حَبْلُ اللهِ الـمُنْقِذُ

التحرير

  • كيف تعاملت الدنيا مع قضية الخلافة؟!
  • كيف ساهم أكثر المسلمين في تصدير معنى سيئ لمفهوم الخلافة إلى العالم؟!
  • كيف تتم محاولات سرقة مصطلح الخلافة كمشروع رباني؟!
  • لماذا تبدو الخلافة حبل النجاة الوحيد الممدود في هذا العصر؟!

تسير عجلة الزمان دون توقف، وتودّع الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة العقد الأول من قرنها الثاني، وقد مرت فيما يربو عن المائة عام بخبرات أرادها الله لتلك الجماعة التي غرسها سبحانه وتعالى بيده، وسواء كانت تلك الخبرات من المآسي أو السعادات، فإن الفائدة متحققة منها على أية حال، على اعتبار أن أمر جماعة المؤمنين كله خير، وحتى في أسوأ الأحوال في الظاهر، يريد الله تعالى لتلك الجماعة تقدما وترقيا ما.
ومما يجدر بالذكر في مسألة الخلافة الراشدة الثانية، أنها لم تعرف يوما التقهقر، والناظر إلى القضية بشيء من التأمل يلحظ هذا الأمر.. فجماعة المؤمنين في ظل الخلافة في تقدم ورقي مستمرين، وفي اتجاه واحد إلى الأمام دون تقهقر، فبُعيد وفاة المسيح الموعود مباشرة، وفي 27 من مايو/ أيار 1908، وقبل أن يهنأ المعاندون بفرحة زائفة إثر انتقال المسيح الموعود إلى الرفيق الأعلى، ظهر تجلٍّ ثان لقدرة الله تعالى بعد تجلي النبوة، وتمثل ذلك التجلي الثاني في خلافة راشدة تستثمر ما تم إحرازه طوال مدة النبوة من مكاسب طيبة، وتتعهد غراس جماعة المؤمنين بالرعاية والتربية، وقد أصبح ذلك الغراس دوحةً ذات ظلٍّ ظليل.
إن آفة الإنسانية عموما، وجماعة المؤمنين بعدما يتقادم بها الزمان خصوصا، هي أنها لا تقدر الأمور حق قدرها، فتتعامل مع قضية الخلافة كتعاملها مع قضايا الملك والسياسة الدنيويين، وهذه الآفة طالت الجميع من كل المذاهب والأديان. والله تعالى يقيم دوما من يصحح هذا الخطأ الشائع لدى أغلب الناس، فبعث على سبيل المثال المسيح الناصري ليعلن أنَّ:

«مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 18 : 36).

نعم، فالخلافة ملك لا يضاهيه أي ملك دنيوي، وسلطان خليفة الله لا يدانيه سلطان مادي، وإن كان خلفاء الله تزدريهم أعين الناس المُغَشَّاة بحُجُب الجهالة والغفلة.
لقد ساهم أغلب المسلمين منذ استشهاد سيدنا علي المرتضى وإلى هذا العصر مساهمة كبيرة في تصدير معنى سيئ ومنحرف عن الأصل لمفهوم الخلافة، لقد استزلهم الشيطان واستعملهم في سرقة ذلك المشروع الرباني، فأخذ كل حاكم أو ملك أو قائد ميليشيا يدعو نفسه بالخليفة وأمير المؤمنين، منذ عهد بني أمية وحتى ما بات يعرف زورًا بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).. فبالنظر إلى كمال الله تعالى كان لا بد من اليقين من أنه أغْيَر على مشروعه، فلن يترك الأمور هكذا حتى يبعث من يُعدل الموازين، فكانت جماعة المؤمنين الثانية، وعلى رأسها الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. فعجبا لأمة يُفترض بها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، طالما يتشدقون بالوصال وهم أول من يقطع الحبل، ولكن، أي حبل يا ترى؟! لقد فصَّل الله تعالى في كتابه الكريم الحديثَ عن الخلافة، وأنها سبيل خلاص المؤمنين الوحيد، فتارة يكني عن الخلافة بالحبل الواجب الاعتصام به، وتارة أخرى يشبهها بسفينة نوح، التي تركها آية ليدَّكر من يدَّكر.. العجيب أن آيَ التنزيل الحكيم تعاملت مع موضوع الخلافة كقضية حياة أو موت، وسبيل نجاة وحيد، ولا نجاة في سلوك أي سبيل سواه، والعجيب أيضا أن أكثر الناس عن هذا غافلون. لا عجب في أن المسلمين حال إعراضهم عن خليفتهم في هذا العصر يُمْنَون بهزيمة تلو هزيمة، ومصيبة تلو مصيبة.. ألم يُعْرِض المسلمون عن توجيهات الخلافة الراشدة الثانية في زمن المصلح الموعود ففقدوا فلسطين؟! أولم يعرضوا عن توجيهات الخليفة الرابع المتزامنة مع أزمة الخليج الثانية، فكانت النتيجة ما يتجرعونه الآن؟! فماذا لو تعامل مسلمو اليوم مع مقام الخلافة بشيء من الاحترام، ولو على سبيل التجربة، بعدما فشلوا في 99% من مساعيهم؟! أفلا يجربون احتمال الـ 1% الأخير؟! فلعلهم يفلحون!
وإننا على صفحات التقوى هذا الشهر مايو/أيار، نستذكر تلك المناسبة العظيمة، التي كانت في السابع والعشرين من هذا الشهر عام 1908م، إذ تجلَّت قدرة الله الثانية، أي الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، تحقيقا لنبوءة حضرة خاتم النبيين ، والتي قال فيها:

«تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا ……. ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ» (مسند أحمد، كتاب أول مسند الكوفيين).

ولأن الشيطان يقعد للإنسان صراط الله المستقيم، فيوسوس لأوليائه وساوس من قبيل أن الخليفة ما هو إلا طالب حكم دنيوي، بدليل أنه يُنتَخَب بواسطة الناس، لذا فأنتم أولى بالملك الروحاني منه، أولستم تتلقون من الرؤى ما تتلقون؟!! فأنى لغيركم أن يكون له سلطان التجديد الروحي عليكم؟! .. فواأسفا على هؤلاء! لقد وقعوا في نفس الشرك الذي وقع فيه أسلافهم من قبل. نعم، فالخليفة ليس مجرد وارث لكمالات النبوة، بل إنه تجسيد حي لها، وشاهد قائم على أن النبي لازال حيا في جماعة المؤمنين. إننا على صعيد معاملاتنا اليومية نتداول قولا يجري مجرى المثل، فنقول: «الذي خلَّف لم يمت»، فخليفة النبي هو برهان ساطع على صدق النبي ولو كرِهَ المجددون المزعومون..

فبالنظر إلى كمال الله تعالى كان لا بد من اليقين من أنه أغْيَر على مشروعه، فلن يترك الأمور هكذا حتى يبعث من يُعدل الموازين، فكانت جماعة المؤمنين الثانية، وعلى رأسها الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. فعجبا لأمة يُفترض بها أن تكون خير أمة أخرجت للناس، طالما يتشدقون بالوصال وهم أول من يقطع الحبل، ولكن، أي حبل يا ترى؟!

قراء التقوى الأعزاء، احتفاء بهذه المناسبة السارة، نكرس أغلب مواد هذا العدد للحديث عن الخلافة وحقيقتها الغائبة عن أذهان المفتونين، وكذلك عن بركاتها التي بات أغلب المسلمين يفتقدونها. نقدم بين يدي القارئ العزيز خطبة حضرة خليفة الوقت (أيده الله تعالى بنصره العزيز) عن موضوع الخلافة، وكيف أنها مشروع رباني صِرْف. كذلك من المقالات ما نتناول فيه بشيء من التفصيل الحديث عن مهام الخلافة الأربع. وأيضا من المقالات ما سنتحدث فيه عن حقيقة الخلافة. آملين أن تحوز مواد هذا العدد رضاكم، وداعين المولى جل وعلا أن يظلَّنا بظل الخلافة الظليل في يوم لا ظل فيه إلا ظله تعالى، فالخلافة نعمة عظمى، فطوبى للمبايعين.