هم يشككون.. وعند القرآن الجواب اليقين

هم يشككون.. وعند القرآن الجواب اليقين

الدكتور محمد نعيم الجابي

هل كان المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام) وحده كلمة الله وروحه؟

بقلم: محمد نعيم الجابي

يعتقد الكثير من الإخوة المسيحيين أن القرآن الكريم يخص السيد المسيح عليه السلام بمكانة مقدسة تفوق حتى مكانة سيد الرسل محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، ودليلهم في ذلك أن الآيات القرآنية تُصرّح بأن المسيح كان كلمة الله كما جاء في الآية القرآنية التالية من سورة آل عمران:

إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين (آل عمران: 46)

وهم لا يكتفون بذلك بل يقولون أن القرآن الكريم يقول أن المسيح عليه السلام كان روحاً من الله ودليلهم الآية القرآنية التالية من سورة النساء:

يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه (النساء: 172)

ولا يخفى أن بعض المسلمين الغافلين يقعون في حيرة من أمرهم وهم يقرأون تلك الآيات، وتجدهم يسقطون فريسة ذلك الوهم الذي يبثه من يجهل حقيقة المعاني السامية للقرآن الكريم الذي أنصف السيد المسيح ووضعه في مكانته الحقيقية.

في هذه المقالة سأحاول شرح كل من اللفظتين (كلمة) و (روح) وكيف يمكن أن نفهمهما على ضوء معطيات اللغة وموقعهما في سياق الآيات القرآنية وعلى ضوء النور الذي جاء به مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية.

كلمة الله

لو عدنا إلى قواميس اللغة العربية لوجدنا أن لفظ (كلمة) يحمل معاني عديدة منها على سبيل المثال: حكم، أمر.. وما على الباحث عن الحقيقة إلا أن ينظر إلى موقع ورود ذلك التعبير في سياق الآيات الكريمة حتى يقترب ويضع يده على معناه الصحيح. إن لفظ (كلمة) ورد في القرآن الكريم في مواضع عديدة، وكان في كل موضع يحمل دلالة مختلفة. تعالوا معاً نلقي ضوءاً على تلك الدلالات.

في الآية رقم 13 من سورة التحريم يقول تعالى: ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين . وفي تعبير (كلمات ربها) دلالة واضحة على أن المعنى هو (علامات ربها).

وإذا انتقلنا إلى الآية الكريمة رقم 8 من سورة الأنفال سنجد نفس معنى (العلامة أو الدلالة) حيث يقول تعالى:

وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين .

واستخدم لفظ (كلمة) بمعنى (عقاب) في الآية التالية رقم 97 من سورة يونس:

إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون .

وننتقل إلى الآية رقم 41 من سورة التوبة:

إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم .

ومن الملاحظ أن تعبير (كلمة الذين كفروا) هو كناية عن خطة الكفار للإيقاع بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصاحبه سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، وتعبير (كلمة الله) هو كناية عن التدبير الإلهي لإنقاذ رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم من أيدي هؤلاء الكفار.

ثم نجد تعبير (كلمة ربك) في الآية التالية رقم 138 من سورة الأعراف وهو يحمل معنى (الأنباء الجيدة المبشرة) حيث يقول تعالى:

وأورثنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون

وفي سورة الكهف الآية رقد 11 يقول تعالى:

قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا .

وهنا استُخدم تعبير (كلمات ربي) للحديث عن (خلق الله وإنذاراته وبشاراته) وكأنه سبحانه يقول إنكم إذا حولتم مياه أي بحر إلى مداد لتدوين ما احتوى عليه هذا الكتاب من معارف وإنذارات وبشارات متعلقة بجميع الأزمنة، فلن تكفيكم لتدوينها ولو جئتم بمثلها مداداً.

وأما في سورة المؤمنون فقد جاء في الآية رقم 101 قوله تعالى:

لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلاً إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون .

وإن تعبير (إنها كلمة هو قائلها) يفضي إلى معنى (الكلمة المجردة التي تخرج من الفم في موقف حزم).

تلك كانت استخدامات القرآن الحكيم للفظ (كلمة) ولعلنا نتفق بعد هذا العرض لتلك الاستخدامات على أن تحميل ذلك اللفظ عندما استُخدم في حق شخص السيد المسيح عليه السلام معاني قدسية خاصة.. هو من المبالغات وتحميل اللغة أكثر مما تحتمل، لأن السيد المسيح عليه السلام سمي (كلمة الله) تماماً كما سمي غيره (أسد الله) أو (سيف الله) ولو تدبرنا قليلاً في الطريقة التي ولد بها السيد المسيح عليه السلام لأدركنا سر إعطائه ذلك اللقب حيث أن ولادته لم تتم عن طريق تلاقح نطفة ذكرية مع بويضة أنثوية، بل تمت بأمر مباشر من الله تعالى، ولذلك كان لا بد أن يلقب بكلمة الله.

ولا نكتفي بذلك بل نقول إلى من يعتقدون بتميز مكانة السيد المسيح عليه السلام على مكانة سيد الرسل محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه في حين وصف السيد المسيح عليه السلام في القرآن الكريم بأنه (كلمة)، نجد أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد وصف بأنه (ذِكرٌ) وهو تعبير معناه (كتاب أو خطاب) والذي من الطبيعي أن يتألف من العديد من الكلمات فما قول أولئك المعترضين؟ ولا نكتفي بذلك.. بل نسأل من يعتقدون بتميز وتفاضل مكانة السيد المسيح عليه السلام على مكانة سيد الرسل محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم مستندين إلى القرآن الذي وصف المسيح بأنه (كلمة)، ومستدلين بكونه (كلمة) على أن له مقاماً خاصاً من القدسية.. فما رأيكم في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وصفه القرآن أيضاً بأنه (ذكر)؟ وهو تعبير معناه (كتاب أو خطاب)، ومن المعروف أن الكتاب أو الخطاب يحتوي على أعداد غفيرة وكثيرة من (الكلمات). فمن أولى بالتقديس والتبجيل والتعظيم.. من كان (كلمة) واحدة أو من كان (ذكراً) يحتوي على العديد من الكلمات؟ تُرى.. ما قول أولئك المعترضين؟!

روح الله

لننظر أولاً إلى دلالات كلمة (روح) في قواميس اللغة العربية. إن كلمة (روح) جاءت من (راح) أي أصبح هادئاً ومرتاحاً، وتعني كون الشخص مليئاً بالنشاط والحيوية، يقظاً ومتأهباً، وقد تعني الروح وتعني النفس أيضاً. وتتعدى كلمة روح كذلك إلى كل من المعاني التالية: الوحي الإلهي والإلهام، القرآن، الملاك، الفرح والسرور، الرحمة، كما جاء ذلك في موسوعة (موسوعة لين).

وجميع الدلالات السابقة لا تقودنا إلى أن تسمية السيد المسيح عليه السلام بأنه روح من الله تعني أنه يحظى بمكانة مقدسة كما يظن هؤلاء أن كلمة (روح) استخدمت أيضاً في القرآن الكريم عند الحديث عن آدم عليه السلام، وأكثر من ذلك أنها استخدمت في معرض الحديث عن البشر جميعهم، وإليكم الدليل من الآيات القرآنية التالية حيث يقول سبحانه وتعالى:

وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (الحجر: 29-30)

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (البقرة: 35)

ومن يتروّى في قراءة الآيات السابقة سيلاحظ أن رب العالمين أعطى أمر السجود للملائكة أولاً في حق البشر جميعاً ونحن منهم، وفي الآية الثانية نجد أن أمر السجود يتعلق بسيدنا آدم عليه السلام.

أي أن آدم عليه السلام هو ممثل لنا جميعاً وأن ما خصه به سبحانه وتعالى خصنا به أيضاً، وهذا يتفق مع المنطق القرآني حيث أن كلاً من الملائكة والوحي الإلهي قد سخّر لخدمة جميع بني البشر لأنهم الممثل الشرعي للإله على هذه الأرض وتتجلى فيهم صفات ذلك الإله الخالق.

ونستخلص من ذلك إلى أن معنى (ونفخت فيه من روحي) هو أنني قد زودته من عندي بالوحي والإلهام الذي سيقوده للتحلي بالصفات الإلهية والوصول إلى أعلى درجات القرب الإلهي.

وقد استخدم تعبير مماثل في سورة السجدة حيث يقول سبحانه:

الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين* ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين* ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون (8-9-10)

إن الروح تعني هنا النفس البشرية والوحي الإلهي (موسوعة لين)، وتشير الآية إلى أنه مع انتهاء وتكامل التطور الروحاني للإنسان، والذي يتم عبر اتباع طريق الإصلاح الروحي للنفس البشرية الذي تحدث عنه القرآن الكريم، فإنه يكون قد هيأ في ذاته الأرضية الصالحة لتلقي بشارات الوحي الإلهي.

وقد قرن سبحانه كلمة (القدس) بكلمة (روح) في الآية 111 من سورة المائدة التي تقول:

إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل..

لو أمعنا جيداً في أمر تعليم الله المسيح (الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) لما ترددنا في معرفة الطريق الذي تعلم عن طريقه السيد المسيح كل تلك العلوم.. وهو طريق الإلهام والوحي الإلهي، حيث تُسمى تلك العلوم علوماً لدنية، لأنها جاءت من لدنه سبحانه مباشرة، دون أن يلجأ المتلقي إلى وسائل أرضية. وكذلك عندما يقول سبحانه أنني أيدتك بروح القدس لا يمكن أن نتصور اختلاف هذا التأييد عن تأييد الله تعالى لجميع الرسل قبل السيد المسيح، والذي كان يأخذ شكل كلام إلهي ووحي وإلهامات تنصبّ جميعها في خانة تدعيم ثقة هذا الرسول بربه وبنفسه، وثباته أمام التحديات. فكلمة (القدس) جاءت من القداسة أي أن المصدر متعال عن الشوائب والسقطات، ويحمل الطهر والصدق ويهدي إلى طريق الحق. وعلينا هنا أن لا ننسى التهم الباطلة التي وجهت للمسيح ووالدته، والتي دحضها ربنا على لسان المسيح نفسه بعد أن أيده بالكلام الإلهي المقدس والإلهامات الصادقة.

والقرآن الكريم يتضمن الكثير من الآيات التي تصرح بأن كل إنسان يسعى في طريق القرب والعرفان الإلهي فإن الله تعالى يؤيده بروح منه.. أي تأييد وكلام إلهي يثبته ويقوي من عزيمته. يقول تعالى:

يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة (إبراهيم: 28)

قل نزله روح القدس من ربك بالحق لنثبت الذين آمنوا (النحل: 103)

إذ يوحي ربك للملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا (الأنفال: 13)

إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون* نزلاً من غفور رحيم (فصلت: 32)

ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ان أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (النحل: 3)

رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (غافر: 16)

وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا (الشورى: 53)

نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين (الشعراء: 193)

وفي ليلة القدر.. تنزل الملائكة والروح فيها (القدر: 5)

وقد أخذ الله تعالى على نفسه وعداً حيث قال: كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز وهذه الآية من سورة المجادلة تسبق قوله القاطع على تأييده تعالى لكل المؤمنين بروح منه، حيث يقول: لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (المجادلة: 23)

وإذا عدنا إلى الآية رقم 172 من سورة النساء والتي تقول:

يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه..

لما كان من العسير علينا أن نفهم معنى التعبير (روح منه) الذي استخدم في حق السيد المسيح عليه السلام في ضوء الدلالات التي استعرضناها، حيث أن رب العالمين هنا يبين أنه دعم موقف السيد المسيح وأمه بالتأييد الإلهي لصد الهجمات الشرسة والتهم الباطلة التي كانا يتعرضان إليها من قبل اليهود. كذلك فإن الآية تنفي تهمة التثليث أو الثالوث (الأب، الابن، وروح القدس) التي أُلصقت بالسيد المسيح وأمه مريم الصديقة، وهما لم يكونا سوى خادمين للإله ولا يشاركانه أبداً الألوهية.

ونستخلص من آيات القرآن الكريم أن (الروح) قد نُفخ في آدم، ونفخ في البشر، ونفخ في مريم، وأن المسيح كان مؤيداً به، وأن المؤمنين يؤيَّدون به، وأنه يُلقى وأنه يُنزل على من يشاء الله من عباده، وأنه أرسل إلى مريم فتمثل لها بشراً سوياً، وأنه أوحي إلى رسول الله، وأنه أنزل القرآن، وأنه نزل على قلب رسول الله، وأنه يتنزل على المؤمنين في ليلة القدر، فأي خصوصية للسيد المسيح يحتج بها هؤلاء الذين يزعمون أن القرآن قد أعطى قداسة خاصة للمسيح بكونه روحاً منه؟

أرجو أن تكون كلمات هذه المقالة قد ألقت الضوء على الحالة المشوهة التي يحاول البعض من الناس إسقاطها على دلالات ومعاني الآيات القرآنية. ونحن هنا لا نكذّب أحداً دون دليل، بل نوضح لهم من قواميس اللغة ومن آيات القرآن الكريم التي تفسر بعضها البعض أن السيد المسيح لم يكن سوى نبي كريم ومكرم، وكان من بين البشر كغيره من الأنبياء عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، وأن أمه كانت بغير شك تلك المرأة الفاضلة الصديقة المؤمنة الصالحة، ونحن بكليهما من المؤمنين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك