الاضطهـــاد والمعـانـاة

الاضطهـــاد والمعـانـاة

الأستاذ المرحوم مصطفى ثابت

السيرة الطاهرة (8)

في عام 1890 كتب سيدنا أحمد كتابين: “فتح الإسلام” و”توضيح المرام”، ثم أضاف إليهما كتابه الثالث: “إزالة الأوهام”. ونُشرت الكتب الثلاثة باللغة الأردية في بداية عام 1891. وقد أوضح في هذه الكتب الثلاثة حقيقة دعواه التي أعلنها، وبيَّن فيها أنه هو الإمام المهدي المنتظر، وأنه المسيح الموعود به للأمة، الذي أخبر رسول الله بمجيئه في آخر الزمان.

وهناك الكثير من الروايات التي تضمنتها كتب الحديث، والتي تقدم لنا علامات متضاربة وأوصافا كثيرة متباينة للمهدي المنتظر والمسيح الموعود. وقد اعتبر علماء الجرح والتعديل.. الذين تخصصوا في دراسة الأحاديث وتصنيفها.. معظم تلك الروايات من الأحاديث الضعيفة أو الآحاد التي لا يصح أن تُبنَى عليها عقيدة. وأما القلة التي ثبت صحتها من تلك الأحاديث فيمكن تلخيص مضمونها باختصار فيما يلي:

أولا: إن ظهور المهدي والمسيح سيتم في آخر الزمان.

ثانيا: إنهما لن يكونا شخصين منفردين بل هو رجل واحد، وإنما ستكون له مهمة تختص بالمسلمين فهو بالنسبة لهم المهدي المنتظر، وله مهمة أخرى تختص بأهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن شابههم، فهو بالنسبة لهم المسيح الموعود.

ثالثا: إن مهمته بالنسبة للمسلمين هي إصلاح أحوالهم وإزالة الخلافات الدينية من بينهم، ودعوتهم إلى الإسلام الصحيح الذي لا تشوبه شوائب الروايات الإسرائيلية والتفاسير المتناقضة، وهو يدافع عن الإسلام وعقائده الصحيحة ضد جميع أعدائه، وينشره في جميع أنحاء الأرض، فتمتلئ الأرض قسطا وعدلا كما مُلئت ظلما وجورا، وبذلك يتم تحقيق نبوءة القرآن المذكورة في سورة التوبة:

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (التوبة:33)

رابعا: إن مهمته بالنسبة لأهل الكتاب هي أن يهدم العقيدة الأساسية الباطلة عند اليهود والنصارى.. وهي عقيدة أن المسيح قد مات موت اللعنة على الصليب؛ فمن وجهة النظر اليهودية لأنه كان.. والعياذ بالله.. كذابا دجالا مفتريا على الله، ومدّعيا زورا وبهتانا أنه المسيح الموعود به لليهود في التوراة، وبذلك استحق أن يموت على الصليب حسب شريعتهم فصار بذلك ملعونا. ومن وجهة النظر المسيحية.. أنه مات على الصليب موت اللعنة وصار ملعونا لكي يفدي الناس بدمه من لعنة الله عليهم. وهذه هي عقيدة الكفارة المسيحية التي أدت إلى عقيدة التثليث، وكلتاهما افترتهما الكنيسة وألصقتهما بتعاليم السيد المسيح. وهذا معنى أنه يكسر الصليب كما جاء في الأحاديث.. أي يحطم الأساس الذي تقوم عليه هذه العقيدة الباطلة. إذ لو ثبت لليهود أن عيسى لم يمت على الصليب، لكان هذا دليلا على صدقه وأنه كان فعلا المسيح الموعود به لهم. وإذا ثبت للمسيحيين أنه لم يمت على الصليب، فمعنى هذا أنه ليست هناك كفارة ولا خطية متوارثة لا يمكن أن تُغفر إلا إذا تجسّد الإله الأب أو الإله الابن لكي يموت ويغفر بدمه الخطية.

وحينما أعلن سيدنا أحمد عن دعواه.. كانت تنتشر بين فئات المسلمين الكثير من العقائد التي تسربت إليهم عن طريق المسيحية، وصارت.. بمضي الزمن.. جزءا لا ينفصل عن أفكار عامة المسلمين. ومن بين تلك الأفكار أن سيدنا عيسى بن مريم لم يتوفه الله تعالى كما توفى سائر الأنبياء، وإنما أخذه بجسده العنصري إلى السماء، وأنه سينـزل منها بنفسه في آخر الزمان. وقد أوضح سيدنا أحمد .. بتوجيه من الله تعالى.. فساد تلك العقيدة، وبيّن خطأها بأدلة من القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول ، حتى إنه قلما يوجد اليوم من بين علماء الدين المتنورين، أو من بين فئات المسلمين المثقفين ثقافة دينية صحيحة، من يتمسك بتلك الأفكار. ولكن حينما ظهر سيدنا أحمد على مسرح الأحداث، كان المسلمون يعتقدون اعتقادا راسخا أن المسيح قد صعد حيا إلى السماء، وأنه لم يمت، بل لم يُعلق على الصليب، ولكن الله ألقى شبهه على شخص آخر، وأن ذلك الشخص الآخر هو الذي وُضع على الصليب باعتباره السيد المسيح.

وعلى هذا فقد تصادمت تلك الأفكار السائدة بين الناس في ذلك الوقت مع ما أعلنه سيدنا أحمد من وفاة المسيح عيسى بن مريم وعدم عودته شخصيا أو نزوله من السماء بشخصه في آخر الزمان. وأوضح أن المقصود من نزول المسيح هو مجيء رجل يشابهه في الفضل فيُطلق عليه اسمه مجازا، وأنه -أي مرزا غلام أحمد- هو ذلك الرجل الذي تحققت في شخصه نبوءات رسول الله عن نزول المسيح الموعود به للأمة الإسلامية.

وهكذا أثارت دعوى سيدنا أحمد بأنه هو المهدي والمسيح.. معارضة شديدة بين الناس.. تماما كما تحدث المعارضة دائما كلما جاء مبعوث من عند الله. وتصدّى له علماء الدين في زمنه مثلما تصدّى علماء بني إسرائيل للمسيح . وهاج وماج علماء الدين بقيادة المولوي محمد حسين البطالوي، الذي كان إلى عهد قريب من أشد المعجبين به، والمؤيدين له بحماس شديد، ولكن تحوّل الأمر.. واتفقوا بما يشبه الإجماع على أن سيدنا مرزا غلام أحمد.. والعياذ بالله.. كافر وخارج عن الإسلام. وصاروا يسبّونه بأقذع الألفاظ، ويسوّدون المقالات في التهجم عليه والسخرية منه، وأعلنوا الفتاوى بارتداده عن الإسلام، بل إن بعضهم أفتى بقتله وإهدار دمه، وأعلنوا أن من يغتاله ويسفك دمه فإنه سيذهب مباشرة إلى الجنة، حيث إن ذلك القاتل.. في زعمهم.. قد قام بعمل جليل، وحقق انتصارا عظيما، وقدّم خدمة كبيرة للإسلام!!

وبهذا بدأ عهد الاضطهاد والمعاناة. فقد سخر الناس منه ومن أتباعه، واعتبروهم كفارا مُرتدين خارجين عن الإسلام. وقدحوا في شأنهم، وطعنوهم كل مطعن، وألصقوا بهم كل مثلبة، ورموهم بكل نقيصة، حتى إنهم قاطعوهم مقاطعة تامة، وفرّقوا بين المرء وزوجه، ومنعوا زواجهم من بناتهم، وطردوهم من المساجد، ومنعوهم من الصلاة فيها، أو الاشتراك معهم في الصلاة، أو الصلاة خلف أئمتهم. ووصل الأمر إلى أنهم منعوا موتاهم من أن يُدفنوا في مقابر المسلمين، بل إنهم انتهكوا حرمة المقابر، فنبشوها وأخرجوا منها جثث الموتى الأحمديين، ورموها في العراء للكلاب، حتى لا تدنس موتاهم حسب زعمهم.

ولم يسلم مؤسس الجماعة من حملة التضليل والإرهاب تلك، إذ حاول علماء المسلمين أن يؤلبوا عليه الحكومة البريطانية، وحذروا السلطات من دعواه التي يقول فيها بأنه الإمام المهدي المنتظر، ونصحوها بأن تقضي عليه وعلى أتباعه قبل أن يستفحل خطرهم ويعظم أمرهم، فيكونون للإمبراطورية البريطانية مصدر خطر وفساد، كما كان محمد أحمد المهدي الذي ظهر في السودان في ذلك الوقت والذي حارب جنود الإمبراطورية البريطانية هناك حتى انتهى الأمر بهلاكه.

هذا ما كان من أمر مجريات الأمور في الأوساط الإسلامية، أما في الأوساط غير الإسلامية.. فقد كان هناك ابتهاج وفرح عظيمين، فها هم يرون بطل الإسلام المغوار.. الذي تحدى جميع المخالفين والمعارضين للإسلام.. وألزمهم الحجة وأخرس ألسنتهم التي كانت تتهجم على الإسلام.. ها هو يقع فريسة لهجوم المسلمين أنفسهم. وسرعان ما أخذ هؤلاء يصطادون في الماء العكر، ويؤلبون المسلمين ضد مرزا غلام أحمد وضد جماعته. وبعد أن كانوا قد لاذوا بجحورهم، كما تلوذ الجرذان المذعورة عند رؤية القط المفترس.. بدأ هؤلاء يخرجون من جحورهم مرة أخرى، ويطلقون ألسنتهم في التهجم على الإسلام. وكان أكثر هؤلاء خطرا هم طائفة الهندوس من الآرية وطوائف المبشرين المسيحيين.

أما الهندوس.. فقد كانوا في هجومهم على الإسلام وعلى سيدنا مرزا غلام أحمد وعلى جماعته.. يتميزون بالوقاحة والبذاءة والفحش، متخذين في ذلك نفس الأساليب التي كان يتبعها المولويون المسلمون ضد سيدنا أحمد وجماعته.

وأما المبشرون المسيحيون فقد كان أسلوبهم يتسم بالخبث والدهاء والتخطيط والتدبير. فقد أدركوا أنهم إذا سمحوا لدعوة مرزا غلام أحمد أن تنتشر بين الناس، فسيكون في ذلك القضاء على المسيحية وعقائدها، وسينتهي الأمر بكسر الصليب فعلا الذي تقوم عليه عقيدة الكفارة.. وهي قوام المسيحية وعمودها الفقري، وبذلك تنهار عقيدة التثليث، ويذهب كل عملهم وجهودهم ومخططاتهم لتنصير الهند أدراج الرياح. ولذلك.. فقد دبر هؤلاء المبشرون المسيحيون الخطط، واتخذوا الحيل، لكي يظهروا أمام الملأ بأنهم غير مكترثين بأقوال مرزا غلام أحمد. وأوزعوا إلى من استطاعوا أن يخدعوهم من المسلمين.. وحتى من بين علماء المسلمين.. الذين تركوا الإسلام وانضموا إلى المسيحية، إما طمعا في منصب، أو حبا في التشبه بالإفرنجة، أو رغبة في التخلص من الجذور الإسلامية.. المتخلفة في زعمهم.. والانتماء إلى حضارة أوربية دخيلة رأوها تفوق حضارتهم المحتضرة، أو لأي سبب آخر، فراحوا يلعقون أحذية المبشرين المسيحيين ويطلبون رضاهم، فباعوا آخرتهم بدنيا فانية، وباعوا دينهم بثمن بخس، فاستغلهم هؤلاء القساوسة، وراحوا يُوزِعون إليهم أن يتهجموا على شرف الإسلام، وشرف نبيه الأكرم . وقد أثبت هؤلاء المتنصرون.. أنهم الخدام المخلصون لأسيادهم المبشرين المسيحيين، فكتبوا الكتب.. ونشروا المقالات.. وسوّدوا صحفهم بالطعن والثلب والقدح في شأن سيدنا غلام أحمد وفي حق جماعته. ووصل بهم الأمر إلى أنهم تآمروا مع أسيادهم.. وأولياء نعمتهم.. من المبشرين المسيحيين، فنسبوا التهم المزوّرة لسيدنا أحمد، وجروه أمام المحاكم البريطانية، أملا في أن يثبتوا عليه جرما لم يرتكبه، ومحاولة للتخلص منه.. ولو باستغلال القانون ضده. ولكن.. في كل مرة كان الله تعالى يُظهر براءته، وكان يُحقق .. بعزته وجلاله وقدرته.. كل ما سبق أن أوحاه إليه من أمور تتعلق ببراءة ساحته من كل جُرم حاولوا إلصاقه به. وكان سيدنا أحمد ينشر على الملأ ما يوحي به الله تعالى إليه بشأن براءة ساحته، قبل أن تصدر الأحكام مخيبة لآمال أعدائه، ومحققة لبراءته، ومؤكدة على صدق الوحي الذي يتلقاه من الله تعالى، والذي كان يقوم بنشره مسبقا على رؤوس الأشهاد. وسوف نتعرض لكل ذلك فيما بعد.

وأما الآن.. فنود أن نعرض لمحاور الخلاف الرئيسية بينه وبين أولئك الذين أقاموا عاصفة شديدة من المعارضة والتكفير والتشهير. وتتلخص محاور الخلاف في النقاط التالية:

أولا: ما إذا كان المسيح عيسى بن مريم قد مات موتة طبيعية على هذه الأرض، كما يؤكد على ذلك سيدنا أحمد ، أم أنه صعد حيا إلى السماء بحسده المادي العنصري، كما يؤكد على ذلك أعداؤه؟

ثانيا: ما إذا كان الرسول باعتباره خاتم النبيين، حسب ما جاء في سـورة الأحـزاب (41:33)، قد منع مجيء أي نبي على الإطلاق في الأمة الإسلامية، حتى ولو كان هذا النبي من أتباعه ومن خدامه وليس إلا ظلا له، ومرآة لفضله وإحسانه، كما كان يؤكد على ذلك سيدنا أحمد عن نفسه.

ثالثا: ما إذا كان سيدنا أحمد صادقا في دعواه.. من أنه يتلقى الوحي غير التشريعي من الله تعالى، وأنه كان نبيا تابعا من أتباع سيدنا محمد ، وأنه لم يبلغ تلك المرتبة إلا بفضل طاعة الله وطاعة رسوله.

 

Share via
تابعونا على الفايس بوك