التحدي.. أهم سمات القرآن الكريم

التحدي.. أهم سمات القرآن الكريم

الأستاذ المرحوم مصطفى ثابت

تُثار في الغرب مزاعم كثيرة ضد التحدي القرآني القائل بأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله. ويُقال أيضاً أنه ليس بالضرورة من وحي الله تعالى، بل إن محمداً كان طفرة من بين البشر. إذ يقولون إنه حسب قانون الطفرة يُمكن أن يُؤتي فرد من الأفراد موهبة فائقة أو قدرة خارقة، لا يماثله فيها أحد من البشر.

وعلى هذا.. فإن كان القرآن كتاباً فريداً لم يستطع أحد أن يأتي بمثله، فلا يدل هذا بالضرورة على أن ذلك الكتاب من وحي الله تعالى، بل يمكن القول بأن محمداً كان رجلاً عبقرياً.. وإنه كان طفرة من بين البشر.

اقرأ الرد على هذا البهتان وافحص الدلائل على أن القرآن نزل من عند الله، من خلال كتاب: القرآن معجزة الإسلام الذي سننشره عبر حلقات في هذه الزاوية. “التقوى

في العدد السابق ذكر الكاتب أن الإسلام يتصف بثلاث سمات أساسية هي: الكمال-والعالمية- والحفظ الإلهي. وهذه الثلاثة تنطبق على القرآن أيضاً. “التقوى”

هذه هي السمات الثلاث المشتركة بين الإسلام والقرآن. أما السمات الخاصة بالقرآن.. عدا تلك التي تشترك مع الإسلام.. فهي كثيرة ومتعددة، ومن الصعب الإحاطة بها كلها في كتاب واحد، ولذلك فإننا نرجو أن يتناول هذا الموضوع كثير من محبي القرآن، لكي يتولوا إبراز جوانب العظمة والإعجاز التي يتميز بها الكتاب العزيز. غير أننا يمكن أن نذكر هنا أهم تلك السمات التي يتميز بها القرآن ككتاب سماوي.. وهي كما يلي: التحدّي- القوامة – القدسية؛ وسوف نتناول كلّاً من هذه السمات بشيء من التفصيل.

التحدّي

حينما نتحدث عن التحدي.. وننسبه إلى الله تبارك وتعالى وكتابه العزيز.. أو إلى رسوله الكريم، فإننا نعني بذلك إقامة الحجة على المخالفين والمكذبين، وإثبات الحق للمتشككين والمترددين. إذ ليس الغرض من التحدي هنا هو إثبات التفوق أو الغلبة، كما هو الأمر في التحدي بين البشر، فإن الله غالب على أمره لكونه هو الخالق القوي القادر الذي لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو على كل شيء قدير. لذلك يقول تعالى: (فللهِ الحُجّةُ البالغة) (الأنعام: 150)

ومن هذا المنطلق نقول إن القرآن المجيد هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تحدّى المخالفين أن يأتوا بمثله إن استطاعوا، ثم ذكر بكل تأكيد وأتم يقين أنهم لن يستطيعوا. وقد نُشر هذا التحدّي منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، ولا يزال قائماً، وسيستمر قائماً إلى يوم القيامة دون أن يستطيع أحد التصدّي لقبوله. يقول تعالى:

(وما كان هذا القرآنُ أنْ يُفترى مِن دونِ اللهِ ولكنْ تصديقَ الذي بين يدَيهِ وتفصيلَ الكتابِ لا رَيبَ فيهِ مِن ربِّ العالَمين* أم يقولونَ افتراهُ قُلْ فَأتُوا بسورةٍ مِثلهِ وادْعوا مَنِ استَطعْتُم مِنْ دونِ الله إنْ كنتُم صادِقين) (يونس: 38-39)

ويقول كذلك:

(قُلْ لَئِنِ اجْتَمعَتِ الإنسُ والجنُّ على أنْ يَّأتوا بِمِثْلِ هذا القرآنِ لا يأتونَ بِمِثلِهِ ولو كانَ بعضُهُم لبعضٍ ظهيراً) (الإسراء: 89)

هذا هو التحدّي القائم إلى يوم القيامة.. تحدّ يعلن بكل قوة أنه لن يستطيع أن يُقابله أحد، ولن يجرؤ على التصدي له إنسان، حتى ولو تضافر الناس جميعاً..

وحتى لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن.. فإنهم لن يستطيعوا ذلك، وحتماً سوف ينقلبون عاجزين خائبين.

إن القرآن الكريم هو معجزة الإسلام الخالدة.. هو معجزة الرسول التي لا نهاية لها ولا انفصام. لقد تلاشت واندثرت معجزات الأنبياء السابقين جميعاً، ولكن المعجزة القرآنية ظلت وستظل قائمة على مر السنين.

أين سفينة نوح عليه السلام؟ أين نار إبراهيم الخليل؟ أين عصا موسى الكليم؟ أين أولئك الذين شفاهم المسيح؟ كلهم صاروا في عالم النسيان، ولكن معجزة سيد الخلق وخاتم النبيين معجزة خالدة خلود الزمن.. باقية إلى يوم القيامة. ولولا القرآن.. لما آمنا بكل الأنبياء السابقين ولا بمعجزاتهم، فالقرآن هو الذي حفظ سفينة نوح.. هو الذي ذكر نار إبراهيم.. هو الذي وصف عصا موسى.. هو الذي أكد شفاء الأكمه والأبرص على يد المسيح عيسى ابن مريم.. عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام. نعم إن التوراة ذكرت سفينة نوح وعصا موسى، ولكنها لم تذكر نار إبراهيم عليه السلام، بل لم تذكر له أية معجزة على الإطلاق، وبما أن المسيح بُعث بعد نزول التوراة لذا فبطبيعة الحال لم تذكر التوراة شيئاً عن معجزات المسيح.

إن معجزات الأنبياء السابقين كانت بلا شك تأييداً من الله لهم، وإثباتاً لصدقهم، ولكن.. مع تقادم الزمان وتقدم العلوم والفنون.. لم تعد تلك الأمور من المعجزات في عصرنا الحالي. إن سفينة نوح قد تبدو اليوم كالقزم الصغير بجوار السفن العملاقة التي يبنيها الإنسان الآن.. أو الغواصات النووية التي تستطيع أن تجوب بحار العالم كلها تحت الماء. كذلك فإن الإنسان يستطيع الآن بالتحكم والسيطرة على مراكز الإحساس والأعصاب في الجسم أن يمشي على الجمر الملتهب دون أن يتأثر بلسع النار بل ودون أن يحترق، ناهيك عن المواد الخاصة التي صنعها الإنسان ولا تتأثر بدرجات الحرارة العالية، والتي يُصنع منها حُلّة يلبسها الإنسان ويمشي بها وسط النيران المتأججة دون أن يصيبه أذى. أما عصا موسى عليه السلام فلا وجه للمقارنة بينها وبين ما يمكن أن يفعله جهاز التحكم عن بُعد: “الريمونت كنترول”، إذا كان في يد أحد الصبية.. إذ يستطيع أن يجعل طائرة صغيرة تقلع من الأرض وتحلق في الفضاء، أو يُطلق صاروخاً يصل إلى أعالي الأجواء. كذلك فإن العلم الحديث استطاع اكتشاف علاج الكثير من الأمراض.. تفوق في عددها تلك التي تصدّى لشفائها المسيح عليه السلام. ولكن رغم كل هذا.. رغم تقدم العلوم والفنون.. رغم اختراع الحاسبات الإلكترونية ووسائل الكتابة والترجمة والقواميس الإلكترونية.. فإن أحداً لم يستطع حتى الآن أن يقبل تحدّي القرآن.. ولم يجرؤ أحد أن يتصدى ليأتي بمثل هذه المعجزة العظمى.

ولكن معجزة سيد الخلق وخاتم النبيين معجزة خالدة خلود الزمن.. باقية إلى يوم القيامة. ولولا القرآن.. لما آمنا بكل الأنبياء السابقين ولا بمعجزاتهم، فالقرآن هو الذي حفظ سفينة نوح.. هو الذي ذكر نار إبراهيم.. هو الذي وصف عصا موسى.. هو الذي أكد شفاء الأكمه والأبرص على يد المسيح عيسى ابن مريم.. عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام.

ولكن المخالفين والمعارضين للقرآن المجيد لا يعترفون بفشلهم الذريع في قبول التحدّي.. ولا يُقرُّون بعجزهم في التصدي.. وإنما يستكبرون، وتتضارب أقوالهم عن القرآن الكريم.. ويستخفون بدعوة التحدي في القرآن. ومنهم من يُعلن بكل بلاهة أنه يستطيع.. لو شاء.. أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولكن.. من الغريب أن مشيئته هذه لا تتحقق أبداً، ولا يضع كلامه موضع التنفيذ بتاتاً. ويقول تعالى في وصف هؤلاء:

(وإذا تُتلى عليهم آياتُنا قالوا قد سمِعنا لو نشاءُ لَقُلنا مِثلَ هذا إنْ هذا إلا أساطيرُ الأوَّلين) (الأنفال: 32)

وقد يعترف البعض بسمو الحقائق التي يحويها القرآن، فيُقر بأن رسول الله .. وهو الأمّي الذي لم يتعلم فنون القراءة والكتابة.. لم يكن ليستطيع أن يأتي بمثل هذه الحقائق والعلوم. ويعلن القرآن أن رسول الله لم يكن يقرأ أو يكتب، وأنه لو كان قد تعلم هذه الفنون واطلع على كتب العلوم في عصره لشك الناس في أن يكون هذا القرآن من نتاج قدراته الخاصة التي أنتجت هذا الكم الهائل والعظيم من الحقائق والعلوم، يقول تعالى:

(وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُون) (العنكبوت: 49)

كانت هذه حقيقة معروفة عن رسول الله .. يعرفها أصحابه وأعداؤه على السواء. وقد ذكرها القرآن تذكرة لمن يأتي من بعده، حتى يعلم الناس يقيناً أن كل ما احتواه القرآن هو من الله تعالى وليس من قول البشر. ولو لم يكن الأمر كذلك لسجل أعداء الرسول احتجاجهم على القرآن، ولرفع المنافقون أصواتهم بالاعتراض والانتقاد. ومع ذلك فقد احتج المبطلون بحجج أخرى لينالوا من شأن القرآن. فمع اعترافهم الكامل بأن ما جاء في القرآن من حقائق وعلوم ليس من تأليف محمد ، ولا يمكن أن يكون من نتاج إنسان أمّي لم يتعلم القراءة والكتابة.. إلا أنهم يقولون إن أشخاصاً آخرين كانوا يكتبون هذا القرآن ويُملُونه على رسول الله. يقول تعالى عن هؤلاء:

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا* وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلً* قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) (الفرقان: 5-7 (

ويردُّ الله في القرآن على اعتراض البعض بأن الذي يُعلّم محمداً القرآن هم بعض البشر من الأعاجم الذين لهم معرفة بتلك الأمور والعلوم التي جاءت في القرآن، فيقول تعالى:

(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (النحل: 104)

أي أن لسان الأعاجم الذين يزعمون أنهم يُعلّمون الرسول آيات القرآن إنما هو لسان أعجمي، ولكن القرآن الكريم ليس بكتاب أعجمي بل إنه نزل بلسان عربي مبين، فليس من قدرة الشخص الأعجمي أن يصوغ الكلام في هذا الأسلوب العربي الرفيع في البلاغة، والمبين للحقائق والعلوم.

وهكذا تتضارب الاعتراضات والاتهامات.. فمن ناحية يُقال إن محمداً هو الذي كتب القرآن، فلما ثبت أنه لم يكن يكتب أو يقرأ قالوا إن القرآن ليس بشيء معجز، بل هو مجرد كلمات وجمل مرصوصة عن أساطير الأولين.. حتى إن أي إنسان لو شاء لاستطاع أن يقول ما يُماثله. فلما تحدّاهم القرآن أن يأتوا بمثله فيظهر فشلهم ويبدو عجزهم، قالوا إنه فعلاً ليس من قدرة محمد أن يؤلف كتاباً مثل هذا القرآن، بل إن هناك من نوابغ الأعاجم من يكتب له ويُملي عليه كل هذه الحقائق. فلما ثبت أن الأعاجم لا يستطيعون أن يتكلموا بمثل فصاحة القرآن العربية لأن لسانهم أعجمي، راحوا يبحثون عن عذر آخر لكي يُثبتوا أن القرآن ليس من عند الله.

فماذا تفتَّقتْ عنه أذهانهم؟

لقد ظل القرآن أربعة عشر قرناً يصفع وجوه المخالفين بالتحدّي الذي يُعلنه بكل قوة وبكل وضوح: إن أحداً من البشر.. بل إن كل البشر.. لن يستطيع أن يأتي بمثل هذا القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. وأخيراً يرفع المخالفون أيديهم بالتسليم ويقولون.. لا بأس في الاعتراف بإعجاز القرآن.. ولا ضير من الإقرار بأن الإتيان بمثله أمر يفوق طاقة البشر.. وإنه لحقّ أن أحداً لم يستطع أن يقبل تحدّي القرآن خلال الأربعة عشر قرناً المنصرمة.. وقد لا يستطيع أحد من البشر أن يأتي بمثله في مستقبل الأيام. ولكن.. كل هذا لا يعني أبداً أنه من وحي الله تعالى. فإن البشر يحكمهم قانون يُعرف باسم قانون الطفرة، ويعني هذا أنه من الممكن ومن الجائز علمياً، وكما تحقق ذلك عملياً، أن يتمتع شخص ما بقدرات معينة لا يصل إليها غيره من البشر، وقد لا يماثله فيها أحد من بني الإنسان، وإنما يُعتبر هذا الشخص طفرة من بين البشر، ولكن هذا لا يعني أن تلك القدرات من وحي الله.

فمثلاً.. إن الإتيان بهذا الكم الهائل من كتابات وقصص ومسرحيات وروايات وأشعار شكسبير أمر صعب، بل هو من المستحيل. ولم يستطع كاتب على مدى التاريخ أن يأتي بمثل ما جاء به شكسبير، ولكن هذا لا يعني أبداً أن أدب شكسبير كان من وحي الله تعالى، بل إن شكسبير يُعد طفرة بين الأدباء. كذلك.. قد يكون من الصعب.. إن لم يكن من المستحيل.. أن يكتب أحد سيمفونيات موسيقية كتلك التي كتبها موتسار وهو في الخامسة من عمره. ولم يحدث بتاتاً أن جاء بين البشر من استطاع أن يكتب مثل تلك السيمفونيات التي كتبها موتسار، ولكن هذا لا يعني أبداً أن موسيقى موتسار كانت من وحي الله تعالى، ولكنه كان يُعتبر طفرة من بين الموسيقيين في العالم. كذلك فإن عدد الفنانين والرسامين في العالم لا حصر له، ولكن أحدهم لم يرسم لوحة لها ابتسامة “موناليزا” التي رسمها ليوناردو دافنشي. ولم يستطع بشر أن يعيد رسم تلك الابتسامة مرة أخرى، ولا أن ينتج من الرسوم واللوحات الفنية ما أنتجه دافنشي، غير أنه لا يعني أن لوحات دافنشي الفنية كانت من وحي الله تعالى، وإنما يمكن القول بأن دافنشي كان طفرة من بين الفنانين والرسامين في العالم.

وعلى هذا.. فإن كان القرآن كتاباً فريداً لم يستطع أحد أن يأتي بمثله، فلا يدل هذا بالضرورة على أن هذا الكتاب من وحي الله تعالى، بل يمكن القول بأن محمداً كان رجلاً عبقرياً.. وإنه كان طفرة من بين البشر.

نقول: إن هذه الأقوال قد تكون صحيحة.. لأن كتابات شكسبير وسيمفونيات موتسار وتحف دافنشي ليست من وحي الله. فإن أحداً لم يدّع أنها من وحي الله تعالى ولم يتحد أصحابها بقية البشر أن يأتوا بمثلها كما تحدى القرآن . صحيح إن أي منصف … يحترم عقله وعقول الآخرين .. لا بد وأن يقر بأن هناك فعلا طفرات بشرية وأن تلك الطفرات البشرية قد لا تتكرر ويمكن مشاهدة الأمثلة على ذلك في عالم الرياضة … إذ يمكن أن يسجل أحد الرياضيين رقما قياسيا يعتبر طفرة بشرية ، وقد لا يستطيع أحد غيره أن يحطمه وبالتالي فلا يستدعي ذلك أن يقال إن هذا الرقم القياسي من فعل الله تعالى وليس من فعل البشر .

فهل كان محمد صلى الله عليه وسلم مجرد طفرة بشرية ؟ وهل كان عجز البشر عن قول تحدي القرآن أو الإتيان بكتاب يماثل القرآن إنما كان بسبب تلك الطفرة البشرية وليس لأن القرآن من وحي الله ؟

للرد على هذه التساؤلات يسوق القرآن تحديه بشكل يهدم تماما الادعاء القائل بأن القرآن لم يكن سوى نتاج لطفرة بشرية .

يقول الكتاب العزيز :

( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) ( الإسراء : 98 )

هذا هو التحدي الذي يسوقه القرآن للمخالفين .. أن يأتوا بكتاب يماثله .وهذا هو التحدي الذي يرد عليه البعض بالتمحك في قانون الطفرة . ولما كان الله تعالى في سابق علمه يعلم أن بعضا من الناس سوف يسوقون مثل هذه الاعتراضات على تحدي القرآن .. رغم أنه عند نزول القرآن لم يكن يعلم الناس عن قانون الطفرة شيئا …إلا أنه من إعجاز القرآن أن يتضمن ردا وتفنيدا ودحضا للاعتراضات التي يمكن أن تثار عليه .. حتى لو كان ذلك في مستقبل الأيام .

إن القرآن لم يتوقف بالتحدي عند الآية المذكورة ولو حدث أن ساق القرآن هذا التحدي فقط لكان من الممكن لأي ناقد أو معترض أن يحتج بقانون الطفرة لذلك يقول القرآن الحكيم : ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين *فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون ) ( هود : 14- 15 )

وهنا يرد القرآن على جميع هذه الاعتراضات  ويقول إن القرآن حتما لم يكن نتاج طفرة بشرية . نعم إن الله الخالق قد يضفي على بعض البشر من القدرات ما قد لا يؤتي مثله لغيره ، ولا شك أنه قد أعطى شكسبير وموتسار ودافنشي قدرات خاصة وقد لا يستطيع أحد من الناس أن يأتي بمثل ما أتى به هؤلاء ولكن غيرهم من الناس يمكن أن يقتربوا في إنتاجهم الفني والفكري والأدبي من إنتاج هؤلاء .

إن أدباء العالم قد لا يستطيعون أن يأتوا بمثل أدب شكسبير ولكنهم كتبوا أدبا عظيما يقترب من أدب شكسبير كذلك فإن أحدهم لم يستطع أن يكتب سيمفونيات موسيقية مثل تلك التي كتبها موتسار في طفولته ، ولكن هناك جمهور من الفنانين الموسيقيين أبدعوا الروائع من السمفونيات ما يقترب من فن موتسار بل وقد يتفوق بعضها عليه وإذا لم يستطع أحد أن يرسم لوحة لها ابتسامة موناليزا فقد رسم الألوف من الفنانين لوحات أخرى تقابلها إن لم تتفوّق عليها في براعة الفن والتصوير. أمّا القرآن .. فإنه يتحدّى البشر جميعا.. أنه إذا كان الإتيان بكتاب مثل القرآن.. الذي يتكوّن من 14 سورة.. يُعتبر أمراً يصعب عليهم، بل يستحيل عليهم تحقيقه.. ولأنهم يُرجعون إعجازه إلى كونه يحتاج نتاج طفرة بشرية قد لا تتكرر، فها هو القرآن يخفف العبء على المعترضين والمتشككين، ويسوق إليهم التحدّي بأن يأتوا بعشر سور فقط مثل سور القرآن، وهذا التحدي يمثّل نسبة أقل من 10% من مجموع القرآن. نعم إن الطفرة البشرية قد لا تتكرر، وقد يُسجّل أحد الرياضيين رقما قياسيا يعجزه غيره عن تحطيمه، ولكن هذا لا يعني أبدا أن أحدا لا يستطيع الاقتراب منه، بل في واقع الأمر .. إن الأرقام القياسية تتقارب جدا من بعضها بعضاً، إلى الجزء من الثانية أو الجزء من السنتمتر. أمّا القرآن فإنه يتحدّى أن أحداً لا يستطيع أن يأتي بما يُماثل أقل من عشرة بالمائة من القرآن، ثم يؤكد على أن أحداً لن يستجيب لهذا التحدّي، مما يدل بدلالة قاطعة على أن القرآن قد أُنزل فعلا بعلم الله تعالى ، إذ يقول سبحانه:

فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (هود:15)

إن هذا التحدي الذي  يقدمه القرآن تحدٍّ عجيب، وهو ينسف نسفا الأساس الذي تقوم عليه فكرة تبرير إعجاز القرآن بأنه من نتاج طفرة بشرية، لأن تحدّي المخالفين أن يأتوا بما يُماثل عشرة في  المائة فقط من القرآن ، والإعلان مسبقا أن يقبل هذا التحدي .. لهو أمر عجيب ومعجز. إن قانون الطفرة حقيقة لا يستطيع أن ينكرها أحد، وإذا حدث أن أحد الرياضيين كان طفرة من الطفرات، فسجل رقما قياسيا لم يحطمه أحد، فإننا نرى الآخرين يقتربون إلى حد كبير من هذا الرقم القياسي. ولنأخذ بطولة رفع الأثقال مثلا.. إن أحداً من البشر لم يستطع حتى الآن أن يصل إلى رفع نصف طن (أي خمسمائة كيلوغرام) من الأثقال، وقد يكون الفرق بين بطل العالم ومن يليه في البطولة هو ربع كيلو أو نصف كيلو أو حتى كيلوغرام بأكمله. ولنفترض أن الله خلق رجلا كان طفرة من بين البشر، واستطاع ذلك الرجل أن يرفع نصف طن من الأثقال، وهنا سوف يكون الفارق بينه وبين من يليه في البطولة عدة كيلوجرامات من الأثقال.

ولكن القرآن يتحدى أن أحدا لا يستطيع أن يأتي حتى بعشرة في المائة مما يُماثل القرآن. ولمقابلة هذا التحدي بمثال رفع الأثقال، فإنه ينبغي على البطل الذي يُعد طفرة أن يرفع أكثر من خمسة آلاف كيلوغرام. ومن الواضح أن هذا أمر ليس في مقدور البشر، حتى ولو كان رافع الأثقال طفرة من بين البشر.

إن الفارق بين بطل العالم في حمل الأثقال و من يليه من الأبطال قد يكون بضع جرامات أو حتى بضع كيلوغرامات. وإذا افترضنا أن بطل العالم هذا طفرة من بين البشر ، فإن الفارق بينه وبين غيره من الأبطال قد يكون عشرات من الكيلوغرامات ، فإن هذا لا يمكن أن يكون في نطاق القدرة البشرية. ولم يحدث في تاريخ البشرية ، وبالتالي لم ينتج قانون الطفرة أحدا من البشر، يتفوق على غيره بما يُقابل تسعين في المائة من القدرة ، أو لا يصل بقية البشر.. بالنسبة له.. إلا بما يساوي عشرة في المائة من مقدار قدرته أو موهبته. ومع كل هذا .. لم يخفف التحدّي القرآني العبء مرة أخرى ويتحدّى المخالفين أن يأتوا ولو بسورة واحدة فقط تماثل سور القرآن المجيد.

يقول تعالى:

 وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (البقرة:24 -25)

وهذا التحدي.. كما لا يخفى على ذوي العقول والفطنة.. يمثل أقل من 1% من القرآن، باعتبار أن القرآن يحتوي على 14 سورة. وإذا طبقنا هنا مثال رفع الأثقال، نجد أن القرآن يتحدى.. كأنه ذلك الرياضي الفذ الذي يستطيع أن يرفع أكثر من مائة ضعف عما يرفعه منافسه، فإذا كان بطل أبطال العالم في رفع الأثقال يستطيع أن يرفع خمسمائة كيلوغرام، فإن هذا الرياضي الفذ يستطيع أن يرفع أكثر من خمسين ألف كيلوغرام. فهل هذا بمقدور البشر؟ وهل وُجد من البشر من يستطيع أن يفعل ذلك.. مهما قيل إنه طفرة من الطفرات؟

إن هذا التحدي الذي  يقدمه القرآن تحدٍّ عجيب، وهو ينسف نسفا الأساس الذي تقوم عليه فكرة تبرير إعجاز القرآن بأنه من نتاج طفرة بشرية، لأن تحدّي المخالفين أن يأتوا بما يُماثل عشرة في  المائة فقط من القرآن ، والإعلان مسبقا أن يقبل هذا التحدي .. لهو أمر عجيب ومعجز.

وفي واقع الأمر.. إننا نجد أن هذا التحدي يمثل أقل بكثير من 1% من القرآن ، فالتحدي لا ينص على ضرورة الإتيان بسورة طويلة، بل يمكن للمعارضين والمتشككين أن يأتوا بسورة تُماثل السور الصغيرة. وإن أصغر السور وأقصرها هي سورة الكوثر التي تتكون من عشر كلمات عدا البسملة. ولكن القرآن يؤكد على أن المعارضين والمتشككين لن يستطيعوا أن يأتوا حتى بسورة قصيرة تتكون من عشر كلمات تماثل سورة الكوثر القصيرة. فإذا عرفنا أن القرآن بأجمعه يتكون من 77845 كلمة، فإن تحدي المعارضين أن يأتوا ولو بسورة واحدة تتكون من عشر كلمات لهو أمر في غاية السهولة واليسر، إذ أنه يُمثل نسبة 10:77845، ومع هذا .. فإن الله تعالى يؤكد بكل اليقين على أن الذين في قلوبهم ريب.. لن يستطيعوا أن يقبلوا هذا التحدي البسيط في حجمه.. العظيم في مضمونه.

ولكي نُدرك ما تمثله هذه النسبة التي يشير إليها تحدّي القرآن.. أي نسبة 10:77845 فلنتصور مثلا مباراة من مباريات الجري في الألعاب الأوليمبية.. وهنا يأتي رجل ليس من أبطال الرياضة، ولم يسبق له الاشتراك في أي مباراة من مباريات الجري، بل إنه حتى لا يستطيع أن يمشي على رجليه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجال الأدب والعلوم يشابه تماما هذا الرجل .. فإنه لم يشترك قط في أي مسابقة شعرية ولا في مباراة أدبية، بل إنه كان أميّا لا يستطيع أن يقرأ ولا أن يكتب . ثم نرى أن هذا الرجل يتحدّى جميع المتسابقين والأبطال في العالم ويقول إنكم لن تستطيعوا أن تسبقوني في الجري، ورغم أني مُقعد في نظركم لا أستطيع المشي، إلا أنّ الله تعالى يعطيني قوة خاصة تمكنني من الجري ، وأنا أتحداكم جميعا أن تقطعوا مثلي المسافة التي أقطعها أنا في دقيقة واحدة. وهذا يمثل التحدي الأول الذي ذكره القرآن وقال إن المخالفين لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن .

ولا يقف التحدي عند هذا الحد بل هذا الرجل الذي لا يقوى على المشي يقول لأبطال العالم: إن المسافة التي أقطعها أنا في دقيقة واحدة لن تستطيعوا أنتم أن تقطعوها في أكثر من عشر دقائق.. بل في 4 ر 11 دقيقة على وجه التحديد. وهذا يمثل التحدي الثاني الذي ذكره القرآن وقال إن المخالفين لن يستطيعوا أن يأتوا بعشر سور مثله .

ثم لا يقف التحدي عند هذا الحد، بل يقول الرجل المتحدي لأبطال العالم: إن المسافة التي أقطعها أنا في دقيقة واحدة لن تستطيعوا أن تقطعوها أنتم في 114 دقيقة أي فيما يقرب من ساعتين . وهذا يمثل التحدي الثالث الذي ذكره القرآن وقال إن المخالفين لن يستطيعوا أن يأتوا   بسورة من مثله .

ثم لا يقف التحدي عند هذا الحد، بل الرجل الذي لم يسبق له الدخول في أي مسابقات رياضية، وهو مُقعد لا يستطيع أن يمشي على رجليه.. يقول لأبطال الجري في العالم: إن المسافة التي أقطعها أنا في دقيقة واحدة لن يستطيع أحد منكم أن يقطعها في 7784 دقيقة، وهي فترة زمنية تقدّر بخمسة أيام ونصف تقريبا، وهي مدة تساوي تقريبا 130 ساعة. أي إنكم إذا ظللتم تجرون ليلا ونهارا بغير انقطاع لمدة خمسة أيام ونصف يوم متواصلة، وكان جريكم هذا جزيا مستمرا بدون توقف لمدة 130 ساعة.. فإنكم رغم ذلك لن تقطعوا المسافة التي أقطعها أنا في دقيقة واحدة. فهل يمكن لأحد من الآدميين.. مهما كان طفرة من بين البشر.. أن يقوى أو يجرأ على تقديم مثل هذا التحدي؟ إن أسرع العدائين الرياضيين قد يستطيع أن يقطع مسافة 20 كيلومترا أو حتى 20ميلا في الساعة ، وعلى ذلك فإن المسافة التي يمكن أن تُقطع في 130 ساعة هي 2600 ميلا، وهي مسافة تقرب من المسافة بين القاهرة العاصمة المصرية، ولندن العاصمة البريطانية.

هذا هو التحدي الذي ذكره الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن شاعرا ولا أديبا، ولم يحضر ندوات الشعر ولا منتديات الأدب، بل إنه حتى لم يكن يعرف القراءة أو الكتابة، ومع ذلك تحدّى جميع أبطال العالم من الأدباء والشعراء والعلماء و الحكماء.. أن يتكاتفوا سويا ويجمعوا جهدهم ويوحدوا طاقاتهم ليأتوا بسورة قصيرة.. تتكون من عشر كلمات تماثل أقصر سورة من سور القرآن الكريم، ثم يقول لهم بكل جرأة وبأتم يقين:

فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ البقرة: 24)

إن الأمر إذاً ليس مجرّد طفرة بشرية.. وليس العجز بسبب تقدم علمي أو تأخر تقني، فرغم اختراع القواميس الإلكترونية التي هي في حجم الكتيب الصغير، والتي تستطيع أن تترجم أية كلمة إلى عدة لغات بمجرد الضغط على بعض الأزرار، فإن الإنسان لم ولن يتمكن من أن يؤلف سورة تضارع سورة صغيرة من سور القرآن الكريم.. حتى ولو كانت تتكون من عشر كلمات فقط. ومرة أخرى ننظر إلى هذا التحدي من زاوية مختلفة: إذا افترضنا أن بطل العالم في القفز سَجَّلَ مترين في ارتفاع القفز. فيأتي رجل لم يسبق له التمرن عليه، فيقول أن الله تعالى.. بقوة خاصة من عنده عز وجل.. يمكّنه من أن يقفز مسافة تزيد عن تلك التي يقفزها جميع أبطال العالم في القفز 7784 ضعفا، ثم يقفز بالفعل في الجو هذه المسافة التي تبلغ (2  X7784= 15568 مترا) أي مسافة تزيد عن 15 كيلومترا. فمن بين البشر يستطيع ذلك؟ من ذا الذي يستطيع أن يقفز مسافة خمسة عشر كيلومترا في الهواء؟

هذا هو تحدي القرآن.. إنه تحد يقف شامخا عاليا.. يَجدع أنوف المكذبين والمعارضين. ولعل من حق البعض أن يتساءل عن سبب هذا العجز البشري أمام عظمة هذا التحدي الإلهي، وقد يعجب الإنسان لهذا الأسلوب المعجز ويقول: أية صعوبة في تأليف جملة من عشر كلمات.. لماذا لا أحاول؟ إن وضع عشر كلمات تُعطي معنى معينا ليس بالأمر الصعب ولا المستحيل.. فلماذا لا نجرب؟

Share via
تابعونا على الفايس بوك