تمييز الخبيث من الطيب في الطعام والتاريخ أيضا!

تمييز الخبيث من الطيب في الطعام والتاريخ أيضا!

التحرير

فكيف يتجاوز مفهوم الحلال الطيب في الإسلام مجرد الإباحة التشريعية ليدخل في حيز الجودة الوجودية وأثره على السلوك الإنساني؟

وكيف يساهم التمييز الواعي على مائدة الطعام في بناء وعي ناصع أشمل للتمييز بين الأفكار في معترك الحياة السياسي والاجتماعي؟

ثم ما هو المنهج النقدي الذي تقدمه الشريعة الإسلامية لإعادة قراءة السرديات التاريخية وتفنيد الأراجيف بعيدًا عن سيطرة السرديات السائدة؟

 ___

يطل علينا شهر سبتمبر حاملا معه بواكير الخريف، ودعوة للقراءة المتأنِّية التي تستدعي التأمل في نواميس الكون وسنن الاجتماع البشرى. إننا في هذا العدد الجديد نضع بين يدي القارئ المثقف رحلة فكرية لا تكتفي بملامسة السطح، بل تغوص في عمقِ واحدٍ من أكثر المفاهيم الحاكمة في التصور الإسلامي والإنساني على حد سواء، وهو مفهوم التمييز. ذاك الميزان الدقيق الذي وضعه الخالق ليكون معيارًا للفرقان بين الخبيث والطيب، لا في عالم المادة وما يدخل الأبدان فحسب، بل في عالم الأفكار والحوادث، وما يستقر كذلك في الأذهان، من روايات تاريخية وتصورات حضارية.

والحياة في جوهرها ليست إلا سلسلة متصلة من الاختيارات التي تنبني عليها القرارات، وكلما ارتقى وعي الإنسان، ازدادت قدرته على تمييز الجوهر من العَرَض، والحق من الباطل. ومن هنا جاء هذا العدد ليؤكد أن الشريعة الغرَّاء التي فصَّلت في أحكام الأبدان، لم تغفل عن صياغة منهج نقدي لبناء الأذهان وتفنيد  الأخبار الكاذبة التي تُشاع لإثارة الفتن، والذعر، والاضطراب بين الناس التي قد تشوب تاريخ الأمم وسِيَر المُصلِحين.

نستهل رحلتنا في هذا العدد بالوقوف عند المظاهر المادية لهذا التمييز، عبر تأمُّل فلسفة الغذاء في الشريعة الإسلامية. إن الإنسان في الرؤية القرآنية لم يُخلق ليكون مجرد آكل يتبع غريزته، بل خُلِق مختارًا يربط بين ما يتناوله وبين مستوى تحضُّره السلوكي والروحي. إن مفهوم الحلال الطيب يتجاوز مجرد الإباحة القانونية ليدخل في حيز الجودة الوجودية؛ فالطيب هو ما صفا من الكدر، وصلح به البدن، وتزكَّت به النفس.

إن الشريعة حين وضعت ضوابط دقيقة لما يَحِلُّ ويَحْرُم من الطعام، كانت تؤسس لمنطق الاختيار الواعي؛ فكلما زادت قدرة المرء على الامتناع عما يضره أو يشينه، ارتقى في مدارج التحضر الإنساني. إن الخبيث من الطعام ليس مجرد مادة محرمة، بل هو طاقة سلبية تؤثر في كينونة الإنسان وتطبع سلوكه بطابع يبتعد به عن الفطرة السويَّة. لذا، فإن التمييز على مائدة الطعام هو التدريب الأول والأساسي للإنسان، ليتعلم كيف يميز بين الأفكار على مائدة الجدل والحوار، وفي معترك الحياة السياسي والاجتماعي.

وإذا انتقلنا من تمييز الأعيان في الطعام إلى تمييز الحقائق في التاريخ، نجد أن التاريخ في كثير من أحيانه يُكتَب بأقلام الأهواء، أو تضيع تفاصيله تحت ركام النسيان، لكن المنهج الإسلامي الرصين يعلمنا تحرِّي شهادات العيان، والتمحيص في صدق الرواة؛ فاستحضار تفاصيل الأحداث التاريخية العظيمة، كَيَوم بدر مثلا، ليس من قبيل التغني بأمجاد السلف الصالح وحسب، بل لنتعلم كيف أن الله قد يلقي الرعب في قلوب أهل الخُبْث مهما بلغت قوتهم، ويؤيد الطيبين وإن قل عددهم. إن قراءة التاريخ بعين التمييز تكشف لنا كيف أن الموازين الإلهية تختلف عن الحسابات المادية الجافة، وأن الطيب من المواقف هو الذي يخلُد ذكره، بينما يذهب الخبيث جفاءً كزبد البحر

…فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ… (الرعد: 18).

إن إعادة قراءة تاريخ الأمم بعيدا عن المركزية الغربية هو نوع من تمييز الخبيث من الطيب في السرديات التاريخية الكبرى؛ فالحضارة الإسلامية قدمت للعالم منهجا في التفكير، وفي الإدارة، وفي العلوم، كان هو المحرك الحقيقي للتحولات المذهلة التي شهدتها ممالك كانت معزولة ومنطوية على ذاتها، لولا تلاقحها مع ذاك المد الحضاري الذي حمله المسلمون.

نجد أن التاريخ في كثير من أحيانه يُكتَب بأقلام الأهواء، أو تضيع تفاصيله تحت ركام النسيان، لكن المنهج الإسلامي الرصين يعلمنا تحرِّي شهادات العيان، والتمحيص في صدق الرواة؛ فاستحضار تفاصيل الأحداث التاريخية العظيمة، كَيَوم بدر مثلا، ليس من قبيل التغني بأمجاد السلف الصالح وحسب، بل لنتعلم كيف أن الله قد يلقي الرعب في قلوب أهل الخُبْث مهما بلغت قوتهم، ويؤيد الطيبين وإن قل عددهم

ويصدر هذا العدد من مجلة التقوى وفكرة التمييز في كل شيء تأخذ من موادِّه بحظٍّ وافر، ففي خطبة سيدنا أمير المؤمنين المُتخيَّرة لهذا لعدد، يصطحبنا (أيده الله تعالى بنصره العزيز) في رحلة إلى الماضي، الأصيل، والموروث ويَوْمِ بَدْرٍ، وَشَهَادَاتِ شُهُودِ عَيَانٍ مِنْ مَوْقِعِ الحَدَث. وفي زاوية المقالات، ثمة مقالان يتناولان فكرة ملف العدد من منظور ما يحل ويحرم من الطعام من منظور الشريعة الإسلامية، أحدهما من حيث التعميم النظري في التحليل والتحريم، والآخر من حيث التخصيص التطبيقي في تحريم الخمر. ثم تكتمل الصورة بمقال يطرح فيه الكاتب الرؤية الإسلامية في تهذيب الفطرة من خلال ترشيد استعمال الجوارح، وأخيرًا، مقال يُعالج همًّا شائعًا من هموم هذا العصر، وكل عصر.. اضطراب القلق، وكيف تتجاوزه النفس للوصول إلى بر الطمأنينة، في عالم يعج بالمتغيرات اليومية المتلاحقة بسرعة تفوق سرعة استيعابها.

وفي الختام نؤكد أن رسالة التقوى في هذا الشهر هي دعوة لأولي الأبصار والبصائر ليكونوا من أصحاب الفرقان. إن العالم اليوم يموج بالفتن، وتختلط فيه الحقائق بالأكاذيب، ويقدم فيه الخبيث في قوالب براقة، سواء في مأكلنا ومشربنا، أو في السرديات التاريخية التي تحاول طمس هويتنا، أو حتى ما يقدم إلينا من برامج إعلامية وإخبارية. ففي خضم ذلك التزييف، ما من طوق نجاة سوى التمسك بمنهج الشريعة في التمييز. وكما نتحرى الطيب في طعامنا صيانة لأبداننا، علينا كذلك تَحرِّي الصدق والحق في قراءة تاريخنا صيانة لعقولنا وأرواحنا. والإسلام، بجلال شريعته ونصاعة سير رجاله يظل هو الميزان الذي لا يميل، والبوصلة التي تهدينا إلى سواء السبيل.

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via