"رب كل شيء خادمك".. كرة القدم في خدمة الدين

“رب كل شيء خادمك”.. كرة القدم في خدمة الدين

الداعية مستنصر قمر

  • دور الخلافة ووصايا الخليفة في إنارة الطريق.
  • الفوز في المباريات بتسجيل الأهداف، وبأشياء أخرى!
  • الصدق في النية والفعل ركيز العمل المثاب عليه.

__

من الخَلْق من يُثاب على الأكلة يأكلها، ومنهم من يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، وقد يكون الطعام هو نفسه في الحالين، الفرق يكمن في نية الآكل حين الأكل، هل أكل بغية العيش وحسب؟! أم تراه أكل ليستقوي على إخوانه؟! أم تراه أكل ليتقوى على بذل نفسه أكثر في سبيل ربه؟! المأكل واحد والأهداف شتى، ولذا فقد أُمرنا وفق منطوق الذكر الحكيم:

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ،

أي أن جميع ممارساتنا الحياتية هي لهدف وحيد، الله رب العالمين، وأدناه تجربة خضتها وتحقق لي من خلالها أداء واجب خدمة الدين بشكل غير مألوف..

أعرفكم بنفسي، اسمي مستنصر قمر، داعية إسلامي أحمدي، تخرجت في الجامعة الأحمدية بلندن عام 4102، ثم ابتعثتني الجماعة بتوجيه حضرة أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) داعية في نيوزيلندا، وهناك دارت أحداث المغامرة الروحانية التي أُفرد لأجلها هذا المقال.

نصيحة ثمينة

إن أحداث هذه المغامرة إن كانت تدور في الجنوب الشرقي من خارطة العالم، في قارة أستراليا، وتحديدًا في إحدى جزر نيوزيلندا، إلا أن بدايتها كانت في أقصى الشمال الغربي من قارة أوروبا، من مدينة لندن، حيث مكتب حضرة أمير المؤمنين، والذي أعتبره قلب العالم، بغض النظر عن الموقع الجغرافي، فحتى قلبي العضوي متموضع في الجهة اليسرى من صدري! عندما تشرفت ضمن مجموعة زملاء صفي عام 2014 بملاقاة حضرة أمير المؤمنين نصره الله أذكر من بين النصائح الثمينة التي أسداها إلينا حضرته أن علينا اجتذاب شباب الجماعة مؤكدًّا على ضرورة أن نشاركهم ما يحبون، كأن نمارس معهم ما يهوون ممارسته من رياضات بدنية. فإذا كانوا يلعبون الكريكت نشترك معهم في لعبة الكريكت، وإذا كانوا يلعبون كرة القدم نلعب معهم كرة القدم. فأياً كان ما يلعبونه، يجب أن نشاركهم. والغرض هو أن يكونوا برفقتنا، وبهذه الرفقة نكون لهم نماذج مثالية، فنريهم أننا بلعبنا وممارستنا للرياضة معهم نقوم أيضًا بمسؤولياتنا تجاه الله وخلقه، متحلين بالمثل الأخلاقية العالية التي يعلمنا إياها الإسلام.

لقد ظلت نصيحة حضرة أمير المؤمنين أيده الله تعالى بنصره العزيز منقوشة في ذهني، ولا تنتظر سوى الفرصة المواتية للتطبيق العملي، وبما أنني كنت منذ الطفولة حريصًا على ممارسة الرياضة، اتبعت هذا النهج بعد وصولي لأول مرة إلى نيوزيلندا من خلال مرافقتي لشباب جماعتنا. فكنت ألعب كرة الطاولة والكريكت وكرة السلة والكرة الطائرة وكرة القدم مع الخدام(3) والأطفال(4). مع مراعاة روح المنافسة الشريفة، كنت ألعب بأفضل ما لدي من قدرات وهبني إياها الله في كل من هذه الرياضات حتى يتمكن الشباب أيضًا من رفع روح المنافسة الشريفة لديهم. وكنت أحرص على أن نؤدي الصلاة في وقتها بغض النظر عما إذا كنا نلعب في القاعات التابعة للمسجد أو في ملعب رياضي، حتى لو كان هذا يعني أن نؤديها في حديقة عامة. وبالمثل، كنت ونحن نمارس الرياضة أبقي روح المنافسة الصحية حية متحليًّا كذلك بروح رياضية وأخلاق حميدة حتى أكون قدوة للآخرين. وإذا ارتكبت خطأً بحق شخص ما أو لاحظت شيئًا ما أثناء اللعب، كنت ألتزم دائمًا بأعلى درجات الصدق وألفت أنظارهم فوراً إلى ضرورة الصدق بغض النظر عن تأثير ذلك على نتيجة اللعبة.

فقد بلغ الأمر بقائد الفريق أن عرض عليَّ قائمة بالأسماء الجديدة المحتملة للفريق، وسألني عما إذا كانت جميعها على ما يرام قبل تصويت بقية الفريق لاختيار اسم جديد. من المدهش كيف أصبحت هذه الحادثة وسيلة لتقديمي إلى الفريق بأكمله، وكيف رغب الفريق بأكمله في تغيير اسم فريقهم مراعاة لعقيدتي الدينية!

الصلاة في أماكن عامة، المشروع والممنوع

أتذكر أننا بعدما فرغنا مرة من لعب كرة القدم مع الخدام في حديقة ما، حان وقت الصلاة، فرأينا أن نصلي في جانب من الحديقة لأنه لم يكن لدينا الوقت الكافي للوصول إلى المسجد ولقلة المواصلات أيضًا. لكنني شعرت أن بعض الخدام كانوا غير مرتاحين للفكرة، حتى أن بعضهم اعتذروا وغادروا. ومع ذلك، بقيت الأغلبية وأقمنا صلاتنا هناك جماعة. ومع الوقت ازدادت ثقة الخدام تدريجيًّا وحتى أولئك الذين كانوا يغادرون في البداية أخذوا يصلون معنا بانتظام. وقويت ثقة الخدام بهويتهم لدرجة أنني أتذكر أننا اقتربنا ذات مرة من بعض الشبان الذين كانوا يراقبوننا من مسافة بعيدة في الحديقة، وسألناهم عن شعورهم برؤيتنا نصلي هكذا. وللمفاجأة كان رد فعلهم مشجعًا فزاد ذلك من ثقة الخدام.

أود هنا الإشارة إلى السلوك الذي يمارسه بعض المسلمين غير الأحمديين، إذ يؤدون الصلاة في أماكن عامة بشكل يعطل مرور الناس وحركتهم، فهذا سلوك تأباه جماعة المؤمنين الجماعة الإسلامية الأحمدية، التي تضع في الحسبان في كل تصرف حق العباد مباشرة بعد حق الله تعالى.

 

الابتعاث إلى ويلنجتن

انتقلت منذ سنوات من مركزنا الوطني إلى منطقة عاصمة نيوزيلندا “ويلنجتن”، حيث الجماعة هنا قليلة العدد، والشباب كذلك نسبتهم إلى ذلك العدد القليل فهم أقل. وبسبب الهجرة أخذ العدد في التناقص. ولكني واصلت قدر الإمكان إشراك الشباب ومرافقتهم بنفس الطريقة. إلا أن عقد المباريات الرياضية الجماعية أصبح أمرًا متعذرًا، فلم يبق إلا شابين أو ثلاثة فقط.

وبينما استمرت أنشطة التبليغ، من حملات المنشورات إلى اللقاءات العامة تحت شعار «التقِ بمسلم»، ومَعارض القرآن، والمحادثات العامة في الأندية والمدارس وغيرها، شعرت في العديد من هذه الحملات أن التواصل الشخصي أصبح صعبًا في مجتمع ينجرف أكثر فأكثر بعيدًا عن الدين. وحتى يومنا هذا، ما زلت أدعو أولئك الذين لديهم اهتمام بالدين وأولئك الذين تمكنا من تطوير علاقة شخصية معهم إلى منزلي. لكن هؤلاء من حيث العدد كانوا بالطبع قلة لا تكاد تُذكر. وهنا كان التحدي، فإن لم يأت سعداء الحظ إلينا، فلم لا نخرج نحن بحثًا عنهم؟! لذلك، مع أخذ توجيهات حضرة أمير المؤمنين في الاعتبار، ومن أجل لياقتنا البدنية، قررت أن أعثر على أشخاص ألعب معهم كرة القدم فيكون ذلك وسيلة لتطوير علاقة شخصية مع الآخرين وبابًا آخر لتبليغ أناس قد لا تصل إليهم الحملات التبليغية الأخرى.

كرة القدم في سبيل الله!

شخصيًا لم أكن أعرف الكثير ممن يلعبون كرة القدم هنا، لذا شرعت في البحث عن أشخاص من خلال مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي وانضممت بانتظام إلى مباريات غير رسمية. أصبحت هذه وسيلة جيدة للتعرف على أشخاص جدد والتواصل معهم لاحقًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا. في بعض الأحيان، عندما يتحدثون إلى اللاعبين قبل المباراة أو بعدها يسألونهم «مم تكسب رزقك؟» هذا السؤال كان يفسح المجال على الفور للتكلم عن الدين والإسلام. وأصبح هذا طريقة غير مألوفة وجيدة للتبليغ من خلال تطوير العلاقات الشخصية. بعد عام أو نحو ذلك من اللعب غير الرسمي، طلب مني بعض اللاعبين الذين أُعجبوا جدًّا بلعبي أن ألعب في فريقهم في بطولات الدوري المختلفة. ألعب عادة في خط الوسط أو كمهاجم، وبحمد الله قيض الله تعالى الفوز لبعض الفرق بسببي، حيث سجلتُ أغلب أهداف فريقنا، وكُتِب لنا الفوز ببطولات الدوري.

ثم فوز من نوع آخر

لم يكن إحراز الفوز الرياضي هو غايتي من كل ما سبق، بل كان مجرد وسيلة نبيلة يمكن بها بلوغ غاية أنبل. وأذكر أنه قد حدث مرة أن طلب مني فريق ما أن أكون ضمن لاعبيه. فقبلت وشاركت في أول مباراة لهم للموسم ولا أعرف أحداً منهم. وكان لي أثر إيجابي في الفريق فأرسل لي الكابتن بعد المباراة رسالة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يطلب مني الانضمام إلى فريقهم للموسم بأكمله. وعندما اطلعت على التفاصيل واكتشفت أن اسم وشعار فريقهم يحتوي على عبارات فاحشة، رفضت بأدب. أحسّ إثرها قائد الفريق أن سبب رفضي ربما يكون اسم الفريق وبعد أن استفسر مني، أخبرته أنني إمام مسلم ومرشد ديني، وأنه لا يليق أن أنضم إلى فريق يحمل هذا الشعار. أضفت أن ليس هناك من مشكلة ويمكنهم الاستمرار بدوني كما كانوا من قبل. إلا أنه عاد إليَّ بعد فترة وجيزة قائلاً إنه تحدث إلى أعضاء الفريق وأن الجميع على استعداد لتغيير اسم الفريق حتى أتمكن من الانضمام إليهم. وبعد أن أصر، وافقت.

ولم تتوقف باقة الفوز الروحاني عند هذا الحد، فقد بلغ الأمر بقائد الفريق أن عرض عليَّ قائمة بالأسماء الجديدة المحتملة للفريق، وسألني عما إذا كانت جميعها على ما يرام قبل تصويت بقية الفريق لاختيار اسم جديد. من المدهش كيف أصبحت هذه الحادثة وسيلة لتقديمي إلى الفريق بأكمله، وكيف رغب الفريق بأكمله في تغيير اسم فريقهم مراعاة لعقيدتي الدينية!

 

صدقًا، إن الصدق منجاة!

الرياضة مسرح رحب لإبداء القيم والأخلاق. ومن المشاهد المألوفة في المباريات الرياضية هذه الأيام، لا سيما الجماعية منها، مشاهد الشجار الذي غالبًا ما يبدأ تراشقًا بالألفاظ، وينتهي إلى تراشق بالحجارة، إن لم يكن بشيء آخر. ويحدث أحيانًا أن يخطئ الحكام في بعض الأحيان فيما يتخذون من قرارات. وحصل أن احتدم الوضع بين لاعبي الفريق الذي كنت ألعب معه والفريق الآخر. وحاولت في كل مرة فض الاحتدام وطلبت من الجميع أن يهدؤوا حتى أنني كنت أسحب لاعبي فريقي إلى الوراء وأعتذر إذا ما اقتضت الضرورة ذلك.

وبالمثل، أتذكر مرة في مباراة فاصلة أثناء ركلات الجزاء، وضع أحد لاعبي الفريق المنافس الذي كان سيسدد ركلة الجزاء الكرة مترا أو مترين خلف منطقة التسديد. والحكم لم يلاحظ ذلك، لذا صرخت لإبلاغهم أنه يمكنه تقديم الكرة إلى الأمام. ورأى بعض زملائي في الفريق أنني كنت صادقًا زيادة عن اللزوم. مع ذلك لم يصب اللاعب المرمى وفزنا بالمباراة. وشعر بعض ممن أخبروني أنه ما كان يجب أن أكون صادقًا لهذا الحد أن صدقي هذا هو الذي أدى باللاعب أن يخطئ الهدف وإلى أن نفوز.

وهكذا تسنت لي الفرصة طوال الفترة التي لعبت فيها ضمن فرق مختلفة في البطولات الدورية أو في المباريات غير الرسمية لبناء علاقات دائمة مع الأشخاص الذين لم يكن لديهم أي اهتمام بالدين أو العقيدة، بل وتمكنت أيضًا من إبداء درجة عالية من الصدق والنزاهة والأخلاق التي يعلمنا الإسلام أن نسعى لانتهاجها من خلال الرياضة. لقد أجريت العديد من المحادثات حول الإسلام من خلال كرة القدم. حتى أن بعض اللاعبين الذين يعرفون أنني مسلم يحيونني بـ «السلام عليكم».

علاوة على ذلك، عندما أنشر بعضًا من أنشطتنا الأخرى في التبليغ على وسائل التواصل الاجتماعي، يستفسر بعض معارفي الجدد. ذات مرة، عندما دُعيت إلى إحدى الجامعات لحضور حلقة نقاش، نشرت التفاصيل على وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بي. فعلق أحد اللاعبين الذين ألعب كرة القدم معهم وأثنى على حديثي وإجاباتي على الأسئلة.

في الغرب، حيث يبتعد الناس عن الإيمان والدين، أشعر أنه من الأفضل أحيانًا إيجاد اهتمامات مشتركة أخرى مع الناس لكسر الحواجز وتطوير علاقات دائمة.  هذا يؤدي بهم حتمًا في مرحلة ما إلى طرح الأسئلة، فعلى سبيل المثال اتصل بي أحد اللاعبين عبر الفيسبوك وقال إنني أعلم أنك تجهد كثيراً لإزالة المفاهيم الخاطئة عن الإسلام (لقد عرف ذلك من خلال متابعته لي على وسائل التواصل الاجتماعي) وأخبرني أن كبار السن في عائلته كانوا يتحدثون بشكل سلبي عن الإسلام على سفرة عشاء الليلة الماضية.  حاول أن يدافع عن الإسلام لكنه لم يعرف كيف يجيب على وجهات نظرهم ولذلك اتصل بي.

هذه بعض الأمثلة العديدة التي توضح كيف يفتح الله أبواب التبليغ ومزيدًا من الحوار حتى من خلال وسائل ليست تقليدية في التبليغ. إن هذه الوسائل ووسائل أخرى تحت إشراف الخلافة ستبارك في جهودنا على الدوام..

وفي نهاية هذا المقال الموجز، أقول أن المغامرة طويلة وشائقة، وكل تفاصيلها تدور حول مبدأ واحد، وهو أن جميع ممارساتنا الحياتية اليومية يمكن تطويعها لتكون في خدمة هدفنا الأسمى، الله عز وجل، قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (5)

 

المراجع

  1. دعاء للمسيح الموعود عليه السلام: “ربِّ كل شيء خادمك، ربِّ فاحفَظني وانصرني وارحمني.”
  2. (الأَنعام: 163)
  3. الخدام: تنظيم للجماعة للذكور البالغين من العمر 15 إلى 93
  4. الأطفال: تنظيم في ا لجماعة للذكور البالغين من العمر: 7 إلى 51
  5. (الأَنعام: 163)
Share via
تابعونا على الفايس بوك