• الفرق بين من يتلقى الوحي من الله ومن يقومون بممارسات روحية.
  • كيف حكى القرآن تحذير موسى لفرعون لتتضمن حكايته تحذيرا لليهود المعاصرين للنبي؟ وأنهم إنما يحذون حذو فرعون حذو النعل بالنعل.
  • أيضا حذا أغلب المسلمين المعاصرين للمسيح الموعود حذو اليهود المعاصرين للمسيح الناصري، فكيف حدث هذا؟ وماذا كانت النتيجة؟

قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (الإسراء 101)

شرح الكلمات:

أمسكتم: أَمسَكَ الشيءَ بيده: قبَضه. أَمسَكَ المتاعَ على نفسه: حبَسه. أَمسَكَ عن الأمر: كفَّ عنه وامتنعَ (الأقرب).قَتورًا: قـتَر على عياله: ضيَّق عليهم في النفقة. قتَر الشيءَ: ضمَّ بعضَه إلى بعض. القَتور كصَبور المضيِّق على عياله في النفقة؛ البخيلُ (الأقرب).الإنفاق: أَنفَقَ الرجلُ: افتقرَ وفنِي زادُه. أنفَقَ مالَه: صرَفه وأَنفَدَه (الأقرب).

التفسير:

عاد الحديث هنا مرة أخرى إلى الروح، حيث أخبر الله تعالى أن الفرق بين من يتلقى الوحي الإلهي وبين أولئك الذين يسمَّون «الأرواحيين» هو أن أصحاب الوحي الإلهي يوزّعون الكنوز السماوية بغير حساب، لأن الله تعالى يأمر كل واحد منهم أن «بَلِّغْ، بَلِّغْ»؛ ولكن «الأرواحيين» يعيشون في سرية وغموض ورموز، ويستحلفون تلاميذَهم ألا يكشفوا هذه الأسرارَ لأحد؛ فكيف يمكن أن يصبح هؤلاء هداةَ العالم وقادتَه.

لقد تفشَّى هذا المرض في المتصوفين أيضًا في هذه الأيام. ألقيت ذات مرة خطابًا حول «ذِكر الله تعالى»، وبيّنت فيه كثيرًا من طُرق الذكر وفوائدِه. فبعث أحدُ الحاضرين إلي – وأنا أخطب – وريقةً كتب فيها: ما هذا الذي تفعل! إن المتصوفين لا يبوحون للمُريد حتى بواحد من هذه المعارف الربانية إلا بعد أن يخدمهم لعدة سنوات. فما لك، تبوح بهذه الأسرار في جلسة واحدة!

والحق أن لا سِرِّيّة في الدين. إن الله تعالى يريد لعباده جميعًا أن ينالوا أعلى الدرجات من قربه. ولا حاجة له أن يضع العوائق أمام رقيهم، لأنه تعالى غير محدود، ودرجات الوصول إليه أيضًا غير محدودة، فلا يبخل بعلمه مخافة أن ينفد في يوم من الأيام فلا يجد ما يقدّمه لتعليم العباد، فيصبح هو وعباده سواسيةً. أما «الأرواحيون» فعلمهم محدود، ومعظمه باطل، فلو باحوا بأسرارهم كلها لم يرغب فيهم أحد. وبالفعل نرى في كل يوم جديد أنه ما إن يختار أحدٌ من هؤلاء المتصوفين الزائفين خليفةً له إلا وتركه على الفور، لينهج لنفسه طريقًا خاصًّا به ويمارس ما يمارسه معلمه مستقلاً. ولكن لا أحد من تلاميذ الواصلين بالله تعالى يخذلهم، لأنه يدرك جيدًا أن العلم الذي يتلقاه هذا الشخص من عند الله تعالى لن ينفد أبدًا، وأنه لو انفصل عن أستاذه لتوقف رقيه العلمي. إذًا فإذا وجدنا الأرواحيين لا يكشفون لمُريديهم عن اسم أو نقش إلا بعد أن يخدمهم عشر سنوات مثلاً.. فليس سببه إلا خوفهم أنهم لم يؤتَوا من العلم إلا قليلاً وأنه سوف ينفد بسرعة. ولكن المعارف التي يهبها الله تعالى لأحد لا تنفد في الحقيقة، لأنه تعالى يمنحه المزيد منها كلما توشك على النفاد. فلذلك لا يمكن أبدًا أن تقوم هذه العلوم المكتسَبة بالتمارين المختلفة مقامَ الوحي الإلهي بحال من الأحوال.

ولَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (الإسراء 102)

شرح الكلمات:

مسحورًا: سحَره: عمِل له السحرَ وخدَعه. سحَره عن الأمر: صرَفه. سحَره بكلامه وألحاظه: استمالَه وسلَب لبَّه (الأقرب).

التفسير:

وجاء تفصيل هذه الآيات التسع في مواضع أخرى من القرآن:1- العَصَا، في قوله تعالى فأَلقَى عصاه فإذا هي ثُعبانٌ مبينٌ (الأعراف: 108)

2- اليد البيضاء، في قوله تعالى ونـزَع يَدَه فإذا هي بيضاءُ لِلناظرين (الأعراف: 109)

3- القحط، في قوله تعالى ولقد أَخَذْنا آلَ فرعون بالسِّنين (الأعراف:131)

4- موت الأبكار من الأولاد، في قوله تعالى … ونَقْصٍ مِن الثّمراتِ لعلّهم يذَّكَّـرون (الأعـراف: 131)، لأن الثـمرات هنا تعني أيضًا ثمار القلوب والأفئدة وهي الأولاد.5 إلى 9- الطوفان، الجراد، القُمّل، الضفادع والدم. وكل هذه الأنواع من العذاب مذكورة في قوله تعالى فأَرسَلْنا عليهم الطّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضّفادِعَ والدَّمَ آيَاتٍ مفصَّلاتٍ (الأعراف: 134).

واعلم أن الدم هنا يعني الأمراض التي يفسد أو يضيع فيها دمُ الإنسان مثل الرعاف والبثور والدمامل التي تسيل فيها الدماء بكثرة. لقد ورد في التوراة تفصيل غريب لهذه الآيات التسع ولا حاجة بنا لمعرفته ولا لتصديقه. إن ما يهمنا هو أن الله تعالى آتى موسى تسع آيات ظهرت على فترات، كما هو ظاهر من كلمة مفصَّلاتٍ .

بذكر سيدنا موسى وآياته هنا قد نبّه الله اليهودَ أنه سيُريهم آياتِه كما أراها فرعونَ، ولكن كما أن فرعون لم ينتفع بها لن ينتفع بها هؤلاء أيضًا، وسيغرقون في آخر الأمر غرقًا روحانيًّا.أرى أن هذه الآية تتضمن أيضًا الإشارةَ إلى أنه سينـزل باليهود المعاصرين للرسول العذابُ أو الآيات من الصنوف التسعة المذكورة، بيد أنه لم تُتح لي الفرصة لفحص التاريخ من هذه الزاوية.

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (الإسراء 103)

شرح الكلمات:

بصائر: جمعُ بصيرة وهي: العقلُ؛ الفطنةُ؛ ما يُستدَلّ به؛ الحجّةُ؛ العِبرةُ؛ الشاهدُ (الأقرب).مثبورًا: ثـبَره: خيَّبه؛ لعَنه؛ طرَده. ثـبَره عن الأمر: منَعه وصرَفه. ثـبَر اللهُ زيدًا: أهلَكَه إهلاكًا دائمًا لا ينتعش بعدَه (الأقرب).

التفسير:

قال موسى لفرعون: إنك تعلم يا فرعون في قرارة نفسك أن رب السماوات والأرض هو الذي قد أنـزل هذه الآيات تبصيرًا للناس، وإنني على يقين أنك هالكٌ لا محالة. أو أنه أراد بقوله إني لأظنك يا فرعون مثبورًا أنك تسمّيني مسحورًا لكي تُشهر بي وتُضعف قوتي، ولكن الله تعالى لن يَدَعَك تظفر ببغيتك، بل سيردّك خائبًا خاسرًا؛ ذلك أن من معاني الثبور خيبةَ الأمل أيضًا.

والمقصود من هذا تحذيرُ اليهود من المصير الذي ينتظرهم، حيث يقول الله تعالى لهم: ترون الآيةَ تلو الآية ومع ذلك تسمُّون نبينا خدّاعًا مكّارًا، وهكذا فعل فرعون بموسى قبلَكم. ولكن هل تعرفون كيف كان مصيره؟

سورة الفاتحة تتضمن نبأً أن فريقًا من الأمة المسلمة سوف يتّبعون سُنن أهل الكتاب؛ وبالربط بين هذين الأمرين نستنتج أن هناك وعدين لعذاب المسلمين أيضًا مرتين كما كان ثمة وعدان لعذاب بني إسرائيل مرتين، وأن الوعد المشار إليه في قوله تعالى وعدُ الآخرة يعني العذاب الثاني للمسلمين، حيث أخبر الله تعالى اليهودَ أنه لما يحين موعد العذاب الثاني للمسلمين وتخرج الأرض المقدسة من أيديهم لفترة من الزمن سوف يأتي الله بكم إلى هذه البلاد مرة أخرى.

فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (الإسراء 104)

التفسير:

أي كان فرعون يريد أن يطردهم من الأرض أذلاءَ صاغرين، ولكنه غرق بنفسه. إن أهل الكتاب أيضًا تآمروا مع الكفار ضد الرسول حين جعلوه يخرج لمحاربة جيوش قيصر، ولكن الله تعالى خيّب كيدهم بفضله، حيث رجع النبي من تبوك معافًى معزَّزًا (تاريخ الخميس: الجزء الثاني، غزوة تبوك).

وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (الإسراء 105)

شرح الكلمات:

لفيفًا: لَفَّه: ضمَّه وجمَعه. لفَّ الشيءَ بالشيء: ضمَّه إليه ووصَله به. لفَّ الكتيبتَين: خلَط بينهما في الحرب. اللفيف: المجموعُ؛ ما اجتمع من الناس من قبائل شتَّى (الأقرب).

التفسير:

اعلم أن «الأرض» في قوله تعالى اسكُنوا الأرضَ لا تعني بلادَ مصر، لأن بني إسرائيل لم يقيموا بعد ذلك في مصر، وإنما المراد منها الأرض المعهودة في ذهنهم.. أي بلاد كنعان التي وُعدوا بها.

إن للنبي فضلاً على موسى من هذه الناحية أيضًا، ذلك أن الأرض التي نالها موسى لم تكن ملك مصر نفسها، وإنما أرضًا بديلة عنها؛ ولكن الرسول قد نال الأرض التي هي وطنه، إضافةً إلى بلاد الأعداء.

أما قوله تعالى فإذا جاء وعدُ الآخِرةِ جئنا بكم لَفِيفًا فيعني اذهبوا الآن إلى كنعان، ولكنكم ستضطرّون للخروج منها بعد فترة من الزمن، ثم يعيدكم الله إليها بعد حين تارةً أخرى، ولكنكم ستعصون الله ثانيةً ليحلّ بكم العذاب تارة أخرى، وعندها ستبقون في المنفى إلى أن يحين زمنُ تحقُّقِ نبأِ الدمار الثاني للأمة المحمدية التي جُعلتْ مثيلةً للأمة اليهودية، وعندها ستُحشَرون من شتى البلاد إلى الأرض المقدسة.

تؤكد هذه الآية أنه كما ورد في مستهلّ هذه السورة النبأُ عن دمارَين يحلان ببني إسرائيل، كذلك هناك نبأ مماثل يتعلق بالأمة المسلمة التي جُعلت مثيلة للأمة الإسرائيلية، كما جُعل الرسول مثيلاً لموسى (المزمل: 16). والدليل على ذلك هو أن هذه السورة تحدثت في بدايتها عن وعدينِ لبني إسرائيل، وكلاهما عن العذاب، وقد تحقّق أحدهما على يد الملك البابلي نبوخذنصر، وثانيهما على يد الملك الرومي تيطس Titus (رَاجِعْ تفسير أوائل هذه السورة). وليس في هذين الوعدين أيُّ ذكر عن جمع الإسرائيليين مرة أخرى، وإنما ينبِّئان عن تشريدهم. ولكن هذه الآية تنبئ أنه لدى تحقق الوعد الآخر سيؤتى بهم إلى الأرض المقدسة مرة أخرى؛ مما يعني أن الوعد الآخر هذا هو غير الوعد المذكور من قبل- والمسمى أيضا بـ وَعْد الآخرة – وأن معه وعدًا آخر هو الوعد الأول. ولو أمعنّا النظر في القرآن الكريم لم نجد فيه هذين الوعدين إلا على النحو التالي: إن سيدنا محمدًا رسولَ الله مثيلٌ لموسى ، وأن سورة الفاتحة تتضمن نبأً أن فريقًا من الأمة المسلمة سوف يتّبعون سُنن أهل الكتاب؛ وبالربط بين هذين الأمرين نستنتج أن هناك وعدين لعذاب المسلمين أيضًا مرتين كما كان ثمة وعدان لعذاب بني إسرائيل مرتين، وأن الوعد المشار إليه في قوله تعالى وعدُ الآخرة يعني العذاب الثاني للمسلمين، حيث أخبر الله تعالى اليهودَ أنه لما يحين موعد العذاب الثاني للمسلمين وتخرج الأرض المقدسة من أيديهم لفترة من الزمن سوف يأتي الله بكم إلى هذه البلاد مرة أخرى.

وبالفعل هذا ما حدث. فكما أن الأرض المقدسة خرجت من أيدي اليهود في زمن نبوخذنصر لأول مرة، كذلك خرجتْ أيضًا من أيدي المسلمين إبّانَ الحروب الصليبية (راجِعْ تاريخ القدس لعارف باشا، باب: القدس وحملات الصليبيين). وكما تم نفي اليهود من الأرض المقدسة بعد ثلاثة عشر قرنًا من زمن موسى .. أعني بعد حادث صلب المسيح الذي مات عندها في الظاهر بالنسبة لأهل هذه البلاد، كذلك تمامًا – بعد انقضاء نفس الفترة الزمنية على وفاة النبي – قُضي في عصرنا هذا على حكم المسلمين في الأرض المقدسة مرة أخرى. وبحسب نبأِ القرآن الكريم، فإن دمار المسلمين الثاني كان سببًا في عودة اليهود إلى الأرض المقدسة تارةً أخرى.ورد في فتح البيان في تفسير هذه الآية: «وقيل: أراد بـ وعد الآخرة نـزولَ عيسى من السماء.» (فتح البيان، والقرطبي). وهذا القول أيضًا يؤيد رأيي.

Share via
تابعونا على الفايس بوك