- ما مدى تأثير نوعية الغذاء على الوظائف الفكرية والقوى النفسية للإنسان؟
- كيف يُميز المصطلح القرآني والفقهي بين المحرمات بذاتها والمنهيات لعلل أخرى؟
- ما دلالة تخصيص سورة في القرآن باسم “المائدة” وأخرى باسم “النحل” في سياق ثقافة الطعام؟
___
قل لي ماذا تأكل، أقل لك من أنت
الإنسان لم يخلق مجرد آكل، وإنما أيضا خُلِق مختارا ما يأكله وكيف يأكله. وكلما ازدادت عملية الاختيار تلك وضوحًا كلما ارتقت الإنسانية بوجه عام على سلم التحضر السلوكي، وقد بلغ هذا التحضر أوجه بمبعث الإنسان الكامل، ونزول الشريعة الكاملة التي وضحت ما لا ينبغي أكله وما ينبغي، وما لا يليق أكله وما يليق، بل ومتى وكيف أيضا يمكن أكل ما يليق. وقد أضحى واضحا الآن أن ما يأكله المرء يحدد مستواه الحضاري دون أدنى شك. وغير خاف الآن عن العامة ناهيك عن خواص المثقفين مدى تأثير نوعية الغذاء وطريقته في طبيعة المخلوق المتغذي، حتى إننا نسمع كثيرا في هذه الأيام عبارات ذات معنى ومغزى عميق مثل «قل لي ماذا تأكل، أقل لك من أنت». وإن أنماط الحياة على كوكبنا محدودة بأنماط الغذاء، وقد هدى الخلاق العليم كل نمط حيوي إلى نمط غذائه الذي يضمن بقاءه واستمراريته.(1)
وقد بلغ موضوع نوعية الغذاء وطريقة التغذية مبلغا عظيما، وكان من الأهمية بحيث كان من الموضوعات المطروحة على مائدة التحليل والتحريم، لقد بلغ الأمر من الأهمية بحيث نزلت سورة مباركة تحمل اسم «المائدة»، المطلع عليها يلمح إشارات عدة لموضوع الغذاء في مناسبات مختلفة.
باختصار، فإن نوعية الغذاء وطريقته يُعدَّان محددين رئيسيين لشخصية المتغذِّي وطِباعه وأخلاقه. ولحضرة المسيح الموعود كلام مسهب في هذه القضية، نعرض إلى شيء من مقتبساته يقول فيه: «تثبت لنا التجارب أن الأغذية المتنوعة تؤثّر أيضا في الوظائف الفكرية والقوى النفسية دون شك. انظروا مثلا إلى الذين لا يأكلون اللحوم أبدا.. كيف تضمحل فيهم قوة الشجاعة شيئا فشيئا حتى إنهم يصبحون جبناء للغاية، وهكذا يفقدون قوة محمودة هي إحدى مواهب الرحمن! ونجد على ذلك شاهدا آخر من السُنة الإلهية الجارية في الحيوانات التي تقتات على الأعشاب، إذ لا يوجد من بينها حيوان واحد له مِثلُ شجاعة الحيوان الذي يتغذى باللحوم. وهذا هو المشاهَد أيضا في الطيور. فلا شك إذًا أن الأغذية تؤثر في الأخلاق تأثيرا عظيما.»(2)، وهذا الأمر بات من المسلم به علميا وطبيا في هذا العصر، وإن لم تتخذ الإنسانية بعد منهجا قويما في تحديد ما يليق أكله وما لا يليق، ولكنها لا محالة ستدرك شيئا فشيئا ذلك المنهج حين تتخذ الطريق الوسط، والمُبين في قوله تعالى:
لا تحريم إلا بنص
إن مبدأ التحليل أو التحريم في الإسلام هو أن كل ما لم تحرمه الشريعة يعتبر حلالاً، وهذا مبدأ قديم قدم الفقه الإسلامي، حيث قيل «لا تحريم إلا لما ورد فيه نص»، وزاد المسيح الموعود هذه القضية بيانا بقوله: «الأصل في الأشياء الحل. ولا يكون حراماً إلا ما ورد بالدليل القطعي في نص شرعي.»(4)
وها هو التشريع الإلهي ينص على:
فهذه الأشياء الأربعة المذكورة في القرآن الكريم هي حرام على وجه القطعية والتخصيص، غير أننا نجد أيضا أقوالا للنبي الكريم ﷺ نهى فيها عن استهلاك بعض الأشياء الأخرى، لعلة غير علة التحريم، من هذه الممنوعات على سبيل المثال ما ورد في رواية عَنِ ابْنِ عُمَرَ
أكُلُّ منهي عنه حرام؟!
في بيان موجز لسيدنا الخليفة الخامس، حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) عن فلسفة الشريعة في تحريم بعض الأطعمة، قال حضرته: «ينبغي أن نتذكر أن الشريعة الإسلامية حرمت استهلاك نوعين من الأشياء. أولاً، ما حرم وثانياً، ما منع. رغم أن مصطلح الحرام يشمل كلا النوعين لغوياً، إلا أن القرآن الكريم لم يحرم إلا أربعة أشياء جاء بيانها في قوله تعالى:
وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به. ثم هناك أشياء أخرى منع استهلاكها تندرج تحت ما هو ممنوع، لكنها لا تعد حراماً حسب المصطلح القرآني»(7)..
وهذه التعاليم الشرعية فيما يتعلق بدرجات التقييد بين الحرام لذاته، والممنوع لغيره، لا تتعارض مع هذه الآية أو أي من الآيات الأخرى. وكما أن هناك عدة أنواع من الأوامر – بعضها فرض، والبعض الآخر سنة – هناك أيضاً عدة درجات من النهي: النهي المحرِّم (بكسر الراء) والنهي المانع والنهي التنزيهي. وهكذا فإن هناك أربعة أشياء محرمة والباقي ممنوع معظمه يندرج تحت النهي التنزيهي، أي يستحسن الابتعاد عنه. والعلاقة بين الحرام والممنوع هي نفس العلاقة التي بين الفرض والواجب. وبالتالي فإن ما حرم في القرآن الكريم حرم تحريماً صارماً، في حين أن ما نهى عنه النبي الكريم ﷺ أقل صرامة نسبياً، وله علة بعيدة عن علة التحريم، وهي علة قد تتعلق بالبيئة وحاجة المجتمع والاقتصاد أو الصحة العامة، فحين ينهى طبيب الأمراض الباطنة مريض السكر عن تناول الحلوى أو التمر، فإن هذا النهي لا يعني أبدا أن الحلوى والتمر وقعا في المحرمات، والعياذ بالله، ضمن قائمة المحرمات، إنما نقول أنهما واقعان ضمن قائمة المنهيات، نظرا إلى ما تقتضيه حال ذلك المريض، فليس كل حلال طيبا، كما أنه ليس كل منهي عنه حراما، وهنا يبدو بوضوح أحد مظاهر مرونة شريعة الإسلام وصلاحيتها.
ويبسط سيدنا المصلح الموعود (رضي الله عنه) الحديث في هذه القضية، فيذكر أنَّ الأوامر الشرعية بشكل عام تنقسم إلى فرض وواجب وسنة، الحرام مثل الفرض، بينما يشبه الممنوع الواجب. وكما أن الفرق بين الفرض والواجب يتحدد بالعقوبة التي تفرض لانتهاكهما، بالمثل، إذا كان لشخص ما أن يستهلك ما حرَّمه القرآن الكريم، فإن العقوبة ستكون شديدة ولا شك. وبالإضافة إلى ذلك، إذا أقدم المرء على استهلاك الأشياء التي حظرها النبي الكريم ﷺ، فإن المرء سيمنى بعقوبة أخف نسبياً. ومع ذلك، فإن كلا الانتهاكين يعاقَب عليهما، ومن شأنهما أن يجلبا سخط الله تعالى.
عندما يتناول المرء حرامَا، فإن ذلك يؤثر على إيمانه، والنتيجة المؤكدة هي الخطيئة. أما استهلاك أشياء أخرى فلا يؤدي ذلك بالضرورة إلى الخطيئة ونقص في الإيمان. فهناك بعض الطوائف المسلمة مثل المالكيين الذين يعلنون بتفسيرهم أن هذه الأشياء مسموح بها فيأكلونها. ولا يؤثر ذلك على إيمانهم، فلا يشيع الكفر ولا الخطيئة بينهم. بل كان من بينهم في الماضي بعض أولياء الله. لكن لن يجد المرء أي ولي لله يأكل الميتة أو لحم الخنزير.
«إن الحرام درجات. كل ما سوى المحرمات الأربعة تلك أشياء ممنوعة يشار إليها شعبياً على أنها حرام. إلا أنها ليست كذلك بالمعنى القرآني للحرام.(8)
وفي معرض إجابته على العديد من القضايا اليومية، تحدَّث سيدنا الخليفة الخامس (نصره الله) عن هذا الأمر فقال: «قيل لنا أن نأكل ما هو طيب، بمعنى أنه في كل مكان وكل أمة، يجب على الناس أن يأكلوا ما يعتبر طيباً ونقياً وما يستهلكه النبلاء والمتحضرون. ومن الضروري أن نضع في اعتبارنا جميع الاستثناءات التي ذكرت من قبل أثناء القيام بذلك. قد لا يكون هناك أي اعتراض ضد أكل لحوم الببغاوات، لكنني لا آكلها لأن شعب بلدنا الكريم لا يفعل ذلك.» (9)
يبدو هذا المشهد وكأنه نسخة مطابقة لأحد مشاهد السيرة النبوية المطهرة، حين
آيات «النحل» الثلاث تلخص القضية برمتها
من قبيل اللطائف التي نُهدى إليها حين نكون في حضرة القرآن المجيد فك شفرة الأمثال المضروبة، وهنا نحن بصدد الحديث عن سورة النحل، ونتأمل في سر تسمية سورة كاملة باسم هذا المخلوق ضئيل الحجم، فحتى إذا كانت النحلة عظيمة النفع للإنسان خاصة وللكوكب عامة، فإن هذا لا ينفي وجود كائنات أخرى كثيرة تضاهي النحلة نفعا وفائدة، غير أن اختصاص سورة من سور القرآن الكريم باسم «النحل» فيه إشارة عظيمة إلى أن النحلة نموذج روحاني للإنسان المؤمن، فكما أن النحلة لا يستقر بها المقام إلا على طيب، ولا تفرز إلا طيبا، فكذلك المؤمن، لا يستقر به مقام إلا في مجلس يُذكر فيه اسم الله، ولا يضع في فيه إلا طيب الطعام والشراب، ولا يخرج من فيه إلا طيب الكلام.. وإذ نحن هنا بصدد الحديث عن الطعام، فهلموا لنقرأ الموضوع من منظور آيات سورة النحل، حيث يقول تعالى:
الهوامش:
1 – حاجتنا إِلى الطعام، وَفلسفة الغذاء والصيام، مجلة التقوى، يونيو 7102
2 – مرزا غلام أحمد القادياني فلسفة تعاليم الاسلام، الترجمة العربية، ص9، الطبعة الثالثة 1102م
3 – (الأَعراف: 23)
4 – مرزا غلام أحمد القادياني، الملفوظات، المجلد 2، ص 474
5 – (الأَنعام: 641)
6 – صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر
7 -إجابات على القضايا اليومية – الجزء الثاني
8 – مرزا بشير الدين محمود أحمد، التفسير الكبير، المجلد 2، ص 194
9 – نفس المرجع (7)
10 – صحيح البخاري، كتاب الأطعمة
11 – (النحل: 511-711)