مع هموم مالك الحزين

ضيف ثقيل الظل 

جاءني (مالك الحزين ) في إحدى الأمسيات متجهمًا وفي الحال أدركت أن وراءه قصة فصنعت له كوبًا من الشاي هدّأه قليلاً حتى أخذ يحدثني بما وراءه :* زارني قريب لي لا أحب زيارته لأنه ينتهز الفرص كي يغيظني بأسئلته …تصور أنه يعتقد بأن القران الكريم والعياذ بالله لا يساوي ما بين الذكر والأنثى بدليل أن القرآن يوجب على الذكر دفع مهر للأنثى وأنه يأمرها بضرورة لزوم المنزل حتى يترك للذكر حرية التصرف والزواج من أكثر من امرأة وو…

– على رسلك يا مالك وأخبرني … هل يعتقد ضيفك بأن القرآن يقول ذلك أم أنه يتحدث عن واقع مسلمي الحاضر؟

– أظنه قال … إن الاسلام يقول بذلك …

– إنه يخلط هنا ما بين ما يعتقد به المسلمون المتطرفون وما بين ما جاء به القرآن الكريم يقرر دومًا مبدأ إنسانية الرجل والمرأة ومساواتهما على صعيد الإنسانية عندما خاطبهما بلفظ الناس في سورة الحجرات بقوله:

  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات: 14)

 وقد قرر عز وعلا في هذه الآية مبدأ اختلاف التركيب العضوي للذكر من التركيب العضوي للمرأة من حيث عملية الخلق في قوله:

إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى

– وماذا عن واجب الذكر في دفع المهر للأنثى؟

-إن بناء عِش الزوجية هو مسؤولية مالية قبل كل شيء لأن المال عَصّب كل حاجة مادية فالرجل هو زارع هذه الأسرة فهو العامل المؤثر وهو المكلف بالجهد والعناء وسد المطلب المالي. في حين أن المرأة متأثرة وهي مزرعة الرجل ومهمتها إنجاب الأولاد والتي تتطلب جهدًا عظيمًا يوازي جهد الرجل الجسماني العظيم لتأمين نفقات الأسرة، ولذلك نجد أن المعادلة متوازنة.

ثم إن المهر منه المقدم ومنه المؤجل. فالمقدم في حقيقته، بداية تأسيس عِش الزوجية والمؤجل منه للتوقعات ‏‫المستقبلية. ولما كان عِش الزوجية أشبه بمؤسسة صغيرة، فقد ترتبت إدارتها ومسؤولية ذلك على الجانبين:

على الرجل بكونه القوام في الإدارة والتوجيه والتخطيط، وهو ما يفيده لفظ (القوام) ولا تعني القومية بالطبع امتناع التشاور بين الزوجين، بل لا بد من تشاورهما. والكلمة في حال الخلاف إنما هي للقوام. فالقوامية إذن (حاجة) تقتضيها إدارة هذه المؤسسة الزوجية وحسب، ولا تعني بحال من الأحوال عدم المساواة بين هاتين الدعامتين. وإلى هذه الناحية، ورد قوله تعالى في سورة البقرة:

وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي علَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (البقرة: 229)

فالدرجة هنا، إشارة إلى القوامية، بقرينة قوله:

وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة: 229)

ولا تشير الدرجة هنا إلى دونية المرأة في مواجهة الرجل. فمزاولة الرجل ما تستلزمه هذه الدرجة، أو القوامية إنما يكون (بالمعروف)، لا بالتسلط إذ لا بد لكل مؤسسة من مدير. وصلاحية الإدارة لا تعني صلاحية الحكم فلا تسير سفينة بربانيين.

– ولكن معظم الرجال يفهمون من كلمة (قوام) الأفضلية والتمييز؟

– لغة الضاد تكذّب هذا الاعتقاد ففي اللغة تقول قام بأمر: تولاه. وقام عليه: خرج عليه وراقبه. وقام على أهله: قام بشأنهم. (محيط المحيط). فالقوام هو الذي ينفق على عياله ويراقبها ويرعاهم وما دام الزوج قد تكفل بالإنفاق، فهو مكلف بالإشراف والمراقبة أيضًا، ولكن بالتشاور في كل أمر من الأمور الهامة مع رفيقة حياته. خصوصًا وأن عِش الزوجية إنما قام على عقد تراض بينهما.

– أحس الآن أنني قد فقدت ميزة القوامية.

– بل أنت الآن قد قومت قواميتك فاذهب واشكر ضيفك ثقيل الظل.

Share via
تابعونا على الفايس بوك