تربع الرذيلة فوق أنقاض الفضيلة

تربع الرذيلة فوق أنقاض الفضيلة

التحرير

معلوم أن المبادئ الأخلاقية السامية تُنظم العلاقات بين الأفراد والشعوب، ولا تخلو الثقافات منها في تراثها ومعتقداتها مع اختلاف ألسنتها وألوانها مما يجعل القيم الأخلاقية لغة مشتركة بين بني الإنسان تتفهمها العقول وتستوعبها الأفئدة دونما حاجة إلى ترجمان يشرحها أو يكشف كنهها للآخرين. فكل البشر يطلقون سِمَة الرحيم على ذلك الذي يترفق بالضعفاء، وسمة العادل على من ينصف المظلوم، وغير ذلك من سِمَاتٍ خيِّرةٍ محمودة نجد الناس قد توافقت نظرتهم في إطلاق هذه المسميات على من تنطبق عليه في الخصائص والمزايا والسلوك.

وقد يتساءل البعض كيف أمكن للبشر الإجماع على أن الرذائل مذمومة بالرغم من سقوط الكثيرين فيها!؟ إن مردّ ذلك هو خلق الله عز وجل الناس على صورته، بمعنى أنه أودع في فطرتهم قابلية واستعدادًا للانصباغ بصفات الخير والفضيلة والميل إليها فطريا، كما ذكر سيدنا محمد المصطفى : “خلق الله آدم على صورته”. ففي واقع الأمر إن سِرَّ توافق البشر في استحسان الفضيلة وذم الرذيلة بالإجماع الفكري هو هذا النظام الداخلي في النفس الإنسانية الذي أوجد فيه الله تعالى القدرة على الانصباغ بصبغته سبحانه وتعالى والاتصاف بصفاته التشبيهية التي لا يستطيع أحد التَّنصُّل منها زاعمًا أنه لا مقدرة له أن يتصف بالرحمة أو الشكر أو  السِّتر إلخ.. فكما أن الله جل جلاله رحمان ورحيم وشكور وستار.. كذلك بمقدور الإنسان من حيث الفطرة والسلوك أن يعمل بهذه الفضائل اتصافا بها. وهذا ما يؤكده الإسلام دين الفطرة، قال تعالى:

صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (البقرة: 139)

لقد شكك كثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع الغربيين في إمكانية توافق القيم والفضائل مع الفطرة الإنسانية زاعمين أنها قيود يتوجب نزعها وكسرها، وعللوا أفكارهم هذه بسفاسف كلامية ونظيرات واهية تحت ستار علم النفس وقناع علم الاجتماع!

إن هذا الأمر ليس من الغرابة أو الدهشة في شيء، فكثير من أساتذة الغرب المسيحي ينحون هذا المنحى ويتبنون هذه الآراء. ولمعرفة الباعث الحقيقي لهذه النظرية وجرثومة نموها يجدر بالقارئ اللبيب أن يعرف أن المسيحية هي أول من قالت بنظرية نجاسة الفطرة البشرية وتوارث الذنب! وهي ذاتها التي أصرت على مقولة استحالة خلاص الإنسان من المعصية بتعاليم الشريعة وأعمال البر والتوبة بل وزادت الطين بلة حينما اعتبرت شرائع الله المقدسة لعنة!!؟

إن عالم اليوم يعج بالآراء والتيارات والقوى التي ما انفكت تحارب الفضيلة بالرذيلة بمختلف الأدوات ساعية تحقيق نظرياتها الداعية إلى تحرر فكري وجنسي في إطار شعارات إشباع الحاجة، فكلنا يعرف كيف راجت هذه الدعوات وتعالت هذه الصيحات لتبشر الإنسانية بعصر جديد  تنمحي فيه القيم والأخلاق التي رسختها منظومة تعاليم السماء لتحل محلها قيم جديدة وطراز حياة مختلف يسود العالم في نظام أخلاقي عالمي جديد تتربع على عرشه الرذيلة فوق أنقاض الفضيلة!!؟

فحيثما ولينا وجوهنا حاصرتنا هذه الثقافة الجديدة عبر مختلف الوسائط لنجد انعكاساتها وآثارها السلبية قد غزت أجيالا صاعدة مسخت هويتها وشخصيتها الحضارية والثقافية والروحية بما نجم عنها من أسقام على المجتمع، وبانعدام التوعية والتوجيه والتربية الدينية الصحيحة داخل البيت وخارجه وعبر وسائل الإعلام المختلفة وللأسف الشديد فَقَدت كثير من المجتمعات العربية والإسلامية خصائصها الذاتية وخسرت جيلا كاملا كان حَريًا بها أن تحافظ عليه وتمنحه من سبل الوقاية والمناعة ما يقيه ويؤهله لفهم كيفية مواكبة الثورة المعلوماتية والثقافية الهائلة لهذا العصر مع التمسك بالقيم الأخلاقية والالتزامات الدينية التي لا غنى عنها ولا بديل. إننا نأسى لهذا الحال المزري الذي أصاب أخلاق الأمة وناشئتها، بالرغم من التنبيه القرآني العظيم الذي شدد على ضرورة اهتمام المسلمين بأخلاقياتهم وواجباتهم الروحية وصيانة مجتمعاتهم وأجيالهم من الانحراف وأنماط حياة وعادات غير إسلامية. إنه لمن دواعي الدهشة والحيرة أن نجد مجتمعاتنا المسلمة وهي على ما هي عليه من انسلاخ تام عن أدبيات الأخلاق المحمدية الغراء في حين لا يحرك المشرفون على صحة أخلاق الأمة ساكنا ولا يبدون أي اهتمام أو إحساس بالغيرة على كرامة سيد الأطهار سيدنا محمد المصطفى  الذي كانت بعثته إتماما لمكارم الأخلاق!

فهلموا يا معشر المسلمين إلى الصلاح لا إلى الطلاح وَاعْرِضوا أخلاقكم وتصرفاتكم على كتاب الله وسنة رسوله الكريم لِتَرَوْ ما أنتم عليه من سوء منقلب! وأيقنوا حق اليقين أن صلاحكم فيه صلاح العالم وفسادكم من فساده، فهلا درستم نهج المصطفى وكيف أحدث صلاحه ثورة في القلوب جعلت الأموات أحياء والعمي يبصرون! فاقتبسوا من ضياء المصطفى وأفيضوه!

فالبشرية أمام منـزلق أخلاقي خطير يهددها بفعل انعدام التناهي عن المنكر ومذاهب الرذيلة التي أخذت صفوفا متقدمة في مختلف الجبهات نتيجة سعي العالم وراء الماديات والمصالح والمكاسب دون أي التزام بضوابط القيم والمبادئ أو الحث عليها!؟ وقد لا يحتاج أحد منكم كثيرًا من التدليل أو سوق الحجج والبراهين على ما اعتدتم رؤيته وسماعه من أحوال العالم الاجتماعية والسياسية وهيئاته الأممية التي أسقطت أبسط قواعد الأخلاق ومبادئ العدل والنـزاهة من تعاملاتها وأسسها.

إن كرامة الإنسان في خطر ما دامت علاقات الأمم والدول يشوبها الظلم والشرك وانتهاك الحرمات بغية إلحاق الضرر والأذى أو منع الغذاء والدواء كوسيلة للضغط والابتزاز، وغير ذلك من مظاهر الظلم والقهر والعدوان. فالسبيل الأوحد الذي على الأمم العمل من أجله لدفع الشر هو محاربة الرذيلة بسلاح الفضيلة، فهي السلاح الوحيد الذي إن استخدمته الإنسانية بجد وإخلاص أمكنها تغيير العالم وهزم كل الشرور المنبعثة من الرذائل المستحكمة. فالمجال مفتوح للجميع، فمتى تسلحت الشعوب بهذا السلاح الأخلاقي الذي أوجد الله له قابلية في نفس كل إنسان شريطة تزكية القلوب من الشرور، أمكنها آنذاك النجاح والإقرار بأن رسالة الإسلام قد جاءت صدقا وحقا حينما جاء رسولها محمد المصطفى بهذه الحقيقة منذ أربعة عشر قرنا مفصحا عن مقاصد رسالته: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

Share via
تابعونا على الفايس بوك