تداعيات العنف الأسري في ظل فهم ديني جاف

تداعيات العنف الأسري في ظل فهم ديني جاف

التحرير

__

يُعتبر العنف الأسري من أشهر أنواع العنف انتشارا في مجتمعاتنا الإسلامية. وبالرغم من تهميش وجوده من بعض الأطراف إلا أن بصماته على أرض الواقع بدت جلية في التركيبة الاجتماعية.

ولا يقتصر العنف الأسري -كما يتصور البعض- على عنف الزوج تجاه زوجته بل يتعدى ذلك ليشمل عنف الزوجة تجاه زوجها، وعنف الوالدين تجاه أولادهم، وهلُمَّ جرًّا من أصناف العنف داخل الأسرة، والتي بتعريفها المتكامل هي المأوى الدافئ ومركز الحب والسكينة وباحة الهدوء والطمأنينة. ولا يختلف اثنان أن هذه الأجواء لن تتوفر إلا إذا أدى كلا الوالدين دوره الفعال من واجبات وحقوق وصارا أسوة لباقي أفراد الأسرة.

ومصداقا لقوله :” تزوجوا الودود الولود”. فإن مسئولية الحب والمودة تقع بالدرجة الأولى على المرأة، فهي بحكم تركيبتها العاطفية هي الأكثر قدرة على شحن الجو العائلي بالحب والمودة.

كما يتوجب على رب الأسرة أن يكون نموذجا عمليا لتعاليم الدين الحنيف ويوفر جو ديني وتربوي وثقافي يسد حاجيات أفراد الأسرة كي لا يبحثوا عن بديل خارج البيت.

ولا يسعنا من خلال هذا السطور التطرق إلى جميع أسباب العنف الأسري.. هذه الظاهرة الفتاكة التي باتت تهدد أمن وسلام مجتمعاتنا، ولكن سنحاول لمس أهم وأبرز أسبابها التي هي غير مخفية على اللبيب المطلع على ما يجري في الساحة الإسلامية من مآس ومظالم وهتك حرمات، الأمر الذي أرجعه الكثيرون إلى فشل رب الأسرة في الحصول على ما يُلَبِّي به جميع حاجاتها اللامتناهية حيث يندفع إلى استخدام العنف إزاء أفرادها لتفريغ شحنة الخيبة التي تنعكس آثارها في صورة العنف. كما يغطي بعض الآباء فشلهم هذا بتمييع مكانتهم وعدم المبالات بما يجري داخل البيت فيخسر هيبته واحترامه فينطبق عليه المثل: “إذا كان رب البيت بالدف ضاربا فسمة أهل البيت الرقص”. وفي ظل هذه الظروف يُفسح المجال لباقي أفراد الأسرة للتنافس على الحصول على كرسي رئاسة الأسرة وطبعا العنف هو أنجع وسيلة لهذا المأرب.

ماتت القناعة وأصبح همُّ كل واحد الحصول على ما في يد الآخرين مهما كلفه ذلك.. بِيع الشرف ودُفِنت الذمة وفُقد السلام وطار الأمان.

والأدهى والأمّر من هذه المأساة فإن بعض الآباء يبررون عنفهم بسماح الدين لهم بذلك ويظنون أن مسؤولية تربية أفراد الأسرة وحمايتهم تسمح لهم باستعمال العنف.. ويا له من ظلم عظيم، فالدين براء من ادعاءاتهم الظالمة. فبعلتهم هذه قد طمسوا ملامح ومعاني ابتسامة الحياة عن وجه المرأة المستضعفة ووجه الطفل البريء وغرسوا كل تعابير اليأس فتمنى الجميع الخروج منها والفرار عنها. فكرَّهوا كل من حولهم في الدين ومعالمه، فباتوا يبحثون عن بديل يرزقهم طعم السعادة والطمأنينة ولو للحظات فحققت لهم الخمرة والمخدرات مأربهم، الأمر الذى زاد في تمتين هذه الظاهرة الفتاكة. كما ساهم في استفحالها نمط الحياة العصرية وما لديها من ضغوط نفسية وإحباط ساهم في تفكك العلاقة الزوجية وفتح فجوات في عشها.

ولا شك أن جفاف وسذاجة الفهم الديني الذي يُلقن في المؤسسات الدينية والتعليمية في بلداننا زاد في الطين بِلة. حيث أُفرغ الدين من مغزاه الحقيقي وأصبح مجرد خرافات تُخيف الصغار وتضحك الكبار. أما استخفاف عامة الناس بحدود الله وتأويلها حسب أهوائهم فحدِّث ولا حرج. لقد تبخر الفهم الديني الصحيح من الحياة اليومية وفُسح المجال لكثير من الموبقات كي تحل محله. لقد اضمحل التلذذ بوصال الله وعُوّض عنه بالمخدرات والمسكرات. ماتت القناعة وأصبح همُّ كل واحد الحصول على ما في يد الآخرين مهما كلفه ذلك.. بِيع الشرف ودُفِنت الذمة وفُقد السلام وطار الأمان.

لقد ألقت هذه الحالة المروعة الرعب لدى الكثيرين الذين يرون استحالة تخلص الأمة من هذه الآفة الفتاكة حيث إنها أصبحت جزءا لا يتجزأ من التكوينة الاجتماعية وأصبحوا يعيشون في دوامة الإحباط وفقدان الأمل التام حتى إن خيالهم السقيم أقنعهم أنهم بحاجة إلى عصا سحرية مثيلة لعصا سيدنا موسى كي تلقف كل ما حولها. فحالة الإحباط التام هذه أفقدتهم الأمل كلية في رحمة الله، خصوصا أن حالة الأمة يوميا في تدهور على أصعدة شتى. والسؤال الذي لم يخطر على بال هؤلاء: “كيف تهلك أمة أنا في أولها والمسيح ابن مريم في آخرها؟” (الحديث).

اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجميعن إلى يوم الدين. وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك