• ما أصل تسمية “الحرب الباردة”؟
  • وكيف أن العالم ما زال يتجرع مرارتها إلى الآن؟
  • الحرب في سوريا حربٌ “جيوسياسية”.
  • درعنا الواقي في خضم الظروف الحالية هو الدعاء لا غيره.

طالما طرق الأسماع والأذهان مصطلح «الحرب الباردة»، الذي شاع تداوله منذ منتصف الأربعينيات حتى أوائل التسعينيات من القرن العشرين، لوصف حال التوتر والصراع الناشب بين الولايات المتحدة وما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي إبان تلك الفترة العصيبة. ومما كان يميز فترة الحرب الباردة تلك أنها اكتسبت هذا الوصف بسبب عدم تلاقي الطرفين المُتشاكسَين وجها لوجه، فقد كانت حربا بالوكالة، وقودها شعوب الدول النامية المتناحرة فيما بينها دعما لمصالح نافخي الكير الممثَّلين في قطبي القوى العالمية في ذلك الوقت. لنا الآن أن نتأمل كيف أن الحرب الباردة لم تعد كذلك، لاسيما بعد أن كادت المواجهة المحمومة بين قطبي القوى العالمية في سوريا أن تقع، بل وقعت بالفعل، لقد تراءى يأجوج ومأجوج وجها لوجه للمرة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية في ميدان واحد، وبعد أن كانت المناوشات بينهما تتم بالوكالة طيلة حقبة الحرب الباردة الغابرة، وما زالت بالطبع، تواجه الفريقان، كلٌّ لدعم معسكره ورعاية مصالحه القومية، فأمريكا تدعم المتمردين على النظام الحاكم لأسباب شتى عسكرية واقتصادية، وروسيا تساند النظام الحاكم للإبقاء على نقطة نفوذ في المنطقة المتكدسة بالقواعد العسكرية الأمريكية.

الحرب إذن في سوريا حرب «جيوسياسية» بكل المقاييس، وهذا الفرع من علم السياسة المعاصرة يتناول في المقام الأول حجم تأثير المناطق الجغرافية، برها وبحرها ومرتفعاتها وثرواتها وموقعها، على المسار السياسي للدول التي تضطر إلى رسم سياستها في إطار رصد إمكانيات الاستفادة من هذه المميزات بشكلٍ استراتيجي، ويُطلق على خطط الدول التي تهدف إلى السيطرة على مناطق جغرافية وفق منظور مستقبلي طويل الأمد بالخطط «الجيو استراتيجية». فالحرب المشهودة حاليا، إذا ما أردنا تقريب فهم أسبابها الوقحة إلى الأطفال والناشئة، هي بتعبير أبسط حرب لأجل الغذاء ومناطق النفوذ، وتلك حالة حيوانية نراها تتكرر دوما في عالم الحيوان وحياة الغابات، فالأحداث الجارية أبلغ دليل على أن البشرية ما زالت تحمل آثارا من بقايا الهمجية في جيناتها..

لا شك أن سعي الأفراد والدول لطلب الرزق بكافة صوره أمر محمود، لا سيما وأن الخالق العظيم قد ضمن سلفا لكل مخلوق رزقه، بل وأمر بالمشي في مناكب الأرض لتحصيله، المذموم في الأمر أن يتقاطع رزق أحد مع أرزاق الآخرين، أو تتعارض حريته مع حرياتهم. وتعارض الأرزاق والمصالح إنما منشؤه هجر التعليم الحكيم القائل:

يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ،

فحين بلغ طلب الرزق مبلغ الإسراف نشأت المجاعات، وبالتالي نشبت على إثرها الحروب. إن الإنسان كائن يصيد أكثر مما يأكل معتديا بفعله هذا على حاجات الآخرين، حتى إن ثمة حكمة تقول: «ما زاد عن حاجة شخص هو في الحقيقة حاجة شخص آخر».وفي خضم تلك الأحداث الملتهبة والمتسارعة بشكل لم يسبق له مثيل، نرى الجماعة الإسلامية الأحمدية ممثلة في الخلافة الحقة الراشدة على منهاج النبوة، لا تزال تضطلع بمسؤولية حفظ السلام العالمي بتحذير زعماء العالم من تبعات ما يجري، ثم بالدعاء لخلاص العالم، وسعيها في هذا السبيل لا يجحده عاقل. وطالما نرى سيدنا خليفة المسيح وإمام الوقت يحذِّر رجالات السياسة والحكومات الكبار وصنَّاع القرار. ولقد سمعنا حضرته مرارا يذكر أن هؤلاء الزعماء ورجال السياسة يبدون انطباعاتهم الإيجابية عما يقول حضرته في دعوته إلى السلام العالمي، وأنَّ رسالة حضرته هذه جاءت في وقتها تماما، ولكن سرعان ما يتغير الحال عندما يأتي وقت العمل بما يقول حضرته، إذ تتغير أولويات القوى الكبرى، وتبدو تلك القوى كمن يستمع القول بأُذُن من طين وأُذُن من عجين. فمثلا، تلويح ترامب الأخير بشن حرب على إيران ليس دافعه سعي الأخيرة لحيازة أسلحة نووية، فهي تسعى منذ زمن طويل دون أن يَجِدَّ جديد، إنما دافع ترامب الحقيقي وراء تصريحاته المعادية هو ضلوع إيران بشكل كبير في أحداث سوريا ومساندتها المعهودة لميليشيا حزب الله في لبنان، الأمر الذي من شأنه تهديد أمن طفل أمريكا المدلل، أي إسرائيل، إضافة إلى أسباب أخرى أكثرها اقتصادي متعلق بسوريا أيضا..

هؤلاء الزعماء ورجال السياسة يبدون انطباعاتهم الإيجابية عما يقول حضرته في دعوته إلى السلام العالمي، وأنَّ رسالة حضرته هذه جاءت في وقتها تماما، ولكن سرعان ما يتغير الحال عندما يأتي وقت العمل بما يقول حضرته، إذ تتغير أولويات القوى الكبرى، وتبدو تلك القوى كمن يستمع القول بأُذُن من طين وأُذُن من عجين.

وفي إحدى خطابات حضرة أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) التي تناول فيها معضلة السلام العالمي، والمنشورة فيما بعد في كتيب بعنوان «إنقاذ العالم من الدمار» تطرق حضرته إلى النبوءة التي نعرفها كمسلمين أحمديين بـنبوءة «بلاء دمشق»، بشكل يسترعي النظر إلى ذلك الإلهام من زاوية أوسع.. فحين أنبأ سيدنا المسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام) ببلاء دمشق في التاسع من إبريل عام 1907م لم يكن الإلهام المتضمن للنبوءة مجرد إنباء بأمر مستقبلي فحسب، بل بأمر أخذ يتكرر وقوعه مرارا جراء نبذ دعوى المبعوث السماوي ظهريًّا، وهو من أرسله الله تعالى لإحياء السلام البائد، حينذاك لم تكن حتى الحرب العالمية الأولى قد نشبت نيرانها بعد.. وجدير بالذكر أن العالم منذ بعثة المسيح الموعود لم تهدأ نيران حروبه المضطرمة، بدءا من الحرب العالمية الأولى ومرورا بالحرب العالمية الثانية، والتي لم تكد تنتهي حتى عم العالم سلام زائف ممثلا في حرب باردة أعظم أثرا وأفدح خطرا، حتى إننا لا نتجاوز السداد لو قلنا أن وضع العالم الحالي هو من نتائج ما خلفته تلك الحرب الباردة.

قارئ التقوى العزيز، مع هذه الحال، ونحن على أعتاب فصل الصيف الذي يحل في شهر يونيو/ حزيران الجاري فإن أخشى ما نخشاه أن يصاحب حرارةَ القيظ حرُّ الحرب، حين لا يرتدع الحمقى الضِّخام عن طيش يكاد يودي بالبيت الإنساني الكبير. العجيب في أمر الفتن الراهنة أنها اتخذت لها بلادَ الشام بؤرة للنار، لذا فقد أدرجنا في هذا العدد خطبة لحضرة خليفة المسيح، عُني حضرته فيها بالحديث عن أزمة السلام الراهنة وعلاقتها بـ «بلاء دمشق» ودعانا والحال كهذه إلى الانهماك في الدعاء ليقي الله تعالى العالم من شرور أشراره، وكذلك يرد كيد أعداء الإسلام في نحور الكائدين. نسأل الله تعالى السلامة، والانتفاع من بركات دعاء حضرته في الدنيا والدين، اللهم آمين.