مَاذَا بَعْدَ مُرُوْرِ شَهْرِ صِيَامِنَا؟

التحرير

  • ساد الظلام عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم
  • يتحقق نصر الله للمؤمنين لدى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم والمسيح الموعود عليه السلام
  • ستغلب الجماعة الأحمدية على القلوب

غالبا ما يربط الإنسان أفراحه وأتراحه بمناسبات معينة، ويعمل جادًا على أن يتناسى تلك اللحظات المأساوية في حياته ويتفادى إحياء ذكراها. أما المناسبات السعيدة فنجده ينتظر بكل شغف حلول موعد مرور حول عليها ليحييها ويتنعم بذكراها. وهكذا وجدت الأعياد طريقها إلى سجل عادات وتقاليد الإنسان.
وتنطبق هذه القاعدة على المرء المسلم حيث يعتبر يوم عيده -وفي سياق حديثنا عيد الفطر- يومًا يختلف عن باقي الأيام لأنه يتمتع خلاله بثمرة تضحياته وينعم بنفحات دخول الفرح والبهجة على قلبه. ولا شك أنه لا قيمة للعيد بدون رحمة وتسامح، وليس للعيد نفحة بلا وحدة ولحمة. فغاية العيد المثلى أن نعيش تلاحما في سبيل إشاعة الرحمة في المجتمع حتى ننعم ببـركات دعوة النبي الذي أُرسل رحمة للعالمين.
وغالبا ما يُسمع من على المنابر صدى استنـزال مطر الاستغاثة والرحمة على الأمة، ولكن بدون جدوى حيث نرى أنه بمطلع العيد التالي تزداد حالة الأمة سوءا على سوء. وهذا هو المناخ السائد لدى أغلبية المسلمين. وبداهة يبدو أن هنالك عُطلاً كبيرًا في آليات استنزال رحمة الله حيث إن العائق دون نزولها يتمثل في الفساد المنتشر على نطاق شاسع وتبخر الثقة في كمال وفعالية صفات الله عز وجل كما تبينه الآية الكريمة:

وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (1) .

أما أبناء جماعة المؤمنين الذين عقدوا الصلح مع ربهم فلهم نظرة أشمل وأدق للعيد حيث إن الابتلاءات التي يمرون بها هي بمثابة ليلة القدر التي تسبق أفراح العيد. ولا شك أن هذه الليلة بلغت ذروتها قُبيل بعثة خادم المصطفى . إنها ليلة ينال فيها المؤمن قبولاً لدى الحضرة الأحدية ويهتز لها عرش الرحمان، ثم لا يأتي بعدها عيد واحد فحسب بل تتبعها سلسلة من الأعياد. إن حالة العسر التي يشهدها أبناء جماعتنا في دول عديدة بما فيها العربية، ما كان لها أن تطول أو تدوم إذ تحمل بين طياتها بشائر اليُسر والفتوحات. فأبناؤها يستعينون بالصبر والصلاة ويجعلون من آلام الاضطهادات والانتهاكات التي يتعرضون لها مدعاة لنـزول أفضال الله.
ولا شك أن أعظم فرحة تتطلع لها جماعة المؤمنين هي الفرحة بنصر الله كما بين القرآن الكريم:

وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ الله يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (2)

وقد قُرنت هذه الفرحة بنصر الله وذلك بظهور الحق على الباطل أي ظهور صدق الدين الحنيف على سائر الأديان. ولقد اتفق معظم علماء الأمة أن التجلي التام والكامل لنصر الله للمؤمنين سيتحقق لدى بعثة خادم المصطفى المسيح الموعود . ولكننا نختلف مع أصحاب الفكر التقليدي في الجزئيات والآليات لتحقيق هذا النبأ العظيم. فنحن على يقين تام بأن التعاليم الإسلامية التي أرجعها المسيح الموعود إلى صورتها الأصلية ستسود العالم في نهاية المطاف، إلا أنها ستسود بالحب والرأفة وليس بفرض الهيمنة والسلطان وبقتل الأبرياء وسفك الدماء وإرهاب الناس، وليس بالسيطرة على مناصب الحكم ولا بالتآمر والتحالف، بل بالإخلاص سنقيم ملكوت الله تعالى. وسيتحقق هذا الأمر بغزو القلوب الطاهرة وإرشادها لسبيل الفرار إلى الله.. تلك القلوب هي مملكتنا وهي حكومتنا. إن هدفنا أن نهدي لكل بلد مواطنين مسالمين مخلصين محبين لبلدهم ولدينهم، ولا نطمح ولا نطمع في الحصول على مناصب أو ألقاب. فهذا هو هدفنا وهذا هو مبتغانا وهذا هو عيدنا، وفي هذا المناخ ستنتشر دعوة الحق وفي ظله سيظهر الدين على سائر الأديان.

… تعانق فرحتنا بالعيد إيماننا بتحقق وعد الله ورسوله، لينقشع بأنوار اليقين في قلوبنا كل ظلام نسجه اليأس. …. وما أجمل أن تكون هذه الأيام جسر عبور لنا من عالم العسر إلى عالم اليسر والفتح المبين!

عزيزي القارئ، ما أحوجنا ونحن نستقبل العيد أن نبث روح الأمل في النفوس! وخصوصا الشباب المسلم التائه الفاقد الأمل الذي خبا في قلبه اليقين بوجود الله وبالتالي ارتفعت لديه نسبة الانتحارات. وما أجمل أن تعانق فرحتنا بالعيد إيماننا بتحقق وعد الله ورسوله! لينقشع بأنوار اليقين في قلوبنا كل ظلام نسجه اليأس. وما أروع أن نتذكر بفرحتنا بالعيد فرحتنا بعز الدين وظهوره على سائر الأديان! وما أجمل أن نجعل من كل تضحياتنا بكل غال ونفيس ينبوعا يسقي شجرة الإسلام! وما أجمل أن تكون هذه الأيام جسر عبور لنا من عالم العسر إلى عالم اليسر والفتح المبين! وجدير بنا أن نتذكر في هذا المقام أن أعظم شهادة من سيدنا محمد المصطفى تصديقا لخادمه سيدنا أحمد ظهرت في حياته قُبيل العيد وتحديدا في شهر رمضان حيث انكسفت الشمس والقمر في نفس الشهر فكانتا علامة على اقتراب ساعة ظهور دين محمد على سائر الأديان وما أروع ما نظمه سيدنا مرزا غلام أحمد بهذا الخصوص:

الْيَوْمَ بَعْدَ مُرُوْرِ شَهْرِ صِيَامِنَا
عِيْـدٌ لأقْــوَامٍ لَنَـــا عِـيْــدَانِ

فعامة المسلمين يحتفلون بعيد واحد بعد شهر الصيام أما نحن فنحتفل بعيدين كما لا يخفى على المتبصرين. ففي كل عام نستقبل عيد الفطر نستقبل في نفس الوقت سجلا جديدا من الفتوحات والإنعامات. وما كان لنا أن نحظى بهذا الشرف العظيم بدون التضحيات التي يقدمها أبناء الجماعة وأعظمها دماء أبنائها الشهداء الذين يُقتلون فقط بسبب إعلانهم رَبُّنَا الله (3).
والحق والحق نقول إن للعيد في الجماعة الإسلامية الأحمدية أبعادًا لم يشهدها إلا صحابة النبي الكريم ومن بعده خلفاؤه الكرام ومن اتبعوهم بإحسان. وهكذا تقرر في قدر الله أن يُعيد الآخرون سيرة الأولين.

ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ (4)

هدانا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وجعلنا من الخدام المخلصين لدينه الحنيف، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

1. الأعراف 56
2. الروم 5 و6
3. فصلت 31
4. الجمعة 5