نماذج من تهذيب القرآن فطرة الإنسان .. ترشيد استعمال الجوارح

نماذج من تهذيب القرآن فطرة الإنسان .. ترشيد استعمال الجوارح

د. ريهام سنون

  • كيف يسد المنهج القرآني منافذ الشكوك والظنون السيئة من خلال تتبع تسلسل عمل الأذنين، والعينين، ثم القلب؟
  • ما هي الدلالات اللغوية والشرعية الشاملة للفظ “الفروج” وكيف ترتبط بحسن استخدام مداخل الشهوات؟
  • كيف يوازن القرآن الكريم في توجيهاته، في استعمال جارحة كاليد، بين فضائل التصدق والإنفاق في الخير من جانب وذمائم البخل والإسراف من جانب آخر؟

____

بغض النظر عن إلهية مصدره، فإن القرآن الكريم، في نظر كل من المؤمنين به وحتى غير المؤمنين به، نص تشريعي، بمعنى أنه دستور لكافة مجالات الحياة، إذ يضطلع بوضع الأساس للأخلاق والآداب وحسن السلوك، حيث نظم احتياجات الإنسان الطبيعية كالزواج والأكل والشرب والتواصل الاجتماعي.. إلخ، بحيث جعل منه شخصًا متحضرًا وأخلاقيًا. والواقع أن الأوامر والنواهي القرآنية تنسجم تمامًا مع الطبيعة البشرية لأنها تحرم كل ما ترفضه الطبيعة البشرية.

وفيما يتعلق بالزواج على سبيل المثال، وضع القرآن الكريم في سورة النساء قائمة بأصناف النسوة التي يحرم على الرجل الزواج بهن،

وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا *  وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.(1)

 

ذرائع حفظ الفروج

من ناحية أخرى، حرم الإسلام الزنا، ولكن بمدى أبعد من وصية العهد القديم من الكتاب المقدس التي تقول: «لا تزنِ»(2)، يقول القرآن:

وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا…(3).

فالقرآن الكريم لم يحرم فعل الزنا فحسب، بل سعى أيضًا إلى سد الذرائع المؤدية إليه. ونظرًا إلى أن النظر هو المدخل الذي تتسرب من خلاله معظم الأفكار الشريرة إلى الذهن، فإن القرآن الكريم يأمر المؤمنين والمؤمنات بأن يغضوا من أبصارهم عندما يلتقون، يقول الله تعالى:

قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ….(4).

إن كلمة فُروج الواردة في سياق هاتين الآيتين تحمل الكثير من الدلالات، من بين تلك الدلالات أجزاء الجسم التي لا يليق بالإنسان إظهارها، فالفَرْجُ والفُرْجَةُ: الشّقّ بين الشّيئين كفرجة الحائط، والفَرْجُ: ما بين الرّجلين، وكنّي به عن السّوأة، وكثر حتى صار كالصّريح فيه»(5)، إضافة إلى ما سبق فإن لفظ «الفرج» يستعار للثّغر وكلّ موضع مخافة(6)، فهو يشمل كل السبل التي تتسلل خلالها الأفكار الشريرة إلى قلب الإنسان وعقله وهذا يشمل جميع أجزاء الجسم وأعضائه فيما يُعرف بمداخل الشهوات، كالعينين والأذنين والأنف، لذلك على المؤمنين الحرص على حسن استخدام جميع السبل التي يمكن للأفكار السيئة والظنون القبيحة أن تصل من خلالها إلى عقولهم. ومن المذهل بشكل خاص أن القرآن الكريم لم يكتف بذكر هذه السبل تحت مظلة كلمة «الفروج» هذه فحسب، وإنما أعطى أيضًا أوامر أخرى رائعة من شأنها ترشيد استخدام كافة حواسنا وجوارحنا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، علمنا القرآن الكريم كيف نمشي:

وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا(7)،وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ(8)،

كما وعلمنا كيف نتحدث:

وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ(9)،

وأمرنا القرآن الكريم أيضًا:

وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا(10)،

و:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ … وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ…(11).

ثم قال تعالى في حث واضح على حسن معاملة الوالدين:

…فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا…(12).

وعلمنا القرآن الكريم أيضًا كيف نوجه أنظارنا، فقال:

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ(13).

وعلمنا كيف يجب أن تكون مجالسنا واجتماعاتنا:

وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا(14).

وعلمنا كيف نستخدم آذاننا:

وَّلَا تَجَسَّسُوا(15)..

لا شك أن هذا يعني التجسس على شؤون الناس وعيوبهم، ولكن كلما ازداد الإنسان تقى، تفادى كل ما يمكن أن يعد تطفلًا وتجسسًا.

يقول الله تعالى:

وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً(16).

في الواقع، لقد سد القرآن الكريم هنا جميع مداخل الشكوك والظنون السيئة، وهي بالتسلسل: «الأذن»، و«العين»، و«القلب»، فالأذن أول طريق تدخل من خلاله معظم الشكوك إلى عقل الإنسان، والشكوك تنجم بشكل رئيس عن شائعات قد لا يكون لها أساس من الصحة، يجري بها لسان شخص، فتتلقفها أذنا آخر، ثم تنتقل منه إلى ثالث، وهكذا دواليك حتى تشيع.

والمصدر الثاني للظنون هو البصر، حيث يرى أحدهم شخصًا يفعل شيئًا ويفسره بشكل خاطئ. والمصدر الأخير للريبة والشكوك هو العقل المريض الذي قد يتوهم ما لا حقيقة له، وهكذا يتبين من هذه الآية أننا سنحاسَب على استراق السمع إلى أي شيء لا يحق لنا الاستماع له، وعلى النظر إلى شيء لا تنبغي لنا رؤيته، وعلى تبني أفكار سيئة عن الآخرين بلا دليل، لأن اتخاذ الدليل من الأذن أو العين أو القلب فقط لا يكفي للحكم على الإنسان أو لإبداء الرأي فيه.

فالقرآن الكريم لم يحرم فعل الزنا فحسب، بل سعى أيضًا إلى سد الذرائع المؤدية إليه. ونظرًا إلى أن النظر هو المدخل الذي تتسرب من خلاله معظم الأفكار الشريرة إلى الذهن، فإن القرآن الكريم يأمر المؤمنين والمؤمنات بأن يغضوا من أبصارهم عندما يلتقون

ترشيد استعمال الجوارح

الجوارح كل عضو فاعل، أو يستعمله المرء في اجتراح شيء، أي فعله، وسميت جوارح «إمّا لأنها تــجرح، وإمّا لأنها تكسب. قال عزّ وجلّ:

… وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ…،

وسميت الأعضاء الكاسبة جوارح تشبيها بها لأحد هذين، والاجتراح: اكتساب الإثم»(17). وجوارح الإنسان لسانه وأطرافه من يديه ورجليه. وفي إطار ترشيد القرآن لاستخدام جوارحنا فقد علمنا على سبيل المثال أن نستخدم جوارحنا في أعمال الخير حصرا، فقال بشأن الأيدي:

وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(18).

وقال تعالى أيضًا:

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا(19).

تعلمنا هذه الآيات الطريقة الصحيحة لإنفاق أموالنا، فلا ينبغي للإنسان أن يكون بخيلًا كما لو كانت يداه مقيدتين إلى عنقه، ولا يجب أن ينفق بإسراف بحيث يهدر ثروته كلها فلا يجد نفسه قادرًا على المساهمة في الإنفاق عندما تكون هناك حاجة وطنية حقيقية للمال. لذلك على المسلمين استخدام أيديهم في الخير فقط. وإضافة إلى الإنفاق، قد كان من شروط بيعة النبي ﷺ أن لا يتورط المؤمنون والمؤمنات في جريمة السرقة:

وَلَا يَسْرِقْنَ(20)

.

صون الخصوصية

اعتنى القرآن عناية خاصة بصيانة الحقوق الفردية، وخصوصية المرء، فأمر المسلم بعدم دخول منازل الآخرين دون استئذان ساكنيها أولاً والتأكد من أنهم يرغبون في استقباله فقال:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(21).

لا يضع هذا الأمر القرآني حدًّا للتهم المحتملة فحسب، بل يعمل أيضًا على إنقاذ الأشخاص من الظهور في ظروف من المحتمل أن تثير الشكوك.كما يعلمنا أيضًا احترام خصوصية منازل ومكاتب الآخرين.

 

إرشادات لإحراز الصلاح

حدد القرآن الكريم الصفات التي يجب أن نتحلى بها لنكون من الصالحين. يصف الله تعالى الأتقياء على النحو التالي:

الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(22).

 وبالتالي، فإن المتقين لا يقومون بالأعمال الخيرية والإنفاق في سبيل الله فحسب، ولكنهم أيضًا يكبتون غضبهم عندما يساء إليهم. وهم لا يعفون عن المسيء فقط، بل يحسنون إليه أيضًا.

التجسيد الإنساني للتعليم القرآني

لا شك أن هذه الصفات لا يمكن أن تجتمع إلا في من يتبعون القرآن الكريم بصدق، وخير مثالٍ على ذلك سيدنا محمد الذي قالت فيه أمنا عائِشةُ حين سُئِلَتْ عن خُلُقِه ﷺ: «كان خُلُقُه القُرآنَ»(23). وهو نفسه ﷺ من قال عن ذلك الكتاب الحكيم: «إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، والنور المبين، والشفاء النافع. عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول «الم» حرف، ولكن ألف ولام وميم»(24).

الهوامش:

  1. (النساء: 23-25)
  2. (الخروج 20:14)
  3. (الإسراء: 33)
  4. (سورة النور:31-32)
  5. المفردات في غريب القرآن، مادة «ف ر ج»
  6. انظر: المرجع السابق
  7. (الإسراء: 38)
  8. (لقمان:20)
  9. (لقمان:20)
  10. (البقرة: 84)
  11. (الحجرات: 12)
  12. (الإسراء: 24)
  13. (طه: 132)
  14. (الحجرات: 13)
  15. (الحجرات: 13)
  16. (الإسراء: 37)
  17. المفردات في غريب القرآن، للأصفهاني، مادة «ج ر ح»
  18. (البقرة: 196)
  19. (الإسراء:30)
  20. (الممتحنة: 13)
  21. (النور:28-29)
  22. (آل عمران: 135)
  23. مسند أحمد، كتاب باقي مسند الأنصار
  24. المستدرك على الصحيحين
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via