• إدمان الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي حلقة متأخرة من حلقات الثورة الصناعية.
  • تعريف الإدمان ببساطة
  • النشء عرضة للإدمان السلوكي أيضا
  • متى ندرك أننا مدمنون؟!
  • تدابير علاجية بسيطة من آثار الإدمان.

«ليست العبرة بمكان تواجدنا الآنبل تكمن في الاتجاه الذي نُبحر إليه..»

عبارة سطرها الطبيب والشاعر الأمريكي الشهير أوليفر وندل هولمز (1809-1894م)، ويمكننا أن نستشف من عبارة هولمز الأدبية هذه مغزًى علميا تجريبيا ثابتا في كافة مناحي الحياة من حولنا.

البداية، من أواخر القرن الـ18

ملقد تغير الكثير منذ أن أخذت التقنية الحديثة في اجتياح العالم بدءا من الثورة الصناعية الأولى أواخر القرن الـ 18 وبدايات القرن الـ19 الميلادي. قبل ذلك، لم يكن بإمكان كل شخص الحصول على الأدوات المتطورة ووسائل الاتصال المتقدمة، حتى ظهرت إلى حيز الوجود طاقة البخار، التي تم استخدامها في شكل محركات الاحتراق الداخلي، بما شهد ولادة فكرة القطارات والسكك الحديدية، مما حقق نقلة نوعية للحضارة الإنسانية المعاصرة، والتي تعتمد في كافة مظاهرها على النقل والمواصلات، سواء كان هذا النقل للأشخاص أو البضائع أو البيانات والمعلومات والأفكار. والحق أن تلك النقلة الحضارية النوعية ضمنت خيرا عميما لا يمكن جحوده، إلا أن العالم بدأ يشهد تداعيات لعواقب ثورة الاتصالات المعاصرة، والتي هي في حقيقتها امتداد طبيعي لسلفها المتمثل في ثورة النقل والاتصال الأولى بالمحرك البخاري.

بينما مثل المحرك البخاري نقلة إيجابية في سبيل التلاقي الطبيعي بين الأشخاص في عالم الواقع، حققت محركات البحث عبر شبكة الإنترنت نقلة كذلك، ولكن الجدل محتدم حولها الان، فمن الباحثين ما يراها خيرا محضا، ومنهم من ينظر إلى الجانب الرمادي من الظاهرة، فلا يمكنه غض الطرف عن الآثار السلبية الخطيرة التي يحملها الانتشار الواسع النطاق لاستخدام الإنترنت عموما وشبكات التواصل الاجتماعي بوجه خاص.

ويبدو الآن جليًّا أن الجميع، بمن فيهم الأطفال، قد امتلكوا وسائل الاتصال الحديثة المعاصرة، أو دعونا نقول إنها هي التي امتلكتهم، وأنهم باتوا أسارى لها. بالفعل سهّل الإنترنت حياتنا بسماحه لنا بالوصول إلى المعلومة وبالتواصل مع أشخاص من كافة أنحاء العالم.

لكن هذه التسهيلات على ما لها من مزايا كبيرة، إلا أنها لم تخلُ من الضرر الكبير أيضا، فبتسهيلات التكنولوجيا الحديثة تعطلت لدى المستخدم لها على المدى الطويل الكثير من الوظائف الفسيولوجية، وأبسط مثال يمكن سوقه بهذا الصدد ضمور العضلات والعظام، الناشئ عن عدم الاستعمال، إذ من الممكن أن يبدأ هذا النوع من الضمور في الظهور بسبب عدم إجهاد العضو لمدة طويلة، مثلما يحدث في حالات الراحة الطويلة في الفراش، أو وجود العضو داخل قالب محدد، كبقاء العين في ج مظلم مدة طويلة، أو بقاء الرجلين دون حركة بالنسبة لطريح الفراش، إلخ.). هذا النوع من الضمور ممكن عكسه بواسطة التمارين، إلا إذا كان وخيما. الأمر الذي يحدو برواد الفضاء في أوضاع الجاذبية الصغرى أن يمارسوا التمارين الرياضية بانتظام لتثبيط الضمور في العضلات والأعصاب الطرفية.

كان هذا مجرد مدخل للآثار السلبية لهيمنة التكنولوجيا الحديثة على الحياة المعاصرة، ومن تلك الآثار السلبية ما هو أعظم أثرا وأجل خطرا.. إنه الإدمان بكافة صوره، وبالأخص إدمان استعمال وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت، كونه الظاهرة المَرَضِيَّة الغالبة على هذا العصر.

تعريف الإدمان ببساطة

إن جوهر تعريف الإدمان يمكن تلخيصه في توقف المخ عن إنتاج مركبات ضرورية للجسم، كالهرمونات والمسكنات الطبيعية للآلام، نتيجة استمداده تلك المركبات من طريق خارجي، بحيث يتحول المخ من منتج ومُصدِّر لتلك المركبات المفيدة إلى مجرد مستورد ومستهلك لها. وبطبيعة الحال فإن الاستيراد من الخارج لا يتصف بالانتظام، مما يخل بطبيعة استهلاك المخ لتلك المركبات، من هنا تنشأ أعراض الإدمان، بسبب احتياج المخ إلى ما كان ينتجه بنفسه في السابق.

الإدمان السلوكي.. إدمان عصر الحداثة

قد يتبادر إلى الذهن لوهلة أن الوصف السابق والمبسط للإدمان يقتصر على ظاهرة إدمان العقاقير فقط، ولكن هذه الفكرة منافية للصواب، فجوهر الإدمان واحد وأعراضه نفسها، مهما كان نوع ذلك الإدمان، عقاقيريا كان أو سلوكيا، فقد ثبت مؤخرا أن كيمياء المخ تتغير بتغير الحال المزاجية للمرء، إيجابا أو سلبا، فيفرز المخ في أوقات السعادة النفسية هرمون الدوبامين بشكل طبيعي، وهو نفس الهرمون المتورط في إحداث ظاهرة الإدمان العقاقيري، وبينما كانت السعادة النفسية تتولد من قبل في عالم الواقع بين أشخاص طبيعيين، بات تولدها الآن متعذرا، إلا في حيز افتراضي رقمي. وليت الأمر يقف عند هذا الحد!

والإدمان السلوكي شكل من أشكال الإدمان الذي يقع فيه المدمن بإفراطه في ممارسة سلوك يعتمد على المكافأة غير المادية، غاضا الطرف عن كل النتائج السلبية البدنية أو العقلية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. وقد بدا بوضوح الآن أن تقنية الاتصالات الحديثة تعرّضنا لخطر هذا النوع الثاني من الإدمان. وأن منصات التواصل بأنوعها مثل: Facebook و Twitter و Instagram وLinkedIn وغيرها قد استنزفت المحيط الاجتماعي الطبيعي كما كنا نعرفه، إذ تظهر لنا كل يوم المزيد والمزيد من الشبكات الاجتماعية التي تدعونا للدخول إليها وإنشاء صفحة خاصة لنا والتواصل مع الآخرين من خلالها. في البداية، قد يبدو الأمر وسيلة ممتعة لا غضاضة فيها للتواصل مع أفراد الأسرة والأصدقاء والزملاء، لا سيما حين تبعد بيننا وبينهم المسافات. ولكن مع مرور الوقت، فإن الاستخدام الواسع الانتشار الآن للإنترنت عموما ومواقع التواصل الاجتماعي خصوصا في عصرنا الحديث بدأت تلوح في الأفق آثاره السلبية الخطيرة على الحالة النفسية للبشر.

وقد أظهر التصوير العصبي وجود تشابه لافت للنظر في أداء الدماغ بين المدمنين على الإنترنت ومتعاطي المخدرات، وبالتالي يعتبر الأفراد الذين لهم تاريخ في إدمان المخدرات العقاقيرية أكثر عرضة لإدمان الإنترنت كمشكلة مقترنة.

ويُعتبر المحتوى الإباحي أحد الأسباب الرئيسية وراء الإدمان على الإنترنت. ولا تحمي منصات المواقع الاجتماعية الشباب بشكلٍ كافٍ من آثارها الضارة. فالمواقع الإباحية كالنمل الأبيض تتغذى بسرعة على الأسس البريئة لمجتمعنا.وتشير العديد والعديد من الدراسات المتخصصة إلى أن التردد على تلك المواد الإباحية قد يسبب خللاً في الدارات العصبية في الدماغ، وتلك الدارات هي المنوط بها إيجاد الشعور بالمكافأة وإفراز الدوبامين سالف الذكر، مما يسبب نوعا من الخلل الهرموني ويعمق من هوة الإدمان على المحتوى الإباحي. الشيء الأكثر إثارة للقلق هو أن الأطفال دون سن الـ 16 سنة يتعرضون لآثاره المدمرة، الأمر الذي حدا بكثير من حكومات الدول المتقدمة وكذلك المنظمات غير الحكومية إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد هذه المواقع الإباحية والقائمين عليها، بنفس القدر الذي تعاملت به مع مصنعي العقاقير المادية، بدءا من السجائر، فحظرت بيعها لمن هم دون السن القانونية على الأقل.

انتبه!! فطفلك عرضة للإدمان السلوكي

وما يثير القلق أكثر هو أن الأطفال معرضون لهذا النوع من الإدمان السلوكي، فهناك نوع من الادمان الشديد تمت ملاحظته لدى شريحة واسعة من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي على حد سواء، بمن فيهم الأطفال، وهو يزداد في سيطرته ويعرف باسم الادمان على ألعاب الفيديو، والتي باتت متاحة ضمن ما تقدمه منصات التواصل من خدمات متنوعة، كالتسوق، ونشرات الأخبار، وتحديد المواقع، وغير ذلك. ووفقا لدراسات بحثية هناك صلة وطيدة بين إدمان اللعب على الحاسب لدى الطفل وبين الاكتئاب والوحدة والتوتر. وهذا بدوره يمنع الطفل من القيام بواجباته المدرسية وإنجاز مسؤولياته الاجتماعية وخلق صداقات فعلية، مما يُعيق سلامته العقلية والجسدية ونموه.

يقضي الكثير من الأطفال وقتهم في المنزل بدلا من الانخراط في نشاطات وهوايات واهتمامات ذات مغزى. فدور الآباء والمعلمين إذن حاسم في حمايتهم من ذلك الإدمان، ولكن ما الحل إذا كانوا هم أنفسهم مدمنين؟!

متى ندرك أننا مدمنون؟!

استخدام الانترنت، والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية التي أصبحت شائعة بشكل متزايد في العالم، يجعلنا نتساءل عن المقياس الذي يمكننا من خلاله إدراك أننا أفرطنا في استهلاك التقنية!!

ومن الواضح أن تجربة استخدام الإنترنت تختلف من شخص إلى آخر، فالبعض يستخدمونه لأجل العمل، والبعض الآخر فقط لأغراض ترفيهية. ولكن في النهاية، عندما يطول استخدامنا لهذه المنصات ويصبح قهريا إلى حد التأثير على أدائنا اليومي في المدرسة والعمل وعلاقاتنا الشخصية، فهنا يكون استخدامنا للإنترنت مبالغا فيه. ويقال أنه من الأفضل دائمًا التعرف على المشكلة في مراحلها الأولية حتى يكون التدخل لحلّها ناجحًا تمامًا.

يظهر إدمان الإنترنت عموما ووسائل التواصل الاجتماعي خصوصا في أعراض جسدية وإدراكية وعاطفية، هي مؤشرات يجب أن تدفعنا إلى التعرف على المشكلة بسرعة.من جملة الأعراض الجسدية آلام الظهر، والرقبة، والصداع الشديد، واضطرابات الوزن بالنقص أو الزيادة، واضطرابات النوم (صعوبة في الاستغراق في النوم أو استمراريته)، وعدم وضوح الرؤية أو تشوشها، ومتلازمة الانقباض الرسغي (التنميل والوخز في اليد والذراع الناجم عن العصب القابض في المعصم).

فالمواقع الإباحية كالنمل الأبيض تتغذى بسرعة على الأسس البريئة لمجتمعنا. وتشير العديد والعديد من الدراسات المتخصصة إلى أن التردد على تلك المواد الإباحية قد يسبب خللاً في الدارات العصبية في الدماغ، وتلك الدارات هي المنوط بها إيجاد الشعور بالمكافأة وإفراز الدوبامين سالف الذكر، مما يسبب نوعا من الخلل الهرموني ويعمق من هوة الإدمان على المحتوى الإباحي.

ومن جملة الأعراض الإدراكية الانشغال بالإنترنت (التفكير المفرط فيما يقع به من أحداث وما يُلتقى بهم بواسطته من أشخاص)، والتشتت الذهني وقصور الانتباه بسبب تحفيز مواقع التواصل الاجتماعي للدماغ بالألوان والصور المتلاحقة. وهناك أيضا الاكتئاب الناشئ عن افتقاد التلاقي الطبيعي والاستعاضة عنه بلقاءات افتراضية في عالم رقمي 100%، كلما حاولنا التواصل مع البشر بطريقة عميقة وعاطفية، كسبنا فوائد التفاعل الاجتماعي. هناك أيضا مشاكل الذاكرة الناشئة عن عدم مرور المخ بتجارب وأحداث حقيقية، وذلك أنه يشارك الآخرين تجاربهم وأحداثهم عبر الشبكة ومواقع التواصل فقط. وأخيرا وليس آخرا، هناك الإرهاق والإنهاك الفائق بسبب المقدار الهائل من المعلومات الذي يتسبب لا محالة في إحداث الضغط والارتباك العصبي، أو ما يمكن وصفه بالضغط النفسي، والذي تناولناه في مقال سابق، حيث يشعر المرء بالإرهاق والحيرة أمام كم البيانات التي يجب استيعابها.

ومن جملة الأعراض العاطفية الشعور بالذنب وتدني احترام الذات، وعدم الرضا بسبب المقارنة المستمرة بين حياة المرء وحياة الآخرين، والقلق، والانشغال الدائم بالمظهر والسلوك، والمزاجية، وسرعة الغضب (خاصة عند محاولة تقليل استخدام الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي)، والشعور بالعزلة بسبب الانسحاب من المجتمع، والخوف من الاستغناء عنه أو نسيانه، وعدم القدرة على تحديد الأولويات أو احترام المواعيد وتواريخ الاستحقاق، ومشاعر الابتهاج والبهجة أمام الهواتف الذكية أو الأجهزة اللوحية وسلوكيات الأكل الغير مناسبة خاصة الإفراط في الطعام أثناء استخدام الإنترنت.

وتشير الدراسات إلى أن إدمان الإنترنت شائع جدًا بين المراهقين والشباب الذين يعانون من الاكتئاب ويعتقدون أنه مهرب مناسب من الأفكار الاكتئابية. هذا ويمكن أن يساهم الضغط النفسي والشعور بعدم السعادة لدى بعض الأشخاص في إدمانهم على الإنترنت واضطراب سلوكهم. وغالبًا ما يلجأ الأشخاص الذين يفتقرون إلى الدعم العاطفي والنفسي إلى الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي لسد احتياجاتهم. ومن هؤلاء الأكثر عرضة للخطر من يعانون من الخجل المفرط حيث لا يمكنهم التواصل بسهولة مع أقرانهم.

أنا مدمن!! فهل إلى شفائي من سبيل؟!

بعد أن أدركنا أن أكثرنا ليس بمنأى عن الإدمان بكافة أشكاله، حان وقت البحث عن سبيل الشفاء، والذي يبدأ عادة بتحديد المشكلة وإدراك حجمها، وذلك بالتفكُّر ومساءلة الذات (الاستبطان)، وتلك هي الخطوة الأولى في العلاج.

ثم في الخطوة الثانية ينبغي علينا فحص سلوك استخدامنا للإنترنت عموما، والتأكد من أن هذا الاستخدام لا يأتي على حساب أولويات أخرى كعملنا وأدائنا المدرسي وعلاقاتنا الشخصية والاجتماعية الواقعية بأي شكل من الأشكال.

وفي الثالثة علينا أن نسأل أنفسنا في كل مرة عما إذا كان رضاؤنا مشروطا ببقائنا متصلين بالإنترنت مدة أطول أم لا. أما في الخطوة الرابعة فعلينا التحقق مما إذا كنا مزاجيين أو سريعي الانفعال، أو مضطربين إذا ما انقطع الاتصال بالإنترنت لاي سبب طارئ.

والخامسة ضمان عدم إخفاء طبيعة استخدامنا للإنترنت، كمًّا وكيفًا، عن عائلتنا وأصدقائنا، إذ إن هذا التكتم في حد ذاته لازمة تلازم المدمنين في معظم الأحوال.

والخطوة السادسة سؤالنا أنفسنا عما إذا كان الإنترنت يشكِّل مهربًا لنا من مشاكل الحياة اليومية أم لا. إن كانت إجاباتنا على التساؤلات في الخطوات الست السالفة بنعم، فهذا يدل على أن المشكلة ما زالت قائمة، مما يجعلنا في موقف الحاجة إلى تدابير أكبر كعيادة الطبيب النفسي مثلا.يجب علينا جميعا أخذ كل أنواع الإدمان على محمل الجد. لأنها لا تؤثر فقط على المدمن بل على جميع من حوله أيضا. فإذا كنت تعتقد أنك لا تستطيع التغلب عليه وحدك وتحتاج إلى مساعدة خارجية اتصل بمختص علاج إدمان معتمد ومدرب على تشخيص وعلاج هذه المشكلة الخطيرة، والله تعالى هو الشافي.

وعلى الرغم من استحالة العودة إلى الوراء في أغلب الأحوال، إلا أن بإمكاننا البدء من جديد في هذه اللحظة وصُنع نهاية سعيدة.