- فكيف يتطابق التوصيف اللغوي والقرآني للفظة “هلوعًا” مع اكتشافات علم النفس الحديث لأعراض القلق؟
- وما العبرة المستقاة من قصة النبي يونس في معالجة المخاوف وبلوغ مرفأ السكينة؟
- ثم ماذا عن الطرح الذي تقدمه سورة المعارج لتحصين النفس الإنسانية ضد اضطراب القلق؟
___
مشاعرنا ولوازم طبيعتنا الإنسانية
المشاعر الإنسانية التي نعرفها الآن هي نفسها تلك لمشاعر التي عرفها الإنسان الأول، إيجابية كانت أو سلبية، من جملة تلك المشاعر الكثيرة نعرف مشاعر الحب والكراهية، والسعادة والحزن، والحماس والتقاعس، والطمأنينة والقلق، فكل تلك المشاعر هي من لوازم الطبيعة الإنسانية، حتى تلك السلبية منها، فهي ليست عوارض طارئة أو أمراض نفسية ظهرت فجأة في عصرنا هذا عصر الحداثة! وشعور القلق على وجه الخصوص ليس عارضًا طارئًا أو مجرد مرض حديث، بل هو جزء أصيل من الطبيعة والتركيبة البشرية (الهلع النفسي)؛ حيث يُمثل إشارة روحية وضعت في جبلّة الإنسان لتدفعه نحو البحث عن السكينة والافتقار إلى الخالق العليم بضعفه، وليس وصمة عار أو فشلًا أخلاقيًّا. والسبيل إلى التخلص منه في أيامنا هذه يمكن أن يُقدَّم بأسلوب تكاملي يجمع بين العلاج النفسي المعاصر والإرشاد الروحي.

إحصائية مخيفة!
لأن الأرقام لا تكذب ولا تتجمَّل، يلجأ إليها المتخصصون والمهتمون؛ لوصف الظواهر والمشكلات، والبحث عن التفسيرات، ومن ثم الحلول. وثمة إحصائية صادمة أعلنتها منظمة الصحة العالمية تُخبر بأن ثلاثمائة وتسعة وخمسين مليونًا من سكان المعمورة يعانون اضطراب القلق تحت مسميات شتى.(1)
وعلى الرغم من أن هذا التدفق للأمراض النفسية يبدو كأنه إفراز خالص لتعقيدات العصر الحادي والعشرين، إلا أن الحقيقة التاريخية تخبرنا بخلاف ذلك.(2) فقبل أربعة عشر قرنًا، غاص القرآن الكريم في أعماق النفس البشرية مشخّصًا طبيعتها القلقة وجبلّتها المجبولة على عدم الاستقرار، في قوله عز وجل:
إننا نعيش في عالم يموج بالتوتر والاضطراب والخوف الوجودي من الغد المجهول، حتى غدا القلق طابعًا وسمة مميزة لجيلنا المعاصر. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ما الذي يمكن أن يقدّمه لنا هذا الكتاب الحكيم، الذي شخّص بدقة متناهية أصل النفس البشرية منذ قرون طويلة؟ وكيف نستلهم من هذا التشخيص علاجًا لواقعنا اليوم؟
القلق بوصفه بُعدًا في الطبيعة البشرية
إذا تتبعنا المعاجم العربية لفهم دلالة لفظة «هَلُوع»، سنجد أنها تعبر عن ذلك الإنسان الذي يداخله الجزع والاضطراب سريعًا أمام الشدائد، ويستسلم للإحباط عند مواجهة العقبات؛ كما أنه يبخل بما يملك من نعم ويشتد حرصه عليها، وتتكاثر أحزانه ويفقد صبره إذا حلت به المحن، فقد أورد صاحب التاج هذا المعنى فقال:
هذا التوصيف المعجمي الدقيق أكده السياق القرآني في الآيات التي تلت مباشرة الآية العشرين من سورة المعارج، حيث قول الله تعالى:
إننا لا نقف أمام مجرد تطابق بين معنى لغوي ودلالة مستوحاة من القرآن الكريم وحسب، بل إن التطابق يمتد ليشمل كذلك ما توصلت إليه اكتشافات العلم الحديث في مجال الصحة النفسية، عند رصده لأعراض القلق، والتي تشمل القلق الزائد والمفرط تجاه تفاصيل الحياة اليومية الرتيبة، والعجز عن السيطرة على الأفكار المقلقة وتدفق مشاعر التوتر العصبي، والشعور الدائم بالانزعاج وسرعة الاستثارة كما لو أن المرء يعيش على حافة الهاوية! ناهيك عن تشتت الذهن والمعاناة البالغة في التركيز واستجماع الأفكار، واضطرابات النوم والأرق المستمر، وما يرافق ذلك من إعياء بدني مزمن في كثير من الأحيان.(6)
فهذا التشابه الواضح بين التوصيفين، القرآني والطبي، يوضح لنا غاية أسمى؛ فالقرآن لا يصف فئة محدودة من الناس تعاني من خلل ما، بل يقرر حقيقة جِبِلِّيَّة، أي مغروسة في أصل فطرتنا، وهي أن الإنسان في أصل جبلّته مهيأ بطبيعته للشعور بالقلق والاضطراب. وحين ندرك هذا المنظور، نتحرر من وصمة المرض وفكرة الفشل الأخلاقي، لنرى القلق كحالة داخلية أصيلة تتطلب التفهم والتقويم، لا الإنكار والإدانة.(7)
من تجارب الأقدمين.. كيف بلغ يونس مرفأ السكينة؟!
طالما يسيء بعضنا الفهم، حين يظن أن بعض الاضطرابات النفسية يكون منشؤها سوء السير والتصرُّف، ومن ثم فإنها لا تصيب صفوة الخلق من أنبياء الله ورسله! إن هذه النظرة القاصرة للضغوط والاضطرابات النفسية، ومن جملتها القلق، يفندها القرآن الكريم نفسه، حيث نجد الكثير من الوصايا الربانية لصفوة خلقه بالصبر على الأذى، كقول الله تعالى:
كذلك نرى أن الله تعالى يدعو نبيه في مواضع شتى ألا يحزن، كقوله تعالى:
وقول الله تعالى أيضا في سياق قصة نبيه لوط :
غاية القول إن تلك المشاعر الإنسانية السلبية لم تكن محرَّمة حتى على الأنبياء بوصفهم صفوة خلق الله تعالى؛ فقد مروا هم أيضًا بلحظات من الخوف والحزن والقلق والضيق الإنساني الطبيعي. ولنا في قصة نبي الله يونس عبرة بالغة؛ فبعد أن وجد نفسه في جوف الحوت، وحيدًا معزولًا في ظلمات الليل والبحر وجوف الحوت واضطراب النفس، انقطعت به الأسباب المادية وبدت حالته ضربًا من اليأس المطبق. لكنه من قلب تلك الهاوية السحيقة نادى وهو وسط كل تلك الظلمات، ملتمسًا العلاج الروحي الأنجع، وتخبرنا سورة الأنبياء عن هذا المشهد في قول الله تعالى:
لقد أدرك في تلك اللحظة حقيقة افتقاره الكامل إلى الخالق القدير، وسلّم أمره إليه طالبًا النجاة من يأس النفس وضيق الظرف. وكانت هذه هي طريقته المثلى في مداواة قلقه وخوفه؛ ومثلما يقرر القرآن طبيعة الإنسان القلقة، فإنه يفتح دائمًا أبواب الشفاء والفرج.
تحديات القرن الحادي والعشرين
إن العبرة المستقاة من قصة يونس تتلخص في أن ما نعتبره اليوم مرض العصر الحديث هو في الواقع رفيق قديم للإنسانية على مر عصورها. ولعل الفارق الوحيد الذي يميز عصرنا الحالي هو الكثافة العالية والسرعة الهائلة التي ينتشر بها القلق بين سكان المعمورة، حتى إنه بات ينتقل بالعدوى!
إن العيش في عالم متسارع الخطى، تغذيه وسائل التواصل الاجتماعي وتعمق فيه الضغوط الاقتصادية المتقلبة والإفراط في التعرض للمثيرات الرقمية، جعل أعداد المصابين بالقلق تتضاعف بشكل غير مسبوق. ومن هنا، يكتسب التشخيص القرآني أهمية خاصة اليوم؛ فالداء هو الداء منذ الأزل، لكن واقعنا يتطلب منا اليوم إعادة اكتشاف الدواء الروحي وتفعيله.
المنهج العلاجي القرآني
لا يكتفي القرآن بتشخيص الداء وتسمية المشاعر، بل يقدم دليلًا عمليًا للشفاء النفسي والروحي، فبعد أن ذكر في سياق سورة المعارج الهلع (القلق) بوصفه لازمة إنسانية بحتة، يستطرد في نفس السورة محددا سبلا مضمونة لإزالة ذلك الشعور السلبي، فيقول:
ففي اتساق تام مع المنهج الذي اتبعه النبي يونس ، يوضح القرآن أن الذين يقيمون الصلاة ويعيشون حالة الافتقار الدائم إلى الله يدخلون حصنًا يَقيهم غوائل القلق.
إن هذا الاتصال الروحي يعين المرء على إدراك حقيقة كبرى، وهي أن ثمة أمورًا كثيرة في هذه الحياة تقع خارج حدود سيطرته البشرية، وأن السكينة الحقيقية لا تتحقق إلا بتفويض الأمر إلى الحكيم الخبير الذي بيده ملكوت كل شيء، مما يورث النفس طمأنينة بأن مصيرها في أيدٍ أمينة.
كما يتسع هذا المنهج العلاجي ليشمل السلوك الأخلاقي والاجتماعي؛ فالذين يحفظون فروجهم ويلتزمون بالعلاقات الإنسانية والشرعية النظيفة، يجنبون أنفسهم الاضطراب النفسي والقلق الناجم عن الخيانات أو الخوف من الأمراض السارية. والذين يرسخ في قلوبهم اليقين بيوم الحساب والبعث، يجدون في حياتهم معنى وأملًا ممتدًا، على النقيض تمامًا من تيارات العدمية والعبثية التي ترى أن الحياة مجرد رحلة بيولوجية تنتهي إلى العدم واللاشيء.
إن هذه التوجيهات الروحانية القرآنية تمثل صمامات أمان حقيقية تمنح التوازن للقلب المضطرب. فالقلق ليس مجرد عارض نفسي فحسب، بل هو قضية روحية بامتياز؛ حيث يظل القلب قلقًا ومتوترًا حتى يجد مرساه وسكينته في كنف الله تعالى وحضرته أَلَا بِذِكْرِ اللّٰهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(13)
إننا نعيش في عالم يموج بالتوتر والاضطراب والخوف الوجودي من الغد المجهول، حتى غدا القلق طابعًا وسمة مميزة لجيلنا المعاصر. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: ما الذي يمكن أن يقدّمه لنا هذا الكتاب الحكيم، الذي شخّص بدقة متناهية أصل النفس البشرية منذ قرون طويلة؟ وكيف نستلهم من هذا التشخيص علاجًا لواقعنا اليوم؟
اتخاذ العلاج اللازم هو أيضا من اللجوء إلى الله
إننا، خلال ما تقدَّم من طرح روحاني، لا ندعو بحال من الأحوال إلى إهمال العلاج النفسي الحديث أو التغاضي عن المنجزات الطبية؛ بل هو دعوة لتبني أسلوب تكاملي يجمع بين ممارسات الطب النفسي المعاصر والإرشاد الروحي الإسلامي، لتقديم نموذج علاجي متوازن وصامد أمام تقلبات الزمن، فإذا كنا قد علمنا سلفًا أن حال الاضطرار شرط لاستجابة الدعاء، فمن الاضطرار أن تنفد كافة وسائل المرء لبلوغ هدفه، ومن تلك الوسائل الأسباب المادية، وما لم يسلك الإنسان سبيل الأسباب المادية حتى يثبت له عدم جدواها فأنى يكون مضطرًّا إذن؟!(14)
إن القرآن يرسم لنا طريقًا بالنفس من وضع معاناة القلق المعطِّل إلى مرتبة الوعي اليقظ بالحاجة إلى الخالق والمسؤولية تجاه الخلق.
من اضطراب القلق إلى رحاب السكينة
في نهاية المطاف، يعلمنا القرآن الكريم أن القلق ليس نقصًا إنسانيًا تجب إبادته، بل هو «رسالة وإشارة» ذكية يجدر بنا فقه مراميها. إنه تذكير دائم بضعفنا البشري، وحاجتنا الفطرية للاتصال بـ «السلام» الذي يمنح الطمأنينة. وحين يتصالح الإنسان مع قلقه باعتباره جزءًا من طبيعته وليس سقطة أخلاقية، فإنه يمتلك الشجاعة الكافية ليجعل من هذا الشعور دافعًا للبحث والاقتراب من الله، بدلًا من الهروب والإنكار.
لذا، حين تشعر في المرات القادمة بضيق في صدرك وتسارع نبضات قلبك، توقف برهة واسأل نفسك: «بماذا يذكرني هذا الخوف؟ وإلى أي حمى ألتجئ؟» وتذكر دائمًا قصة يونس الذي أسلم قيادة أمره ونفسه إلى المتصرف الأوَّل والأحكم، الذي هو في الوقت ذاته مقلب القلوب ومثبتها، مستيقنًا أن الأقدار كلها تجري بحكمته. واتل قوله تعالى:
الهوامش:
1 – anxiety-disorders
2- The Quran’s diagnosis of anxiety, Al-Hakam magazine, 11th June 2026
3 – (المعارج: 20)
4 – المرتضى الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحت «هـ ل ع»
5 – (المعارج: 21-22)
6 – يُنظَر: القلق واضطراب القلق العام، صفحة الكلية الملكية للطب النفسي:
7 – Daniyal Mahmood Ahmad, Anxious souls…
8 – (الأَحقاف: 36)
9 – (هود: 37)
10 – (العنْكبوت: 34)
11 – (الأنبياء: 88)
12 – (المعارج: 23-36)
13 – (الرعد: 29)
14 – ماهية البركة في شهر بركات الدعاء، مجلة التقوى، عدد أبريل 2022م.
15 – (الفرقان: 78)