وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (النحل: 44)

شرح الكلمات:
الذِّكر: التلفظُ بالشيء؛ إحضارُه في الذهن بحيث لا يغيب عنه؛ الصيتُ، ومنه: “له ذِكرٌ في الناس”؛ الثناءُ؛ الشرفُ.. وفي القرآن إنه لذكرٌ لك ولقومك ؛ الصلاةُ لله تعالى والدعاءُ.. “إذا حَزَبَه أمرٌ فَزِعَ إلى الذكر”؛ الكتابُ فيه تفسير الدين ووضع الملل. والذِّكر من الرجال: القويُّ الشجاعُ الأَبيُّ؛ والذِّكر من المطر: الوابلُ الشديد؛ والذِّكر من القول: الصلبُ المتين (الأقرب).

التفسير:
أي أن أكبر ما يحمل الكفارَ على معارضة هذا النبي هو ظنهم أنه بشر مثلهم لا يقدر على أن يضرهم شيئًا، ولكنهم لا يفكّرون أن الرسل السابقين أيضًا كانوا من البشر، ومع ذلك نجحوا في مرامهم.
أما قوله تعالى فَاسْأَلُوا أهلَ الذِّكرِ إِن كنتم لا تعلَمون فوجّه به اللوم إلى الكفار، إذ كانوا يدّعون أنهم من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وأنهم على علم بأحوالهما وكانوا يعرفون كيف أنهما نجحا في مهمتهما على الرغم مما لقيا من معارضة وإيذاء (السيرة النبوية لابن هشام: سياقة النسب مِن وُلدِ إسماعيل). فيلومهم الله ويقول: يبدو أنكم قد نسيتم ما جرى على آبائكم، فاسألوا أهل الذِّكر عنهم إن كنتم لا تعلمون! وبما أن الذكر يعني حفظ الشيء أيضًا فالمراد: اسألوا عن أحوالهم مَن يذكرها ويحفظها.. أي المسلمين. ما أروعَ أسلوبَ القرآن هذا، وما أشدَّه تأثيرًا، ولا جرم أن قلوب الكفار تكون قد تقطعت بسماع هذا الكلام المليء بالتعنيف والتقريع.
أما قوله تعالى نوحي إليهم فقد أشار بذلك إلى أن عزة النبي ليست بالجنود والأسباب المادية، إنما ثروته الوحي، وبه ينال الفتح والظفر.
وفيه إشارة أيضًا إلى أن الكفار إذا كانوا يظنون أنه من المستحيل أن ينال المسلمون الحكمَ عن طريق هذا الشخص ضعيف الحيلة.. فليتذكّروا أن الأنبياء في الماضي أيضًا لم يملكوا من الوسائل والأسباب إلا الوحي، ومع ذلك قد أحدث الله على أيديهم انقلابات عظيمة وكأنما أقام القيامة في هذه الدنيا نفسها.
وقوله رجالاً ردٌّ على قول الكفار الذين قالوا: لماذا لا تنـزل الملائكة علينا. لقد سجّلت السورةُ السابقة أيضًا مطالبتهم هذه، إذ قالوا لوما تأتينا بالملائكة ، فقوله تعالى رجالا تعيير بهم أنكم تعتبرون الملائكة بنات لله، والبنات لا يُوفَدن ممثلاتٍ عن أحد، فكيف يمكن أن تأتيكم الملائكة؟
وبما أن المسلمين كانوا سينالون الحُكم بعد الهجرة، وكان طبيعيًا أن يظهر بين القوم طمّاعون في السلطة – مثل مسيلمة الكذاب وسجاح المتنبئة وغيرهما – ظنًّا منهم أن هذه الحكومةَ أيضًا كغيرها من الحكومات الدنيوية، لذا فليس من المستبعد أن يكون قوله تعالى رجالاً نوحي إليهم إشارةً إلى هذه الفتنة القادمة، وتأكيدًا منه على أنه سيُخرج رجالاً يقومون بقمع هؤلاء المتنبئين والمتنبئات بسبب الفصاحة والبلاغة.

أما قوله تعالى نوحي إليهم فقد أشار بذلك إلى أن عزة النبي ليست بالجنود والأسباب المادية، إنما ثروته الوحي، وبه ينال الفتح والظفر.

بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل: 45)

شرح الكلمات:
البيّنات: جمعُ البينة وهي: الدليل؛ الحجةُ (الأقرب).
الزُّبُر: زبَره يزبُر زَبرًا: رماه بالحجارة. زبَر الكتابَ يزبِر ويزبُر: كتَبه – وزاد في مفردات الراغب – كتابةً غليظةً. زبَر السائلَ: انتهره. زبَر عن الأمر: منَعه ونهاه. والزِبْر: الكتابُ، جمعُه الزُبُور والزُبُر. والزَبور: الفِرقةُ؛ المُلكُ؛ الكتابُ (الأقرب).

التفسـير:
هذه الآية أيضًا شرح للموضوع السابق حيث أوضحت أنه لم يأت الأنبياء إلا بالآيات والأحكام من عند الله تعالى إذ بهما يتحقق الغرض من بعثتهم وهما الوسيلة لنجاحهم.
واعلم أن كلا من الذِّكر و الزُّبر يعني الكتاب أي الوحي الذي يجب الإيمان به، ولكن بما أنهما قد وردا هنا متقابلين فيؤدي الذِّكر مفهومًا خاصًّا، ذلك أنه إذا وردت كلمة مقابلَ كلمةٍ أخرى مرادفةٍ لها فإن الأخيرة منهما تكون لبيان الأفضلية أو الدونية، وبما أن السياق هنا يتطلب معنى الأفضـلية فيـكون الذِّكر هنا بمعنى الكتاب الذي هو أشرف وأكمل؛ إذًا فمفهوم هذه الآية أن الله تعالى قد آتى الرسل قبلك البيناتِ والزبرَ، ولكنه آتاك البيناتِ والذكرَ، أي أفضل مما آتاهم، وما دام الرسل السابقون قد استطاعوا بكتبهم التي كانت أدنى من كتابك أن يهزموا أعداءهم فمن المحال أن لا تنجح أنت في إلحاق الهزيمة بأعدائك وعندك كتاب هو أفضل من كتبهم. ونظرًا لهذا المعنى تكـون (ال) في الذِّكر للكمال.
كما يمكن أن تنطبق هنا المعاني الأخرى للذِّكر أيضًا مثل الدعاءُ؛ الصلبُ المتين؛ الصيتُ؛ الثناءُ؛ إحضارُ الشيء في الذهن بحيث لا يغيب عنه (الأقرب)؛ فتعني الآية أن من مزايا كتابك أنه يحتوي على أدعية كاملة، لذلك سوف يكون سببًا في نزول أفضال الله الخاصة. ثم إن تعليماته محكمة متينة فلن يضره طعن الطاعنين. كما أنه سيُكسب العاملين به ثناءَ الناس، لأنه سوف يصوغ أخلاقهم وأعمالهم بحيث ستضطر الدنيا للثناء عليهم، أو المعنى أن في كتابك ثناءً كاملا لله تعالى مما سيزيد المؤمنين عرفانًا به . ثم إن كتابك سوف ينال من الصيت والقبول بحيث يتلوه الناس كل حين، فلا يمكن نسيانه.
واللام في لِتُبيِّن للتعليل أو للعاقبة. فإذا كانت تعليلية فالمعنى أننا أنزلنا عليك كتابًا أفضل من الكتب السابقة، لكي تقوم بتعليم العالم كله.. أي أن فضل هذا التعليم يكمن في أنه لا يختص بشعب أو بزمن معين، بل هو للناس جميعًا. وأما إذا كانت اللام للعاقبة فالمعنى أننا ما دمنا قد أنزلنا عليك أفضل كتاب فلا يمكن أن تخفيه عن الناس، فكونه أفضل كتاب يفرض عليك أن تدعو إليه الدنيا كلها، إذ كيف يمكن أن يلزم الصمت مَن نزَل عليه كلام سامٍ كهذا.
وأما قوله تعالى نُزِّلَ إليهم فاستثار به عواطف الكفار ترغيبًا لهم في القرآن حيث قال: لا شك أن هذا الكتاب قد نزل عليك يا محمد، ولكن الواقع أنه قد نزل إلى الدنيا كلها لأن غرضه أن ينفع الناس جميعا، فلِم البخل في الشكر على هذا العطف الرباني!
كما أكد بقوله تعالى نُزِّلَ إليهم ضرورة تبليغ هذا الوحي إلى الجميع، لأنه نزل إلى الدنيا كلها، ولأنه ثروة مشترَكة بين البشر كلهم، فتوزيعها على الجميع فريضة واجبة.
ليت المسلمين أدركوا أهمية التبليغ! والواقع أنهم لو لم يتهاونوا في أداء واجب تبليغ رسالة القرآن لم يُرَ في العالم اليوم دينٌ سوى الإسلام، إذ ليس بوسع أي تعليم آخر أن يصمد أمام التعاليم الإسلامية المقدسة. لا شك أن هناك عوائق كثيرة في سبيل انتشار الإسلام اليوم، ولكنها حصلت بسبب الجشع المادي الذي يمنع الناس من اعتناقه، وقد حصل هذا حديثًا، أما في الماضي فكانت الدنيا أيضًا في قبضة المسلمين مثلما كان الدين بأيديهم.
هذا، وإن قوله تعالى لِتُبيِّنَ للناس إشارة إلى موضوع لطيف آخر أيضًا. هناك بعض الكتب التي لا يستطيع الإنسان قراءة ما فيها على غيره حياءً وخجلاً، ومثاله بعض ما ورد في الكتاب المقدس في بعض الأماكن، ولكن القرآن الكريم يحتوي على أمور شريفة يمكن قراءتها في أي مجلس. حتى إن أحد الكتّاب النصارى أيضًا قد اعترف بهذا قائلاً: إن من مزايا القرآن أنه يمكن قراءته في أي مكان ومجلس، ولكن هذا مستحيل بالنسبة لكتبنا. ومثاله ما ورد في الكتاب المقدس عن قصة لوط مع بناته وقتلِ بني إسرائيل زوجاتِهم وصغارَهم بأمر الله تعالى (تكوين 19: 31 – 38، وتثنية 3: 6). إنه بكل تأكيد مما يثقل على الطبع ذكرُه في المجالس. ومثاله عند الآريا الهندوس تعليم باسم “النيوك”،× فإنه يبلغ من البشاعة والسخافة بحيث إن الهندوسي نفسه لا يقدر على قراءته على زوجته ناهيك أن يقرأه على أتباع الأديان الأخرى علنًا.
ولكن القرآن الكريم قد ذكر شتى القضايا والأحكام وقد تناولها بلغة شريفة وكلمات فاضلة بحيث يمكن ذكرها أمام أي قوم وأي إنسان أيًّا كان عمره.
وفي قوله تعالى لعلهم يتفكرون إيماءة إلى أن الوحي يجلو فكر الإنسان ويصقله، وكانت حياة الصحابة – رضوان الله عليهم – أكبر دليل على صدق ذلك. كانوا أُمِّيّين وغير واقفين على أحوال الدنيا، ولكنهم بسماع الوحي القرآني واستيعابه صاروا أساتذة لعلماء العالم، وقد أُعطوا من الفهم والاستنارة بحيث خلفوا وراءهم أسوة يُحتذى بها في جميع المجالات العلمية.

أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ الله بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (النحل: 46)

شرح الكلمات:
يخسِف: خسَف المكانُ خسوفًا: ذهَب في الأرض وغرَق. خسَف الله تعالى الأرضَ: أساخَها بما عليها. خسَف الله الأرضَ بفلان: غيَّبه فيها. خسَف في الأرض وخُسف به مجهولاً: أي غاب فيها. خسَف فلانًا: أذلَّه وحمَّله ما يَكرهه (الأقرب).

التفسـير:
تتضمن هذه الآية نبأً آخر عن مصير الكفار. والخسف- كما ذُكر آنفًا – يكون ظاهريًّا ومعنويًّا أيضًا. لا شك أن كلمات الآية تدل على الخسف الظاهري لأن خسف الأرض بأحد يعني دفنه فيها، إلا أن المراد هنا هو الخسف المجازي أي الذل والإهانة. ولقد تعرض الكفار لعذاب الخسف هذا بشكل مذهل بحيث إننا لا نجد اليوم أحدًا يذكر أسماء صناديد العرب الكفار وعائلاتهم، ولكن لدى ذكر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأولادهم – رضوان الله عليهم أجمعين- تنحني الهامات إجلالاً لهم وإكبارًا.
أما قوله تعالى أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعُرون ، فلا شك أن العذاب يفاجئ الكفار دائمًا، ولكن هناك أحداث في حياة النبي ينطبق عليها قول الله هذا بشكل محير. خذوا صلح الحديبية مثلاً، كان أهل مكة يرونه انتصارًا عظيماً لهم، ولكن الأيام دارت بعد الصلح دورةً جعلت صلح الحديبية آيةً عظيمة في حق النبي . لقد أصر أهل مكة عند الاتفاقية على أنه إذا أسلم أحد من أهل مكة وهرب إلى المدينة فلا بد من إرجاعه إلى المكيين، وهذا الشرط أدى إلى تكوُّن عصابة من المسلمين أخذت في محاربة الكفار خارج النظام التابع للنبي ، وضيقت على المكيين الخناق، حتى جاءوه صاغرين يتوسلون إليه بأن يسمح لهذه العصابة بالهجرة إلى المدينة. ثم بعدها اشتبكت بعض القبائل فيما بينها فساعدت قريشٌ بعضَها مخالفةً بذلك الاتفاقيةَ مما أفسح للمسلمين المجال للزحف على مكة، ففُتحتْ بسرعة هائلة وبطريق مفاجئ جدًّا (السيرة النبوية لابن هشام: أمر الهُدنة، والسيرة الحلبية ج 3 ص 25- 32 طبعة 1935 ).

لا شك أن هناك عوائق كثيرة في سبيل انتشار الإسلام اليوم، ولكنها حصلت بسبب الجشع المادي الذي يمنع الناس من اعتناقه، وقد حصل هذا حديثًا، أما في الماضي فكانت الدنيا أيضًا في قبضة المسلمين مثلما كان الدين بأيديهم.

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (النحل: 47)

شرح الكلمات:
تقلُّب: تقلَّب الشيءُ: تحوَّل عن وجهه. تقلَّب على فِراشه: تحوَّل من جانب إلى جانب. تقلَّب في الأمور: تصرَّف فيها كيف شاء (الأقرب).
معجزين: أعجزَه الشيءُ: فاتَه. أعجَزَ فلانٌ فلانًا: صيَّره عاجزًا. أعجزه: وجَده عاجزًا (الأقرب).

التفسـير:
التقلّب يعني أيضًا السفر بحسب قول الله تعالى في القرآن الكريم لا يغُرَّنَّك تقلُّبُ الذين كفروا في البلاد (آل عمران: 197).. أي لا تكن مغترًّا بأسفارهم التجارية هنا وهناك، فتقول إنهم أصحاب قوة وثراء فكيف يمكن أن يندحروا ويُغلَبوا. ونظرًا إلى هذا المعنى يكون المراد من قوله تعالى أو يأخُذَهم في تقلُّبهم أنه يجب ألا يظن الكفار أن أسفارهم التجارية ستكون مدعاة لقوتهم وشوكتهم، فإن الله تعالى سوف يعذبهم بسبب أسفارهم التجارية نفسها. وبالفعل خاض الكفار معركة بدر دفاعًا عن قافلة تجارية لهم، فذهبت ببدر ريحهم وانكسرت شوكتهم. (السيرة النبوية لابن هشام: غزوة بدر الكبرى).
ومن معاني التقلب التصرفُ، فتعني جملة أو يأخُذَهم في تقلُّبهم أنه تعالى سوف يُخلّ بتصرفهم أي سلطتهم ويُضعِف نفوذَهم. وبالفعل أُخذ أهل مكة بهذا العذاب أيضًا لدى الحديبية حيث رفضت بعض القبائل الكافرة الانضمام إلى صفوفهم، والتحقت بالمسلمين رغم الاختلاف العقائدي، وهي التي تسببت فيما بعد في زحف المسلمين على مكة وفتحها.

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (النحل 48)

شرح الكلمات:
تخوُّف: تخوَّفَ عليه شيئًا تخوُّفًا: خافَه عليه. وتخوَّف الشيءَ: تنقَّصَه. تخوَّف حقَّه: تهضَّمه. “هو يأخذهم على تخوُّف” أي يُصابون في أطراف قراهم بالشر حتى يأتي ذلك عليهم (الأقرب). والتخوف: ظهور الخوف من الإنسان (المفردات).

التفسير:
من معاني التخوف النقصانُ، فتعني الآية أن الله تعالى سيعذب أهل مكة أيضًا بنقصان الأراضي التابعة لهم، حيث تخرج مناطق نفوذهم من أيديهم شيئًا فشيئًا. وهذا ما حدث بالضبط حيث بدأ أهل الأقطار المختلفة من الجزيرة يدخلون في الإسلام حتى قبل فتح مكة.
كما أن التخوف يعنى الرعب، فتعني الآية أنه سوف يعذبهم بعذاب الخوف.. أي أنه سيلقي في قلوب الذين كفروا هيبة المسلمين بحيث تنخلع بها قلوبهم. والحق أن مثل هذا العذاب يكون من الألم بمكان، لأنه يحطّم أعصاب الإنسان ويلقيه في سعير القلق الشديد الذي لا انقطاع له. وقد تعرض المكيون لهذا العذاب أيضًا، فكان رعب النبي وأصحابه يعتصر قلوبهم باستمرار، حيث ورد في الحديث الشريف قولُ النبي : “نُصرتُ بالرعب مسيرةَ شهر” (البخاري: كتاب الصلاة باب قول النبي جُعلت لي الأرض مسجدًا).. أي أن الله قد نصر رسوله بالرعب والهيبة، فحيثما خرج هابَه الناس حتى أولئك الذين يقطنون بعيدًا عنه مسافةَ شهر.
ثم قال الله تعالى فإن ربكم لرءوف رحيم . وذكرُ الرأفة هنا بعد ذكر العذاب يبدو غريبًا لأوّل وهلة، لكن له أسبابًا عديدة: أولها أن الله تعالى حتى في إنزال هذا العذاب المتنوع عليهم قد عاملهم بالرأفة، ولم يصبّه عليهم دفعةً واحدة؛ فقد حذّرهم أولاً بالتخوف أي بنشر الإسلام في المناطق المجاورة لمكة، ثم حصلت اشتباكات بسيطة بينهم وبين المسلمين، ثم انعقد بالحديبية الصلح الذي ذهبت به ريحهم؛ ثم فاجأهم في عقر دارهم لدى فتح مكة. فهذا البطش البطيء كان رأفة ورحمة في حقهم، إذ تيسرت بذلك الهدايةُ لمن كان أهلاً لها، وإلا فلو أراد الله لأهلكهم دفعةً واحدةً.
والسبب الثاني – وهو الأولى عندي – هو أن الرأفة هنا تخص المسلمين وليس الكافرين، والمراد أن عذاب أهل مكة يمثل رأفةً ورحمة بالمؤمنين، لأنه يستهدف إنقاذ المسلمين المضطهَدين من تعذيب أهل مكة وعدوانهم. والدليل على ما أقوله هو أنه لدى ذكر العذاب استخدم القرآن ضمير الغائب، ولكن عند الحديث عن الرأفة والرحمة استخدم ضمير الخطاب.

Share via