الفتنة اشد من القتل ردا على فيلم الفتنة لخيرات فيلدرز

الفتنة اشد من القتل ردا على فيلم الفتنة لخيرات فيلدرز

الدكتور أيمن عودة

طبيب، باحث، كاتب وشاعر
  • إن الفتن التي يقوم بها الغرب من خلال الإساءة للدين الإسلامي يزيد الطين بلة
  • المفاهيم الخاطئة لبعض المسلمين يسيئ للدين الإسلامي
  • الجماعة الإسلامية الأحمدية هي الجماعة الوحيدة التي تسعى لتصحيح المفاهيم الخاطئة عند المسلمين المتعصبين

__

تقـديم:

خلال “فيلم الفتنة” الذي عرضه خيرت فيلدرز عضو البرلمان الهولندي، قام بشن هجوم شرس على الدين الإسلامي الحنيف، بكيل اتهامات شتى ضد القرآن الكريم والتعاليم الإسلامية السمحاء تتلخص بما يلي:

  1. الدين الإسلامي دين إرهابي يدعو إلى قتل جميع غير المسلمين، بدليل احتواء القرآن المجيد العديد من الآيات التي تحض على ذلك؛ قام بعرض خمس آيات منها على الأقل، مشيرا إلى أن هذه الآيات وهذا التعليم القرآني هو السبب الذي يدفع المسلمين للقيام بالعديد من العمليات الإرهابية في العالم.
  2. لا يحترم الإسلام الحريات الفردية، لا سيما الحرية الدينية وحرية التعبير عن الرأي، ولذلك يأمر بقتل المرتد عن الإسلام، وقتل مرتكب جريمة الزنا، ورجم الزاني المتزوج، وكذلك يأمر بقتل المثيلين جنسيا “اللواط”، وقتل من يعترض على الدين الإسلامي مثلما حدث للمخرج السينمائي ثيو فان غوخ.
  3. لا يعترف الإسلام بالديمقراطية واللبرالية، بل يسعى للسيطرة على جميع أنحاء العالم، وفرض الشريعة الإسلامية فيه بالقوة، لذلك يسعى المسلمون إلى تحويل هولندا والدول الأوروبية إلى دولة إسلامية.
  4. 4. القرآن الكريم يظهر عداء كبيرا لليهود بوصفهم قردة وخنازير، وبعض الأحاديث تأمر بقتلهم.
  5. مع الأخذ بعين الاعتبار عدد المسلمين المتزايد بوتيرة سريعة جدا في أوروبا وفي هولندا خاصة، يخلص فلدرز إلى أن الإسلام يسعى لتدمير الحضارة الأوروبية؛ ولذلك من واجب الأوروبيين أن يستيقظوا لقهر الإسلام، مثلما قُهرت النازية والاشتراكية من قبل.

قبل الرد على هذه الاتهامات، ولتوخي الصدق والموضوعية في الحديث، لا بد لنا  من الاعتراف بأن هذه الأفكار التي يعرضها فيلدرز وأمثاله من المعادين للدين الإسلامي الحنيف، يؤمن بها ويعمل على نشرها شريحة من المسلمين المتشددين المتزمتين والمشايخ المتعصبين، الذين فهموا تعاليم القرآن الكريم والنبي محمد بشكل خاطئ، رغم أن هذه الأفكار لا علاقة لها بالقرآن الكريم ولا بتعاليم سيدنا محمد . ولهذا فإننا نؤكد مرة تلو الأخرى، أن هؤلاء المتعصبين الذين أخطأوا فهم الإسلام لا يمكن اعتبارهم ممثلين عن الدين الإسلامي الحنيف، وإن كان هؤلاء يُعدون من علماء المسلمين أو شيوخهم وقادتهم؛ إذ إن غيرهم من العلماء وقطاعات واسعة من المسلمين لا يؤمنون بهذه الأفكار المتشددة، ونخص بالذكر هنا الجماعة الإسلامية الأحمدية التي أسسها حضرة الميرزا غلام أحمد، المسيح الموعود والمهدي المعهود ، وهي منذ تأسيسها وبفضل تعاليمها السامية، تسعى إلى القول والعمل وفق تعاليم مناقضة تماما لهذه الأفكار المتشددة، التي يعرضها بعض مشايخ وعلماء المسلمين، وينتهزها ويستغلها أعداء الإسلام أمثال فيلدرز، من أجل الطعن بالدين الإسلامي وتعاليمه البعيدة كل البعد عن الحقد والكراهية لغير المسلمين ناهيك عن الأمر بقتلهم.

بوجود أمثال هؤلاء المسلمين المتعصبين والمشايخ الناقمين على الغرب، فإننا نؤكد أن تعصبهم هذا ونقمتهم على غير المسلمين، لا يختلفان عن تعصب فيلدرز وأمثاله و عما يكنّونه من عداء وكراهية تجاه المسلمين، فكلا الطرفين ينتميان إلى نفس الخانة ونفس المنطق العدائي

ونحن إذ نعترف منذ البداية بوجود أمثال هؤلاء المسلمين المتعصبين والمشايخ الناقمين على الغرب، فإننا نؤكد أن تعصبهم هذا ونقمتهم على غير المسلمين، لا يختلفان عن تعصب فيلدرز وأمثاله و عما يكنّونه من عداء وكراهية تجاه المسلمين، فكلا الطرفين ينتميان إلى نفس الخانة ونفس المنطق العدائي، بحيث يتوجب علينا وعلى كل محبي السلام والأخوة والألفة والمحبة بين الشعوب وأهل الديانات المختلفة، أن نعمل سويا ونوحد مساعينا من أجل تهميش هذه الفرق المتعصبة في مجتمعنا، فهؤلاء هم المسؤولون عن تعكير صفو مجتمعاتنا، والعيش المشترك فيها بين أتباع الديانات والطوائف المختلفة؛ والعمل المشترك لدحض أفكارهم ومساعيهم الهدامة هو السبيل المنشود من أجل الحفاظ على مجتمعاتنا ونشر السلام فيها.

إن أهم ما نود أن نلفت الأنظار إليه، خاصة أنظار أولئك الذين يؤيدون فيلدرز سرا وعلانية، أن أكبر خطأ يقعون فيه هو “التعميم”، وشمل جميع المسلمين في خانة الاتهامات التي يعرضونها أمام العالم. فوجود بعض الفرق الإسلامية  المتعصبة، والتي تتبنى أفكارا متعصبة وعدائية لغير المسلمين، لا يعطي ذريعة لأي شخص أن يعمّم المشكلة باعتبار جميع المسلمين ينتمون إلى هذه الفرق أو يتبنون أفكارها، فلا بد من اتباع العدل والموضوعية عند التصدي لهذه الفرق.

كما أننا نؤكد منذ البداية، أن المشكلة لا تكمن في الإسلام كدين، ولا في تعاليم القرآن الكريم ولا تعاليم سيدنا محمد ؛ وإنما في الفهم الخاطئ – نعم في الفهم الخاطئ ليس إلا- لهذه التعاليم، خاصة تفسير الآيات القرآنية بشكل خاطئ، وفهم بعض أقوال وأحاديث النبي محمد بما لا يتفق مع تعاليم القرآن الكريم، رغم أن الإسلام والقرآن الكريم بريئان من هذه الأفهام الخاطئة براءة تامة.

كما إننا نؤكد منذ البداية، أن المشكلة لا تكمن في الإسلام كدين، ولا في تعاليم القرآن الكريم ولا تعاليم سيدنا محمد ؛ وإنما في الفهم الخاطئ – نعم في الفهم الخاطئ ليس إلا- لهذه التعاليم،..

لقد وقعت بعض الجماعات الإسلامية بهذه الأخطاء، وهي تعمل على نشرها وتطبيقها فعلا وعملا، وهم لا يدرون أنهم يسيئون للإسلام أكثر مما يسيء له أعداء الإسلام أنفسهم، حيث يقوم هؤلاء الأعداء من مستشرقين وسياسيين ورجال دين، أمثال فيلدرز بعرض هذه الجماعات الإسلامية وآرائها وأفكارها وأعمالها الإرهابية، على أنها هي الإسلام كله، وأنها هي التي تمثل التعاليم الإسلامية والقرآنية والمسلمين جميعهم، وهو تماما ما قام به فيلدرز خلال عرضه لفيلم الفتنة وباقي تصريحاته العدائية للمسلمين.

ونحن أتباع الجماعة الإسلامية الأحمدية  لا ننتظر أحدا من أجل مقاومة هذه الأفكار المتزمتة،  بل نقوم بذلك بأنفسنا -وهذه السطور هي مثال بسيط على ذلك- حيث نحاول بشتى الوسائل الإعلامية، أن ندحض هذه الأفكار الرجعية، ونعمل ليل نهار لعرض التعاليم الإسلامية والقرآنية السمحاء في جميع أنحاء العالم لتنتفع بها هذه الفرق الإسلامية المتشددة ونرشدها إلى الإسلام الحق، الذي يدعو إلى احترام الأديان الأخرى وأتباعها، الإسلام الذي يدعو إلى الحفاظ على الحريات الأساسية للفرد، وعلى رأسها الحرية الدينية وحرية التعبير عن الرأي، الإسلام الذي يدعو لنشر السلام والمحبة والأخوة بين جميع أفراد المجتمع وبين جميع الديانات والطوائف المختلفة، وهذا ما سوف نبينه لاحقا خلال هذه السطور.

وهنا فإننا نؤكد مرة تلو الأخرى للعالم أجمع، وبالأخص لأعداء الإسلام من فيلدرز وغيره، أن أصابع الاتهام في هذه المسألة يجب أن توجه إلى هذه الجماعات الإسلامية الضيقة وقوادها وتصرفاتها وأفكارها الخاطئة، وليس إلى القرآن الكريم أو إلى الإسلام كدين، أو إلى النبي محمد ، وكذلك ليس إلى جميع المسلمين؛ وذلك ببساطة، لأنه ليس من العدل والإنصاف أن يدان الدين ككل، إذا أساء جزء من أتباعه بعض التصرفات بسبب فهمهم الخاطئ لتعاليم دينهم، وهذا مبدأ عام لا أرى أن يعارضه أي عاقل منصف يتحرى العدل والمصداقية في الحكم على أي دين.

وهنا فإننا نؤكد مرة تلو الأخرى للعالم أجمع، وبالأخص لأعداء الإسلام من فيلدرز وغيره، أن أصابع الاتهام في هذه المسألة يجب أن توجه إلى هذه الجماعات الإسلامية الضيقة وقوادها وتصرفاتها وأفكارها الخاطئة، وليس إلى القرآن الكريم أو إلى الإسلام كدين، أو إلى النبي محمد ….

فكما أننا لا يمكننا أن ندين حضرة عيسى ومبادئه السمحاء، بسبب الأعمال الإجرامية التي قامت بها الكنيسة ضد معارضيها -لا سيما اليهود منهم- على مر التاريخ، ولا بسبب الحروب الصليبية التي شنها الأوروبيون ضد المسلمين بتحريض من البابا وباسم الدين المسيحي، ولا بسبب الحروبات التي يشنها أتباع عيسى على الدول الإسلامية في عصرنا الحاضر لأطماع دنيوية ودينية حيث أسماها الرئيس بوش الابن بنفسه بأنها حروب صليبية جديدة، ولا بسبب الاقتتال الديني السياسي الذي ساد في إيرلندا باسم الدين المسيحي بين الكاثوليك والبروتستان، ولا بسبب الأعمال الإجرامية على اختلاف أنواعها والتي يقوم بها العديد من المسيحيين اليوم في مجتمعاتهم، كنشر الرذيلة والقتل والمخدرات وتدمير المجتمعات بطرق أخرى؛ وفي هذا السياق نضرب على سبيل المثال ما يجري في المكسيك – ثاني أكبر دولة كاثوليكية في العالم ويكاد يكون كل سكانها من المسيحيين – من حرب بين الحكومة وعصابات المخدرات؛ فهل بإمكاننا أن نعزو أعمال هذه العصابات الإجرامية إلى حضرة عيسى وتعاليمه؟! كذلك هو الأمر بالنسبة للإسلام، فإذا أساءت بعض الجماعات فهم الإسلام، أو إذا قام بعض المسلمين في هولندا  أو أيّ من البلاد الأخرى بأعمال إجرامية تخريبية تخل بالنظام العام، فلا يمكن أن تُعزى هذه الأعمال أو الأفكار إلى الدين الإسلامي والقرآن الكريم، وعلى فيلدرز وأتباعه أن يعلموا أن هؤلاء المخلين بالنظام لا يعلمون من الإسلام شيئًا، ولو تربوا وفق التعاليم الإسلامية والقرآنية الصحيحة، لما قاموا بما يقومون به من أعمال مخلة بالنظام ومنافية للقانون، ونحن المسلمين أول من يشجب ويدين هذه الأعمال الإجرامية.

كما أنه لا بد أن نشير إلى أن أغلب هذه الحوادث المخلة بالقانون تقف وراءها  مشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية لا تمت إلى الإسلام بصلة، منها الفقر والبطالة والمستوى الثقافي المتدني والتفرقة العنصرية؛ وما على فيلدرز وأتباعه إلا أن يشخصوا هذه الأمراض الاجتماعية والعمل على تحسين أوضاع هؤلاء المخلين بالنظام من أجل منعهم من الإخلال بالنظام العام، بدلا من القيام بحملة عدائية ضد الدين الإسلامي والمسلمين. فهذه الحملة العدائية أصبحت من أهم الأسباب لإثارة مشاعر هؤلاء المسلمين في هولندا، مما  قد يزيد من رغبتهم في الانتقام والإخلال بالنظام؛ وإذا استمر فيلدرز وأعوانه في عملية التحريض هذه ضد المسلمين، فعليهم أن يعرفوا أنهم مسؤولون عن تأجيج هذه الفتنة، وإثارة مشاعر المسلمين، وحث بعض الأشخاص من المسلمين على زيادة الأعمال الانتقامية والإجرامية.

كذلك لا بد من تذكير فيلدرز وأتباعه أن ما ينتقدونه من أعمال غير قانونية يقوم بها بعض الأشخاص المنتمين إلى الدين الإسلامي، يقوم بأسوأ منها بعض الهولنديين أو الأوروبيين؛ وهنا نذكرهم بما حدث من عملية دهس في يوم الاحتفال بعيد الملكة في “أبلدورن” سنة 2009، وكذلك عملية إطلاق النار في “ألبين أن دي راين” في شهر نيسان من هذه السنة، والتي ذهب ضحيتها سبعة أشخاص وعدد آخر من المصابين، وكذلك العملية الإرهابية في النرويج في 22 حزيران من هذه السنة والذي ذهب ضحيتها 87 شخصا، فهل كان منفذو هذه العمليات من المسلمين؟! وهل بإمكاننا أن نتهم كل الأوروبيين والمسيحيين بالإرهاب بسبب هذه الأعمال الإجرامية ؟!

قد يكون من الممكن أن نحمل فيلدرز وفرقته فقط، مسؤولية بعض هذه الأعمال، كتلك التي حدثت في النرويج، باعتراف منفذ العملية أنه استمد فكره العدائي من فكر فيلدرز نفسه، أما أن نحمل كل الهولنديين والأوروبيين مسؤولية هذه الأعمال، فهذا ما لا يتفق مع العدل والموضوعية. فالفكر العدائي والفرق التي تتبناه والتحريض على الكراهية هو ما يجب أن يدان ويقاوم بالوسائل الشرعية القانونية.

خلاصة الكلام في هذه المقدمة، أن العمليات الإرهابية والإجرامية المخلة بالنظام العام، ليست حكرا على المسلمين، بل نجدها في كافة المجتمعات وكافة الديانات، حتى المسيحية واليهودية، فلماذا يُدان الإسلام كدين ونبي الإسلام كمؤسس لهذا الدين عندما يكون منفذو هذه العمليات من المسلمين، بينما لا تدان الأديان الأخرى عندما يكون منفذو هذه العمليات من المنتمين إليها؟! ألا يدل هذا على التعصب والحقد والكراهية العمياء، الذي يكنّه فيلدرز وأتباعه للديانة الإسلامية والمسلمين؟!

بينما لا تدان الأديان الأخرى عندما يكون منفذو هذه العمليات من المنتمين إليها؟! ألا يدل هذا على التعصب والحقد والكراهية العمياء، الذي يكنّه فيلدرز وأتباعه للديانة الإسلامية والمسلمين؟!

بعد هذه المقدمة، نقوم من خلال السطور التالية بالرد على الاتهامات التي يشنها فيلدرز وأعوانه على الدين الإسلامي حسب ما جاء في فيلم ” الفتنة” و تصريحات أخرى له؛ لنثبت أن المشكلة لا تكمن في الدين الإسلامي، ولا في التعاليم القرآنية بل في الفهم الخاطئ لبعض المسلمين كما أسلفنا. (يُتبع)

Share via
تابعونا على الفايس بوك