كيف ستشرق الشمس من مغربها؟!

كيف ستشرق الشمس من مغربها؟!

عبد القادر مدلل

كاتب
  • علامات الساعة الصغرى والكبرى.
  • المفهوم الحقيقي لعلامات الساعة.
  • إشكالات الفهم الظاهري لعلامات الساعة.
  • معجزة تحقق نبوءات الرسول صلى الله عليه وسلم بعد 1400 عام.

__

أذكر عندما كنت صغيرًا، أتعلّم في المدرسة علامات الساعة الكبرى والصغرى، التي تظهر قبيل قيام الساعة كانت تنتابني مشاعر الخوف والاضطراب إلى درجة أنّها كانت تدفعني للنظر إلى شمس الصباح من جهة الغرب، فلعلّها تشرق من هناك ولعلّ القيامة أصبحت قاب قوسين أو أدنى. وأتساءل الآن: إذا كان للقيامة علامات بهذا الكمّ وبهذا الوضوح فكيف يذكر القرآن الكريم أنّها تأتي بغتة؟!حيث يقول تعالى:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا… لا تَأْتِيكُمْ إلّا بَغْتَةً ؛

أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ؛

هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ .

الحقيقة أنّ علامات الساعة جاءت بحلّة الاستعارات، ولم تأتِ على الظاهر،كما يؤمن أصحاب المدرسة الظاهريّة، الذين يأخذون بحرفيّة النصّ، وكأنّ التأويل أمر بدعيّ لم يقل به القرآن، ولم يأخذ به الأوّلون والآخرون.
ولا يعني هذا أنّنا لا نأخذ بظاهر النصّ إذا كان النصّ لا يحتمل التأويل، ولكن بالنسبة إلى علامات الساعة فواضح أنّها ليست على حقيقة ظاهرها، وإلّا فما معنى، مثلًا، أنّ دابّة تخرج من الأرض وتحدّث الناس؟ أو أنّ ملياراتٍ من البشر يختفون خلف سدّ منذ مئات السنين وحتى الآن؟ أو أنّ هناك شخصًا مخيفًا مختفيًا في مكان مجهول، سيظهر فجأة ليثير الفتن ويدبّ الرعب في العالم، ويدخل بيوت الناس بيتًا بيتًا و…؟
إنّ الفهم أنّ الشمس المادّيّة ستشرق من الغرب، وعندها لن تُقبل التوبة، فيه إشكالات عدّة:
أوّلًا: يعني ذلك أنّ الأرض ستعكس اتجاه دورانها حول نفسها، لتدور من الشرق إلى الغرب، وحتى يحدث ذلك لابدّ أن تتوقّف عن الدوران حول نفسها، وهذا –إنْ حدث – فإنّه سيؤدّي إلى انتهاء جميع أشكال الحياة على هذه الأرض فورًا، حتى لا تعود الأرض صالحة للحياة. فمن المعلوم أنّ الأرض تدور حول نفسها بسرعة 1,670كم/ساعة، حيث يؤدّي توقّفها إلى تطاير البشر كالرصاص، وبهذه السرعة الكبيرة، تقريبًا. كما سيؤدّي إلى تطاير الغلاف الغازيّ الذي فيه الأكسجين، وسيتلاشى المجال المغناطيسيّ الأرضيّ، ذلك الدرع الواقي من الجرعات الإشعاعية الشمسية القاتلة. كما ستغمر مياه فيضانات البحار والمحيطات اليابسة، وسيتعرّض الغلاف الصخريّ لضربات الصُّهارة/ المُهْل/ الماغما السائلة من أسفله، ما قد يؤدّي إلى تفجّره أو إلى حدوث زلازل وبراكين مخيفة. كما سيختلّ طول الليل والنهار، ما سيؤدّي إلى دمار النظام البيئي والحيوي.
وباختصار، لن يفنى البشر فحسب، بل ستنتهي كل أشكال الحياة على هذه الأرض، وستدمّر الأرض نفسها. فحسب التفسير التقليديّ الظاهريّ، يبدو أنّ القيامة ستقوم قبل طلوع الشمس من مغربها، حيث لا يبقى أحد على هذه الأرض حيًّا حتى نقول له: ’’لا تُقبل توبتك‘‘.

وباختصار، لن يفنى البشر فحسب، بل ستنتهي كل أشكال الحياة على هذه الأرض، وستدمّر الأرض نفسها. فحسب التفسير التقليديّ الظاهريّ–يبدو أنّ القيامة ستقوم قبل طلوع الشمس من مغربها،حيث لا يبقى أحد على هذه الأرض حيًّا حتى نقول له: «لا تُقبل توبتك».

ثانيًا: لو كانت علامات القيامة بهذا الوضوح،حيث سنستيقظ في يوم من الأيام على شروق الشمس من البحر المتوسط مثلًا، فمن ذا الذي لا يؤمن ولا يتوب بعد هذه العلامة الحسّيّة الدامغة؟ وهل سيشكّ أحد في قيام الساعة؟ وهل سيبقى كافر على كفره؟ أو عاصٍ على معصيته؟ أو ملحد على إلحاده؟ كلّا وألف كلّا… بل سيخرّ الجميع سجّدًا لله ربّ العالمين، وسيؤمن الناس أجمعون.
وإذا كان الأمر كذلك، حيث سيؤمن الناس جميعًا بعد ظهور هذه العلامة الحسّيّة، فكيف، إذًا، ستقوم الساعة على شرار الناس كما ورد في الأحاديث النبوية الشريفة؟ يقول المسيح الموعود :

’’…فكيف يمكن أن يبقى كافر على وجه الأرض بعد رؤية هذه الآيات العظيمة، أو يبقى شكّ في الله وفي يوم الساعة؟ فإنّ العلوم الحسّيّة البدهيّة شيء يقبله كافر ومؤمن، ولا يختلف فيه أحد من الذين أُعطوا قوى الإنسانية؛ مثلًا، إذا كان النهار موجودًا والشمس طالعة والناس مستيقظون فلا يُنكره أحد من الكافرين والمؤمنين. فكذلك إذا رُفعت الحجب كلّها، وتواترت الشهادات، وتظاهرت الآيات، وظهرت المخفيّات، وتنزّلت الملائكة، وسُمعتْ أصوات السماء، فأيّ تفاوُت بقي بين تلك الأيام وبين يوم القيامة، وأيّ مفرّ بقي للمنكرين؟ فلزم من ذلك أن يُسلِم الكفار كلّهم في تلك الأيام، ولا يبقى لهم شكّ في الساعة؛ ولكن القرآن قد قال غير مرّة إنّ الكفار يبقون على كفرهم إلى يوم القيامة، ويبقون في مِريتهم وشكّهم في الساعة حتى تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون.‘‘ (حمامة البشرى)

أمّا وقد جاء الحَكم العدل فقد أزيلت كلّ الإشكالات، ولم يبقَ هناك تناقض؛ فطلوع الشمس من مغربها يعني أنّ الإسلام سيشرق من الغرب كما أشرق من الشرق، ولا غرو من استخدام الشمس المجازية في حديث الرسول ؛ فقد استخدم القرآن الكريم بالمثل لفظَي ’’النور والضياء‘‘ المجازيّين ليشيرا إلى الإسلام، كما استخدم لفظ ’’الظُّلمات‘‘ لتشير إلى الكفر، وسمّى الرسول صلّى الله عليه وسلّم ’’السراج المنير‘‘. يقول المسيح الموعود :

’’وأمّا طلوع الشمس من مغربها، فنؤمن به، أيضًا؛ وقد كُشف عليّ في الرؤيا أنّ طلوع الشمس من المغرب يعني أنّ البلاد الغربية التي تسودها ظلمة الكفر والضلال من القِدم ستُنوَّر بشمس الصدق والحقّ، وستُعطَى نصيبًا من الإسلام.‘ (فتح الإسلام، توضيح المرام، إزالة الأوهام/ الجزء 1)

هذا وهناك إشكاليّة ثالثة نشأت عن الأخذ بالمعنى الظاهريّ لطلوع الشمس من مغربها، تتعلّق بإغلاق باب التوبة في ذلك الوقت؛ فهم بهذا الفهم يعطّلون صفة الرحمة الإلهيّة،كما أنّهم يُعلنون أنّه لا فائدة من الإيمان بالمسيح الذي سينـزل في زمن إغلاق باب التوبة. يقول المسيح الموعود :

’’إنّ إغلاق باب التوبة لا يعني أنّ التوبة لن تُقبل بحال من الأحوال. بل المراد أنّه عندما يدخل أهل بلاد الغرب في الإسلام أفواجًا، يحدث في الأديان انقلاب عظيم، وحين تطلع هذه الشمس في بلاد الغرب بوجه كامل لن يُحرم من الإسلام إلّا الذين سُدّ عليهم باب التوبة؛ أي الذين لا تتلاءم طبائعهم مع الإسلام، أبدًا. فإنّ إغلاق باب التوبة لا يعني أنّ الناس سيتوبون ولن تُقبَل توبتهم، ويبكون خشوعًا وتضرّعًا ولكنّهم سيُطردون، لأنّ ذلك يتنافى مع رحمة الله الرحيم والكريم في هذه الدنيا؛ بل المعنى أنّ قلوبهم ستصبح قاسية ولن يوفَّقوا للتوبة، وعلى هؤلاء الأشرار ستقوم القيامة، فتفكَّر وتدبَّر.‘‘ (فتح الإسلام– توضيح المرام – إزالة الأوهام/ الجزء 1)

إنّ هذا التفسير الجميل الذي قدّمه حضرته لعلامات الساعة ولهذه العلامة: ’’طلوع الشمس من مغربها‘‘ يُظهر معجزة أخرى للنبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم؛ بتحقّق هذه النبوءات بعد أن مضى عليها أكثر من 1400 عام، كما يُظهر تجلّيًا عظيمًا في عصر العلم والتكنولوجيا. ولولا الحَكم العدل لأصبح الدين أضحوكة، ولشُطبت مئات الأحاديث الصحيحة التي تتحدّث عن علامات الساعة،لأنّ العقلاء سيرفضون التفسير الظاهريّ الخرافيّ لها، في الوقت الذي أخفق كلّ من حاول تفسيرها تفسيرًا عقليًّا، ليبقى التفسير الحقيقيّ لهذه النبوءات الغيبيّة بيد الله، يُطلع عليه من يشاء من عباده،كما أطلع مؤسّس الجماعة الإسلامية الأحمدية عليه.

Share via
تابعونا على الفايس بوك