام رب يحميه”. حيث سترى الدنيا قاطبة زيادة عشاق المصطفى كل سنة كمًّا ونوعا رغم أنف الماكرين. أدخلنا الله وإياكم في زمرة عشاقه وتقبل اللهم حج زوار بيتك الحرام. وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد المصطفى وعلى آله وصحبه أجمعين.