اتركوه فسوف يأتي عليه يوم!

اتركوه فسوف يأتي عليه يوم!

هالة شحتاتة عطية

هالة شحتاتة عطية

  • مرآة على جانب إلحادي
  • إلحاد المتغطرسين
  • إلحاد الأغبياء لابسي ثوب العبقرية
  • الملحد نابذ الضابط التكليفي
  • حوار لا جدوى له

__

لا أقصد من وراء هذا المقال بيان الأسباب التي تؤدي إلى الإلحاد، ولا أنوي مهاجمة هذه الظاهرة أو نقد هذه الأسباب، كما لا أهدف إلى نسف النظريات التي يستند إليها من ألحد، أو إثبات وجود الله للملحد، والأهم أنني لا أهدف مطلقاً إلى إهانته، وإنما بيان حقيقته على الأقل كما يتراءى لي من خلال التأمل في ملامح شخصيته، فلعل في ذلك هو السبيل للتعامل الأمثل معه!هذا، ولقد جعلتُ في هذا المقال مرآة، لعله يرى في نفسه ما لا يستطيع بنفسه أن يراه!

وأقصد هنا الملحد الذي يتعنت في إلحاده، ولا أقصد مطلقاً ذلك الذي إذا نُقدت أمامه الأسباب التي أوصلته إلى الإلحاد، عاد بفطرته وفطنته وعقله إلى جادة الصواب!

أما ذلك الملحد المقصود في هذا المقال فإنه يحمل ملامح من ثلاث: المتكبر، والغبي، والحيوان!

أما كونه يشبه المتكبر، فلأن عقله الباطن في الواقع يعترف فعلا بوجود الخالق، فلقد خلق الله الناس ووضع فيهم القابلية للإيمان بالفطرة والسليقة، ولكن من الناس من يُغطي الكبر على عقولهم، فيكفرون بهذه الحقيقة!

ومن الأدلة على أن هذا الملحد يعترف في قرارة نفسه بالله المعبود، أنه غالباً ما يتحدث عنه بحقد وتحدٍ وكأنه عدوه اللدود، ومن المعروف أن هذه المشاعر لا توجَّه إلا لمن هو بالفعل موجود، ومن ثم فإنه يُعتبر دليلاً في حد ذاته على أن الله حق!

وغالبا ما يتحدث هذا الملحد في معرض مناظرته لنقد إلحاده باستعلاء المفلسين، ويتصور بأنه بالنسبة للدين صيد ثمين في حال اعترف بوجود الله وأصبح من المؤمنين! فتكبره قد يكون ناتجاً عن شعوره بالدونية والنقص، ومن ثم فإنه يجد فرصة في تضخيم ذاته من خلال مخالفته للناس وحرصهم أمامه على إثبات وجود الله كل الحِرص!

هذا، وهو غالباً ما يعمل لله حساباً مهما ادعى بأنه معدوم، كما تراوده الخواطر والظنون بحق اليوم المعلوم، ولقد سمعت أحدهم ذات مرة يقول: إذا كان هناك يوم للحساب وكان هناك إله، فسأقول له كان يجب عليك أن تسألني قبل أن تحاسبني هل أرغب في أن آتي إلى هذه الحياة أم لا؟!

وهكذا رغم كون هذا الملحد في قرارة نفسه يشعر بوجود الله على نحو ما، كما تراوده الخواطر والظنون بشأن يوم الحساب، إلا أن الكبر هو أحد سمات شخصيته التي تجعله يرفض الإيمان ويؤثر الإلحاد، وصدق الله العظيم إذ يقول:

(وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ)!

أما كون هذا الملحد يشبه الغبي، فلأنه قد جعل عقله أشبه بجهاز مبرمج على مجموعة من البيانات، ولكنه غير قادر على تحليل الأمور والمجريات!

فهو مثلاً يضرب كفاً بكف حين يرى الكوارث تحدث حوله ولا يستطيع أن يستنبط العبر من حدوثها، وبدلا من ذلك يقول أين الإله ليمنع وجودها! ولكن الغريب أنه يعود ويثبت بنفسه وجود الله حين يلقي باللوم عليه لأنه يسمح بحدوثها! والحق أنه لو تفكر بعقل واع لعرف بأن لتلك الكوارث أسباباً يؤخذ منها العِبر، أو قد تكون إنذاراً للغافلين من البشر، أو قصاصاً من الظالمين والمفسدين الذين لا يتورعون. فصدق الله العظيم إذ يقول:

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ !

ومع كون هذا الملحد يشبه الغبي، إلا أنه قد يبدو بمظهر العبقري، فهو يعمل على أن يبدو فاهماً، ويحرص على أن يقول دائماً (أنا لا أؤمن إلا بالعلم)! والحقيقة أن تلك العبقرية المزيفة هى في الواقع أقرب إلى الغباء، فلا شك أن عقلاً غير قادر على تحليل ما يجري حوله أو إدراك الحكمة منه هو عقل يفتقر إلى الفطنة والذكاء، ذلك لأنه عاجز عن استخراج العبر من الأمور الظاهرة، وذلك كمن ينظر إلى المحار ولا يعلم أن مِن داخله يُمكن استخراج الجوهرة! وصدق الله العظيم إذ يقول:

هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ !

وآتي الآن إلى وجه الشبه بين هذا الملحد وبين الحيوان، والذي قد ارتضاه لنفسه حين اختار ألا يكون مكلفاً كالعقلاء من بني الإنسان، وألا يعترف بيوم الحساب، ولا بمبدأ الثواب والعقاب، وألا يكون له إله إلا هواه.. فهو بذلك قد اختار العيش كالحيوان الذي يعيش بلا ضابط إيماني، وبمجرد جسد يخلو من الحِس الروحاني، والحق أنه هكذا أشبه بالموتى مهما حرص على أن يعيش كما يريد في هذه الحياة!هذا ورغم ادعائه بأنه نصير لحرية الإنسان، إلا أنه يفتقر إلى منظومة أخلاقيه وذلك تماما كما يفتقر الحيوان، فهو يرى بأن له الحق في فعل أي شيء يرغبه، وبذلك قد جعل نفسه عبداً ذليلاً لهواه حين كفر بالإله الحق الذي يجب أن يعبده! ولا شك أن المؤمن يصعب عليه أن يقنع ملحداً يحمل ملامح من الثلاث الآنف ذكرها، فمثل هذا الملحد من الذين توجد غشاوة على أبصارهم، فلن تجدي محاولة إقناعه بالإيمان نفعاً، ولكن حتى لا يحسب بأنه قد وُجد في هذا الكون عبثاً، فإن الله لا بد أن يبتليه بضر لن يجد منه مفراً، إلا إلى من كفر به ولم يحسن به الظنون، فصدق الله العظيم إذ يقول:

ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ !

ولقد ضرب الله مثلاً على من تكبر واستغبى وكفر بالإله الحق، ثم حين أدركه الغرق استفاق عقله وعرف أن الله حق، وذلك في قوله تعالى عن فرعون في محكم التنـزيل:

حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

والحق أن من يتخذ إلهه هواه ويترك العبودية لله، هو كمن في حالة سُكر دائم استحب طريق الغواية، على بصره غشاوة فَضَلّ الطريق إلى الاستقامة والهداية، فعلى المؤمنين إن صادفهم ملحد مثل هذا أن يتركوه، فمهما حاولوا إقناعه بالإيمان فلن يقنعوه، وصدق الله العظيم إذ يقول:

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

فيجب ألا يبذل معه الجهد بلا طائل، ولا يهدر لإقناعه الوقت، فلسوف يأتي عليه يوم يعرف فيه أن الله حق.. فهناك ربٌّ يُمهِل ولا يُهـمِل، فلا يغتر بصبر الله على مَن ينـكرون، فصدق الله العظـيم إذ يقول:

أَفَحَسِـبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَـثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَـعُونَ !
Share via
تابعونا على الفايس بوك