- فكيف تُفند الأدلة العلمية والباثولوجية الحديثة القول بـ “الاستهلاك الآمن أو المعتدل” للكحوليات؟
- وما هي الآليات الحيوية التي تجعل من الكحول مادة مسرطنة ومسببة لتلف الأنسجة والحمض النووي؟
- لماذا يختلف تأثير استهلاك الكحول وضراوته بين النساء والرجال من الناحية الإدراكية والصحية؟
___

لا يولد أحد سكيرًا، ففطرة الله التي فطر الناس عليها تأبى هذه العادة السيئة أصلاً، فتعاطي الخمر إذن عادة مكتسبة بامتياز، اللهم إلا في بعض الحالات التي يرث فيها الإنسان هذا الميل بولادته لوالدين من ذوي التاريخ الطويل في الإدمان. وتعتبر خاصية إذهاب العقل وتغييب الوعي أبرز خواص المواد المخدرة عمومًا وعلى رأسها الخمر، وهي الخاصية التي من أجلها يتم تعاطي هذا السّم. ولا بد من وجود دافع حقيقي يدفع المرء إلى الإقدام على تعاطي الخمر ومن ثم إدمانها، هذا الدافع يتمثل في كافة المشاعر السلبية التي تحيق بالإنسان والتي لا يملك إزاءها خيارًا سوى الهرب، كاليأس أو الإحباط أو الجزع أو الغضب أو، أو، أو… فالقائمة تطول.
هذا وقد أخذت تبرز أسباب أخرى من أجلها يقدم الناس على تعاطي الخمر، فمن المفارقات المضحكة المبكية في آن أن المجتمعات الغربية التي يُفترض أنها المجتمعات الأكثر تحضرا، هي نفسها التي يتفشى فيها تعاطي المخدرات بأنواعها، إلى درجة أن عدم اشتراك الحاضرين في ممارسات شرب الكحول يمثل في نظر البعض هناك مظهرا لسوء الأدب. من جملة المفارقات تلك أن المجتمع نفسه الذي يرفض زواج الأقارب بدعوى أنه يشكل خطرًا على الصحة الإنجابية لا يرى أية غضاضة في السماح بشرب الكحول، بل لقد خطت خطوة أبعد من هذه حين قُنِّنَت مخدرات أشد سمية كالأفيون والماريغوانا، وعلى الرغم من هذا التقنين، فإنه لم يجعل من تعاطي الكحوليات والمخدرات ممارسة آمنة، فمن المعلوم أن الكحول وحدها تُعد السبب وراء وفاة ثلاثة ملايين شخص حول العالم سنويا، ومعدل الوفيات هذا يفوق معدل الوفيات جراء سرطان الرئة و«الإيدز» معًا، وعلى الرغم من تلك الحقائق والأرقام فإن كبار الساسة الإصلاحيين لا يلقون بالاً بهذا الصدد، والسبب راجع ببساطة إلى ضلوع يد التجارة في الأمر. نعم، فاستثمارات صناعة وتجارة الكحوليات وحدها على سبيل المثال تقدر بالمليارات إن لم نقل بالتريليونات، أما المخدرات الأخرى فحدث عنها ولا حرج! ولم يعد هذا الأمر من الأمور الغريبة، إذا يبلغ إجمالي ما يتم إنفاقه على المخدرات 800 مليار دولار سنويا، بتعبير آخر يمثل حجم تجارة المخدرات حوالى 8% من حجم التجارة العالمية. أما في الاتحاد الأوربي فقد تخطى حجم تجارة المخدرات حاجز المائة مليار دولار، وعلى سبيل المثال لتقريب الصورة تبلغ العوائد المالية التي يتم حصدها من مخدر “الكوكايين” وحده أكثر من 85 مليار دولار. فمع هذه الإحصائيات الهائلة والمبالغ الطائلة لا يبقى شك في كنه الشيطان الواقف خلف هذه التجارة.(1)
خدعة تعاطي الكحول بـ “اعتدال”
رغم المعرفة العامة بأضرار الكحول يبقى ارتباطه بالسرطان من الجوانب التي لا تحظى بالتقدير اللازم. لذا سوف نركز في هذا المقال على آثار تعاطي الكحول والسرطان. لقد بينت دراسات علمية قوية خطورة الكحول حتى عند تناوله بجرعات خفيفة ومتوسطة، ودوره في الإصابة بسرطان البلعوم والحنجرة والمريء والكبد والثدي والقولون(2). في عام 2012، عُزِي ما يقرب من 6٪ من جميع الوفيات المرتبطة بالسرطان و5.5٪ من جميع حالات الإصابة بالسرطان إلى الكحول.(3)
وتدعم الأدلة الباثولوجية القول بأن الشرب اليومي، حتى لو كان بكميات ضئيلة، يضر بصحة المرء وأن مجرد استهلاكه يساهم في خطر الإصابة بالسرطان.(4) فتناول الكحول حتى بتلك النسبة المعتدلة، وإن كان تعبير الاعتدال يضاعف خطر الإصابة بسرطان الفم والبلعوم؛ ويتضاعف هذا الخطر بأكثر من خمسة مرات عند من يسرفون في احتساء الكحول.(5) ومؤخرا نشر الصندوق العالمي لأبحاث السرطان AICR تقريرا مفاده أن الإقلاع بشكل نهائي عن شرب الكحوليات عامل هام للوقاية من السرطان، فإن كان لا محالة من شربها فلتحدد الجرعة بمرتين للذكور ومرة واحدة للإناث. (6) لقد تضمنت تفاصيل تقرير AICR اعترافا خطيرا، وعلى شاكلته قدمت لجنة الوقاية من السرطان التابعة للجمعية الأمريكية للأورام السريرية ASCO اقتراحا بأن تقف الجمعية موقفاً مسؤولاً ونشيطاً للحد من الاستهلاك المفرط للكحول.
هل الكحول مادة مسرطنة؟!
الحمض النووي لبنة بناء جسم الإنسان واختلال تركيبه هو السمة الأبرز في مرض السرطان. إن تعاطي الكحول يضر بالأنسجة من خلال عدة آليات بما في ذلك الإجهاد التأكسدي (اختلال التوازن بين المركبات الهامة في الجسم مما يؤدي إلى تلف الأنسجة) والالتهاب وتشكل مركبات ضارة مثل الأسيتالدهيد أو الإيثانول، وهذه تؤدي إلى انخفاض في وظائف الحاجز الواقي، وضعف بناء الأنسجة، وزيادة في انهيار الأنسجة، وتفعيل دوران الخلايا (التقشر) وإصابة الميتوكوندريا (مراكز إنتاج الطاقة في الخلية الحية)(7). فهناك إذن علاقة واضحة وضوح الشمس التي لا يمكن إخفاؤها بغربال بين كمية الكحول المستهلكة والسرطان. فالكحول يساهم مهما كانت كمية تعاطيه في تطور مرض السرطان. لقد قدمت الدراسات الأدلة على ذلك، وتعود مسؤولية تقييم هذه الأدلة بعقلانية وتكوين رأي مستنير إلى الناس. فهم أحرار في اختيارهم قبول الأدلة أو رفضها ومواجهة العواقب. ويبدو أن الشباب المطلعين اليوم على الأدلة الجديدة قد استرشدوا بها إذ ازداد الامتناع عن الكحول بينهم. حيث أظهرت دراسة كبيرة أن معدلات الامتناع بين الشباب ارتفعت من 18٪ في عام 2005 إلى 29٪ في عام 2015، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى زيادة الامتناع عن الكحول مدى الحياة.
الكحول وصحة المرأة
في دراسة أجريت في روسيا، تم فحص وظائف الدماغ لـ 102 شخص في سن 18-40، لـ 78 رجل مدمن على الكحول و- 24 امرأة مدمنة على شرب الكحول، المجموعة الضابطة شملت 68 امرأة ورجل غير مدمنين على شرب الكحول.
في الاختبارات التي كانت تتطلب الذاكرة البصرية النشطة visual working memory، المرونة الإدراكية، التخطيط المكاني وحل المشاكل، فان النساء كن أقل نجاحا من الرجال، حتى عندما شرب الرجال لفترة أطول بكثير من النساء.
وأشارت الباحثة الرئيسية أن كلا الجنسين يتعرضون لنفس الاثار السلبية التي تنجم عن شرب الكحول، ولكن النساء يتأثرن باثار الكحول بسرعة أكبر من الرجال.(8)
الإسلام والكحول
يؤمر المسلمون بأن يقيّموا الأمور بموضوعية ويتخذوا قراراتهم بحيث تتفوق فيها المزايا على العيوب. وتستند الفلسفة الكامنة وراء حظر الإسلام للكحول على المبادئ السليمة للاختيار وعلى تقييم للأضرار والفوائد. يقول القرآن الكريم:
وهكذا، ينص الإسلام بموضوعية تامة على الخصائص المفيدة لهذه الأشياء الممنوعة في مظاهرها/أشكالها الأخرى، ويعلمنا الاستخدام والتوظيف الأمثل للخصائص الإيجابية لكل شيء مهما قلَّت. ولذلك يسمح الإسلام باستخدام الكحول في مثل تلك الظروف والاستفادة من خصائصه الأخرى كمذيب في المنتجات الصيدلانية، في حين يحظر تماماً استهلاكه كمشروب اجتماعي.
فحسب التعاليم الإسلامية ينبغي التخلي عما يضر بنا عند تناولنا إياه بكميات كبيرة. وهكذا، ورد عن النبي الكريم ﷺ أنه قال:
إن الإسلام بإدراكه للعواقب المدمرة لاستهلاك الكحول يرمي لحماية المجتمع منها. قال الرسول الكريم ﷺ ذات مرة: “مِن حُسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه”. وهكذا، لا ينبغي للمرء أن يضر بصحته باستسلامه للإغراءات والانغماس في الممارسات الضارة. بالطبع، يمكن القول بأن الوقاية من السرطان ليست سوى فائدة واحدة للامتناع عن شرب الكحول، وهي حقيقة لم تكن معروفة في زمن النبي الكريم ﷺ، وبالتالي لم يكن الهدف الرئيسي من حظر الكحول مرتبطًا بالصحة ولكن من أجل الترقية الروحانية. وفي إشارة إلى قول الله تعالى:
يشرح المسيح الموعود ذلك المفهوم بقوله:
لقد شهد عام 2018 العديد من الدراسات الكبيرة والقوية والسليمة علمياً والتي تؤكد على التأثير السلبي لاستهلاك الكحول الخفيف أو المعتدل على صحة الإنسان، وتحديداً من منظور السرطان. مع اتساع فهمنا، يصبح أكثر فأكثر وضوحاً أن الآثار الضارة للكحول تفوق بكثير مزاياه. تستحق كلمات المسيح الموعود بهذا الصدد أن تُذكر وأن يُتَفكر فيها، قال حضرته:
فها قد عرض الإسلام إلى ذكر أضرار الكحول منذ أكثر من 1400 عام، ومنع المسلمين من المشاركة في أي أنشطة تنتج وتنشر استخدام هذه المادة الضارة. نستنتج أن الأدلة العلمية القوية فيما يتعلق بالآثار الضارة للكحول تدل على توافق لا جدال فيه بين الإسلام والبحوث العلمية.
الهوامش:
1 – فهيم يونس القرشي، أم الخبائث والمخدرات..ما لها وما عليها!!، مجلة التقوى، عدد يونيو 2020م.
2 – س.سكوتشانتي، م. تشيكيني ، أ.س. آندرسن وآخرون، «القانون الأوروبي ضد السرطان، ط4: شرب الكحول والسرطان» علم وباء السرطان 45 (ديسمبر 2016)، ص181-188.
3 – د. برود، م. روتا، ج. ريم وآخرون، «الإصابة بالسرطان والوفيات التي تعزى إلى استهلاك الكحول»، المجلة الدولية للسرطان 138، 6 (مارس 2016)، ص1380-1387.
4 – س.م. هارتز، م. أوليرت، أ. سي هورتن وآخرون، «يرتبط الشرب اليومي للكحول بزيادة الوفيات» ، إدمان الكحول: الأبحاث السريرية والتجريبية 42، 11 (نوفمبر 2018)، ص2246-2255.
5 – ف. بانياردي، م. روتا، إ. بوتيري وآخرون، «استهلاك الكحول وخطر الإصابة بالسرطان في مواضع محددة: تحليل تلوي شامل للعلاقة بين الاستجابة والجرعة»، المجلة البريطانية للسرطان 112, 3 (فبراير 2015)، ص580-593.
6 – ب. فانت فيير و إ. كامبمان، الغذاء، التغذية، النشاط البدني، والوقاية من السرطان: منظور عالمي (واشنطن العاصمة: الصندوق العالمي لبحوث السرطان / المعهد الأمريكي لأبحاث السرطان)، 2007.
7 – ب.إ. مولينا، ج.ب. هوك، س. نيلسون، إصابة الأنسجة بسبب الكحول»، إدمان الكحول: البحوث السريرية والتجريبية 27، 3 (2003): 563-575.
8 – أهم أضرار الكحول، أهم المعلومات، الصفحة الطبية المتخصصة (ويب طب)
9 – (البقرة: 220)
10 – سنن الترمذي، كتاب الأشربة عن رسول الله
11 – (المائدة: 91-92)
12 – مرزا غلام أحمد القادياني، سفينة نوح
13 – مرزا غلام أحمد القادياني، الملفوظات ج 3، (لندن، 1984)، 405.