عصمة الأنبياء

خطاب قيّم ألقاه أستاذنا الجليل السيد جلال الدين شمس، بدار مکارم الأخلاق الإسلامية في مصر سنة ۱۹۲۹م. وكان المستمعون نحو ألفي شخص، فيهم عليةُ القوم وكبار العلماء وعلى الخصوص أعضاء جمعية المكارم. وكان تأثير الخطاب عظيمًا على المستمعين، لم تسمع مصر له مثيلاً بشهادة القوم. وقد بلغ التأثر من الخطاب، ووقعه في النفوس مبلغًا أن قام أحد العلماء الأجلاء، وقاطع الأستاذ المحاضر بصوت عال جهوري قائلاً: «على رِسْلِك أيها الأستاذ!». فصمت الأستاذ جلال الدين، ونظر إلى الصارخ مستفهمًا، واشرأبَّت أعناق الجمع إلى الصارخ المقاطع في دهشة واستغراب. وتابع العالم الفاضل حديثه موجهًا إياه للسيد جلال الدين وقال: «يقولون إن زمن الاجتهاد مضى وانقضى، ولكني أقول، وأشهد الله على ما أقول، كأن رُوح ابن عباس تتجلى اليوم على مجمعنا الحاضر. وإن قلبي يحدثني أن الله هو الذي أرسلك أيها الأستاذ إلى مصر لتعلّم أهلها دينهم الصحيح».

ثم أنشد ثلاثة أبيات مديحًا للأستاذ لم يعلق منها شي بالذاكرة. ولعل هذه الرسالة تقع في يده، أو في يد من يعرفه ممن استمع للخطاب وشهد ذلك الاجتماع، فيوصلها إليه ليكتب إلينا حضرته عن الأبيات التي ألقاها، ليتم لدينا ما نعرفه من تاريخ هذا الخطاب الذي ألقاه الأستاذ ارتجالاً.

واستغرق إلقاؤه نحو ساعتين من الزمن، واقتصر فيه على إثبات عصمة الأنبياء السابقين صلوات الله عليهم أجمعين. ولما وصل إلى ذكر سيد الخلق جميعًا محمد بيّن أن البحث عن عصمته يحتاج إلى محاضرة خاصة، لأنه هو أعظم هدف لافتراءات الخصوم، وهجوم الأعداء الألداء. وكان جميع الحاضرين يتمنون لو استمر المحاضر في محاضرته، التي استمعوا إليها كلهم بكل خشوع، وكأن على رؤسهم الطير.

ولما انتهت المحاضرة التف الناس حول الأستاذ، وأظهر أعضاء الجمعية له كل احترام وتقدير.. كانوا يسألونه أين تعلمت؟ وفي أية مدرسة نشأت؟ وكيف تعلمت العربية؟ فكان يجيبهم: في الهند. وقد صرح له البعض منهم علانية: إن مثل هذه الأفكار الطلية العجيبة البديعة لا يمكن أن تنبت من الأزهر، وقالوا: الأمر الغريب أنها كلها أفكار جديدة، وأبحاث مستجدة، وكلها تفسير للقرآن المجيد من القرآن نفسه والعربية الصحيحة، وكل هذا لا يمكن أن يخرج مثله من الأزهر.

هذا كله كان، بل أكثر منه، وجميع الحاضرين كانوا يتوقعون أن يسمعوا من الأستاذ جلال الدين محاضرة أخرى قيمة في الدفاع عن حبيبنا الأعظم سيدنا محمد . وقد رَجَوْه بكل إلحاح أن يطبع هذه المحاضرة التي ألقاها ولم يكن لديه شيء مدوَّن منها سوى رؤوس أقلام.

وقد انتظر الأستاذ أن تكلفه جمعية المكارم بإلقاء المحاضرة الموعود بها، ولكن ذكر المحاضرة وتأثيرها كانا قد وصلا إلى أعداء الأحمدية، وخاصة صاحب «الفتح» في مصر، والأصفهاني في فلسطين، فحالوا دون سماع الحق، ووقفوا حجر عثرة في سبيل الدفاع والذب عن كرامة الرسول الأعظم وخاتم النبيين سيدنا وحبيبنا الأكرم محمد ، وقد نزل الأستاذ عند رجاء من رجاه بطبع المحاضرة، فألفها ورتبها بصورة موجزة، ولكن لم تساعده الظروف على نشرها في ذلك الوقت. وإننا نقدمها اليوم لحضرات القراء عسى الله أن يزيد بها أنصارًا لدينه الحق المبين. وقد جعلها قسمًا من کتاب يرید إتمامه في الدفاع عن الأنبياء كلهم، وبخاصة سيد الوجود محمد .

وعسى الله أن يهيء لأستاذنا الكريم الفرصة ليخرج للناس تتمة كتابه، لأنه لا يوجد مسلم على وجه الأرض إلا وهو بأشد حاجة لتناول ذلك السلاح، الذي يستطيع به الوقوف في وجه خصوم الإسلام، ليذب به عن حياضه وينافح عن كرامته. وإن الذين يقرأون هذه المحاضرة من ذوي الإنصاف والعقول الراجحة والإخلاص الأكيد لا بد وأن يشعروا من أعماق قلوبهم بضرورة عصمة الأنبياء، والحكمة من اصطفاء الله إياهم، وجعلهم قدوة صالحة لهداية بني الإنسان على مر الدهور، وإرشاد الناس إلى صراط الله المستقيم. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

«التقوی»: هذا ما كتبته مجلة «البشرى» لسان حال الجماعة الإسلامية الأحمدية في البلاد العربية وقتئذ.. ننشره اليوم، تجديدًا وتذكيرًا بعلم الأستاذ جلال الدين شمس، نفعنا الله تعالى به.

* * *

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الملك القدوس العزيز الحكيم، الذي أرسل أنبياءه الطاهرين المطهرين، ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ويرشدوهم إلى صراط مستقيم، ويزكُّوهم ويطهروهم من الذنوب والآثام، ويبينوا لهم طرق الهداية والإنقاذ من همزات الشياطين.. والصلاة والسلام على أفضل رسل الله، سید المعصومين، وفخر الكائنات، وخاتم النبيين، محمد وعلى آله أجمعين.. المأمور بأن يعلن عن الغاية من حركاته وسكناته، كما قال الله في كتابه المبين:

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الأنعام: 163)

أما بعد، فقد طغی سیل المبشرين المسيحيين الذين يحاولون تنصير المسلمين، بطرقهم المعوجة الملتوية، وأساليبهم الغريبة. ولا نكران في أنهم يبذلون في ذلك أعظم الجهود، وينفقون القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ويهجرون أقاربهم وأوطانهم وأهلهم وخلانهم، ويخوضون البحار المائجة، ويركبون متون أمواجها المتلاطمة الصاخبة، ويجوبون الفيافي الواسعة الشائكة، والصحاري المترامية الأطراف، ويجوسون الديار الشاسعة الأرجاء والأكناف، ولا يدخرون وسعًا دون بغيتهم، ولا قوة إلا ويستنزفونها إلى آخرها في سبيل مآربهم، ويستعملون مختلف الطرق والمكر وشتى الحيل والأساليب.. من مدارس يفتتحونها باسم الثقافة والإرشاد والتعليم، ومن مؤسسات للعجزة والعميان، ومستشفيات للرجال والنسوان، وملاجيء للمعوزين والمستضعفين من الكبار والولدان. وكل ذلك .. لا رحمة بالناس، ولا شفقة على خلق الله، وإنما طمعًا في تنصيرهم، وترويج دعايتهم الكاذبة، وإشاعة عقائدهم الواهية. وإن لهم مؤلفات ونشرات، ورسائل تفوق العد وتجل عن الحصر والإحصاء، وقد طالعت عددًا منها غير قليل.

وناظرتُ وباحثت الكثيرين من رجال النصرانية ودعاتها، فرأيت أن أعظم وأهم ما يدعيه هؤلاء، ويذيعونه في مؤلفاتهم ونشراتهم التي يوزعونها بين الناس، ويحملونها إليهم في الأزقة والطرقات والشوارع والقطارات، هو زعمهم بعدم عصمة الأنبياء الكرام، وادعاؤهم كذبًا وزورًا أنهم عليهم الصلاة والسلام، لم يكونوا منزهين وبريئين من الذنوب والجرائم والكبائر والآثام، إلا يسوع المسيح .. وهم يحملون على الإسلام، وينددون بالمسلمين لاعتقادهم بعصمة الأنبياء، وتنزيههم إياهم عن الخطايا والذنوب.

يقول مؤلف (تعليم العلماء في عصمة الأنبياء، ص 5) ما نصه:

«لما كان إخواننا المسلمون يعتقدون بعصمة الأنبياء الكرام، وينزهونهم عن الخطايا والآثام، وكان في ذلك التواء عن الحق وخطأ مبين، وعبث بالحقيقة المقررة في الكتاب العزيز الثمين، رأينا أن نبين لإخواننا ما هم عليه من الوهم العظيم، ونبسط لهم الحقيقة والصراط القويم.. وغايتنا أن نبين بأن الجميع قد أخطأوا، وأعوزهم مجد الله إلا يسوع المسيح. ومتى فعلنا ذلك نكون قد أعددنا أنفسنا لقبول خلاص الله بواسطة ذلك الوحيد المعصوم عن الخطأ..وكذلك يقول القسيس (نقولا يعقوب غبريال) في كتابه (مباحث المجتهدين) ص 25 ما نصه :«إن الجميع أخطأوا، لذلك هم يحتاجون إلى ذبيحة المسيح للتكفير عن خطاياهم، وإلا زُجّوا في جهنم لاتمام عدل الله».

ثم يقول: «يعتقد النصاری استنادًا إلى كتابهم أن جميع الناس أخطأوا، وعمَّ الفساد الجنسَ البشري كله. وبما أن الأنبياء لم يكونوا من غير هذا الجنس، فهم إذًا خاطئون.. غير معصومين في أعمالهم وتصرفاتهم الاعتيادية، دلالة على ضعف الطبيعة البشرية، وإثباتًا أن العصمة والكمال لله وحده ذی القدرة والجلال»..

ثم بعد ذكر الآيات القرآنية التي ظن، من جهله، أنها تدل على عدم عصمة الأنبياء، يقول ما نصّه:

«ها قد رأينا أن الأنبياء العظام قد ارتكبوا المعاصي، حتی محمد نبي المسلمين، لذلك احتاج الناس قاطبة إلى مخلص من العذاب المعد لمخالفي وصايا الله ومقترفي الآثام، وإلى كفارة لا عيب فيها لفداء تلك الأنفس، وإظهار عدل الله ورحمته».(1)

وأن لدعاة النصرانية كتبًا أخرى كثيرة مثل (علم الاعلام) و (النبي المعصوم)، مشحونة بالطعن في قداسة الأنبياء الأخيار وليس غرضهم من إثبات العصمة للمسيح وحده، وذكر مساوي الأنبياء الآخرين ومثابهم، إلا السعي وراء جعل الإنسان العاجز إلهًا من دون الله، كما هو ظاهر من النصوص التي ذكرت بعضًا منها.

فانتشار المبشرين المسيحيين في البلاد الإسلامية في عصرنا الحاضر، وتوزيعهم الكتب المحتوية على الطعن في الأنبياء أجمعين، وجَهلُ عامة المسلمين الإجابة عليها، ونزولاً عند رغبات إخواني الكثيرين الأعزاء وطلباتهم المتوالية، كل ذلك حداني لأن أؤلف هذا الكتاب، في الرد على اعتراضاتهم ومطاعنهم العمياء في قداسة الأنبياء الأطهار. وأيضًا كنت ألقيت محاضرة في مصر بدار جمعية مكارم الأخلاق بهذا الموضوع وطلب مني بعض المستمعين أن أنشرها فلم تسمح لي الظروف إذ ذاك.

وسابقًا كنت ألّفت كتابًا في مسألة إبطال ألوهية المسيح، ونقضت جميع البراهين التي يدلي بها النصارى لإثبات ألوهيته، وأوردت فيه فوق ذلك كثيرًا من الأدلة القاطعة على كونه بشرًا رسولاً ، وأثبت هذه الأقوال بالبراهين العقلية القاطعة، وبنصوص كتبهم المقدسة التي يعتبرونها وحيًا من الله. لذلك لا أتعرض للبحث في مسألة ألوهية المسيح وعدمها في هذا الكتاب، وإنما أكتفي بإثبات عصمة الأنبياء كلهم، وبراءتهم من الآثام والخطايا التي توجب العقاب وتورث نار جهنم، وأذكر الأمور التي لا بد من إيرادها عند البحث في هذه المسألة.

وقد كان الأجدر بالمبشرين المسيحيين أن يبينوا بقدر ما يمكنهم فضائل يسوعهم، وألا يتعرضوا لهذه المسألة التي تمس عواطف المسلمين، بطعنهم في الأنبياء وفي سيد المعصومين محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وبسردهم الروايات الخرافية، التي لا يعتقد بصحتها العلماء الأجلاء والمحققون من المسلمين. ولكنهم مع الأسف جعلوا الطعن في الأنبياء القديسين الطاهرين شغلهم الشاغل، ولم يطبعوا كتابًا إلا وعددوا فيه مثالبهم، وأدموا قلوب المؤمنين وآذوهم إيذاء شديدًا وصاروا من المعتدين. وتم ما أخبر الله في كتابه المبين:

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (آل عمران: 187).

ها أنا حسب وصية الله هذه وقوله تعالى:

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ،

وقوله:

وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ،

أبدأ بهذا الكتاب، مقسمًا إياه إلى فصول وأبواب، مستعينًا بالله الذي إليه المرجع وإليه المآب.

——————————————————

(1) ما أبدع هذه النظرية التي اكتشفها الخواجة غبريال لإظهار عدل الله ورحمته! كأن العدل والرحمة شيئان متضادان، لم يكن من الممكن الجمع بينهما إلا أن يقتل الله المسيح البار صَلْبًا، بالرغم من تقدمه إليه بصراخ شدید، ودموع وطلبات،وتضرعات وصلوات بأشد لجاجة، حتى صار عرقه كقطرات دم نازلة، لكي يعبُر عنه كأس الموت. ولكنه لم يسمع له، وعندها بدأ يصيح بكل جزع وتلهف: إيلي إيلي، لم شبقتني؟ أي: إلهي إلهي، لماذا تركتني، حتى لفظ نفسه الأخير. (فليحي العدل!).

ولما كان ظهور عدل الله ورحمته متوقفًا، حسب زعمكم، على موت المسيح مصلوبًا، فلا شك بأن الله لم يكن عادلا رحيمًا قبل صلب المسيح. وإذا كان العفو عن ذنب المجرم، كما تقولون، خلاف العدل، وتعذيب المجرم خلاف الرحمة، فكيف يجوز أن يكون من العدل والرحمة تعذيب البريء الذي لم يجن ذنبًا ما؟ فلا شك إذن بأن الله يإماتته يسوع المسيح البار على الصليب خالَفَ العدلَ والرحمة معًا.. (والعياذ بالله).

واعلموا أن اتكالكم على دم يسوع ابن مریم خطأ محض، إذ ليس في إمكانه نجاتكم ولو صلب ألف مرة. إن النجاة تحصل بالإيمان والمحبة والإيقان والعرفان الكامل. وكما أن نوحًا وإبراهيم وموسى وغيرهم من الأنبياء، وكذلك مئات الألوف من القديسين الصالحين، وصلوا بالله وظفروا بالنجاة الحقيقية، من دون أن يكون المسيح أو غيره فداء عنهم، كذلك هو الآن باب النجاة مفتوح في الدين الإسلامي لكل إنسان، من دون احتياج إلى سفك دم صالح بريء.

ولا يخفى عليكم أن الله ليس هو عادلاً فحسب، بل هو مالك أيضًا، ولذلك لم يذكر الله في القرآن المجيد أنه عادلُ يوم الدين، بل قال: (مالكُ يوم الدين). والمالك مختار في أمر مملوكه المجرم، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. ولا يعتد عفو المالك عن ذنب مملوکه خلاف العدل أبدًا. وتوجد شواهد كثيرة في العهد القديم، تدل على أن الله غفر لبني إسرائيل ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه. وكذلك تكلم المسيح عن غفرانه الخطايا بدون فداء كما قال للمفلوج : « قم يابُني مغفورة لك خطاياك». (متی صح ۹). وكذلك وصاهم أن يدعوا الله في صلواتهم قائلين : واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا. (متی صح 6).

فإذا كنا نحن نغفر للمذنبين إلينا إذا تابوا من ذنوبهم باكين متضرعين إلينا من دون أن يقدموا إلينا فداء وكفارة، فإن الله أولى وأجدر بأن يغفر للمجرمين ذنوبهم إذا تابوا إليه توبة نصوحًا، كما قال الله تعالى في القرآن المجيد:

إلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (الفرقان : ۷۱ – ۷۲).

وليس من المعقول أن يكون المريض زيدًا، فيأتي بكر ويتناول الدواء بدلاً منه، وبذلك يزول المرض عن زید!؟ إن هذا لمستحيل. وكذلك ليس من العدل في شي أن يكون القاتل زيدًا، ويلقي القبض على بكر، ويشنق بدلاً منه. إن هذا إلا ظلم مبين. ولذلك نقرأ في مواضع عديدة من العهد القديم ما يبطل الكفارة المزعومة، ويهدم من الأساس جدارها الذي يشيده النصارى. جاء في كتاب أرميا النبي ما نصه:

«في تلك الأيام لا يقولون بعد: الآباء أكلوا حصرمًا وأسنان الأبناء ضرست. بل كل واحد يموت بذنبه. كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه». (أرميا صح ۲۱).

وورد في كتاب حزقيال النبي: «النفس التي تخطئ تموت. الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل إثم الابن. بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون. فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي، وفعل حقاً وعدلاً، فحياةً يحيا لا يموت. كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه. في بره الذي عمل يحيا.

هل مسرة أًسَرُّ بموت الشرير، يقول السيد الرب، إلا برجوعه عن طرقه فيحيا. وإذا رجع البار عن بره وعمل إثمًا وفعل مثل كل الرجاسات التي يفعلها الشرير أفيحيا؟ كل بره الذي عمله لا يذكر في خيانته التي خانها، وفي خطيئته التي أخطأ، بها يموت».. (حزقیال صح ۱۸).

وللبحث مفصلاً في هذه المسألة سأؤلف رسالة مستقلة في المستقبل القريب، إن شاء الله تعالی.

 

الباب الأول

عقيدتنا في كتب التفاسير

“الفصل الأول”

ليكن معلومًا لدى كل من يجهل حقيقة الإسلام أن أقوال المفسرين ليست من أسس الإسلام ومراجعه، حتى يستند عليها خصومنا عند إيراد مطاعنهم ومثالبهم في عصمة الأنبياء عليهم السلام، وليست بحجة يصح الاحتجاج بها ضدنا، وأن المفسرين أنفسهم لم يدَّعوا أبدًا بتنزهم عن الخطأ في التفسير، بل كانوا يخطئون ويُخطّئونْ بعضهم بعضًا. وكل واحد منهم حسبما رزقه الله من العلم كان يجتهد في تفسير الآيات، ثم يكل حقيقتها إلى الله. والمجتهد قد يخطئ ويصيب، فإن أصاب فله أجران: أجر اجتهاده وسعيه، وأجر إصابته.. وإن أخطأ فله أجر. فهو مأجور على كل حال، مادام لا يقصد في سعيه وجده سوى التنقيب عن الحقيقة بنزاهة وإخلاص.

والمفسرون لم يقولوا للناس أن يقلدوهم تقليدًا أعمى، ولذلك لا يجوز لنا أن نقول في حقهم إلا خيرًا، سواء أصابوا أو أخطأوا..

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة: 135).

ثم لا يخفى أن كتبهم مرت على أيدي الكثيرين، ممن أدخلوا فيها روايات لترويج أفكارهم. ومن المحتمل أيضًا أن الروايات التي جمعوها كانوا يريدون أن يشذبوها وينقحوها، وإنما عاجلهم الموت قبل أن يجدوا إلى ذلك سبيلاً. فالذين جاءوا بعدهم طبعوها ظنًا منهم بأن المؤلف كان يعتقد بصحة الروايات التي جمعها. ثم إن الروايات التي وصلت إلى أيديهم مرت من العصر الذي أخبر رسول الله عن تفشي الكذب فيه، ولذلك قال الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه (الإتقان): «إن هذه التفاسير الطوال التي أسندوها إلى ابن عباس غير مرضية، ورواتها مجاهيل».

وقال ابن خلدون في مقدمة تاريخه: «تفاسير المفسرين مملوءة بالغث والسمين».

ولذلك فنحن نغض النظر عند الجواب عن أقوال المفسرين، التي تمسك بها القسيسون في مؤلفاتهم لبيان تفسير الآيات، ونبحث في نفس الآيات، ونبين لهم تفسيرها الذي يوافق العقل واللغة معًا، ولا نسأل لماذا كتب المفسرون الأولون خلاف هذا التفسير. كما أن القسيسين أنفسهم لا يقبلون أن يجعلوا أنفسهم مسئولين عما كتب شراح الأناجيل، وذلك لا يخفى على كل من جرى بينه وبينهم مكالمات ومباحثات دينية. وفضلاً عن ذلك، فإنهم ينكرون التراجم المتداولة بين أيدي الناس والتي أصدرتها جمعياتهم الدينية التي أخذت على عاتقها مسئولية نشر تعاليم المسيح الحقيقية.

وبناء على ذلك نأخذ من التفاسير ما صفا وندع ما کدر، ومن أجل ذلك لا تجدون بعض تفاسيرنا التي نذكرها في هذا الكتاب مذکورًا في كتب الأولين.

وأمر آخر لا بد من ذكره أيضًا، وهو أن كل رواية تخالف القرآن المجيد لا تكون حجة علينا كما ذكر صاحب (التوضيح) بعد أن أَورَدَ قول رسول الله: «تكثر لكم الأحاديث بعدي.. فإذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق فاقبلوه وما خالف فردوه». قال: «فدل هذا الحديث على أن كل حديث يخالف كتب الله تعالى فإنه ليس بحديث الرسول ، وإنما هو مفتری».

وغرضي من ذكر هذا الأمر هو أنه لا يجوز لخصومنا أن يحتجوا علينا إلا من القرآن المجيد والروايات التي توافقه ولا تخالفه. ولذلك فإنني أثبت أولا عصمة الأنبياء كلهم من آیات الذكر الحكيم، ثم أرد على تلك المطاعن التي ذكرها القسيسون في كتبهم.. محاولين إثبات عدم عصمة الأنبياء من الآثام التي يستحق مرتكبها نار جهنم.

هذا، وقد اعتقد معظم المحققين من علماء الإسلام بعصمة الأنبياء الكرام، وأما الذين أنكروها فهم قليلون جدا بالنسبة إلى قائليها. فإذا احتج أحد بقولهم على عدم عصمة الأنبياء فيجوز لنا أن نقول لهم بالمثل أيضًا أن المسيح غير معصوم، ونحتج ببعض أقوال العلماء المسيحيين أنفسهم، لأن فرقة (بيلائد) كانت تنكر عصمة المسيح، ولم تكن تنزهه عن الآثام. وكذلك كانت فرقة (ایبو) تعتقد بأن مؤسس الدين المسيحي لم يكن إلا مثل مؤسسي الديانات الأخرى، ولم تكن له أية ميزة عليهم. وهذه الطائفة كانت من أكبر الطوائف التي وجدت في أوائل المسيحية، وإن أكثر اليهود الّذين دخلوا في المسيحيّة كانوا من أعضائها. وكذلك (أبيلارد) كان يعتقد بأنّ يسوع لم يكن منزّهًا عن الضّعف البشري. وأمّا وجود رجال معصومين كالمسيح فتشهد له الأناجيل أيضًا.

الفصل الثّاني

هل يسوع المسيح وحده معصوم؟ يدّعي المبشّرون المسيحون أنّ العصمة للمسيح وحده، وأمّا ماسواه من البشر فكلّهم مخطئون. وبمثل ذلك أجابني مسيحيّ في حيفا أثناء محادثة جرت بيني وبينه في هذه المسألة، فسألته: وكيف ذلك؟ قال: هكذا يقول القرآن، إنّه بيّن خطيّات لجميع الأنبياء. فقلت له: هل بإمكانك أن تذكر لي خطيئة من القرآن المجيد لإسماعيل وذي الكفل وشعيب وصالح وإسحاق عليهم السّلام؟ فسكت ولم يحر جوابًا.

والآن أُبيّن من كتب النّصارى المقدّسة بأنّ يسوع لم يكن وحده معصومًا بارًّا كاملاً من دون النّاس، بل كثير منهم كانوا مثله في البرّ والعصمة:

يظهر من إنجيل يوحنّا الإصحاح التّاسع أنّ اليهود كانوا يعتقدون بعصمة الأنبياء، لأنّه لما بلغهم أن يسوع فتح عيني الأعمى، قال قوم من الفريسيّين:

“هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللهِ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ”. آخَرُونَ قَالُوا: “كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئٌ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هذِهِ الآيَاتِ؟” وَكَانَ بَيْنَهُمُ انْشِقَاقٌ. فَلَمْ يُصَدِّقِ الْيَهُودُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ حَتَّى دَعَوْا أَبَوَيِ الَّذِي أَبْصَرَ… أَجَابَ الرَّجُلُ وَقَالَ لَهُمْ: “إِنَّ فِي هذَا عَجَبًا! إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ. وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ، فَلِهذَا يَسْمَعُ”. (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 9: 16-31)

هذه المكالمة الّتي جرت بين اليهود والأعمى اليهودي تدلّ دلالة واضحة على اعتقادهم بأنّ الأنبياء الّذين أروا آيات عجيبة، وأظهروا معجزات باهرة، وكان الله يسمع لهم..ماكانوا خطاة، بل كانوا معصومين.

إنّ الرّومان الكاثوليك يعتقدون بعصمة مريم عليها السّلام وبقداستها مثل يسوع المسيح، وأنّها لم تكن خاطئة أبدًا، وكذلك يعتقدون بقداسة البابا وعصمته لكونه خليفة لبطرس، بالرّغم من أنّ المسيح كان قال له مرّة “اذهب عنّي، ياشيطان”. (متى صح16).

3- ورد في العبرانيّين مانصّه: “لأَنَّ مَلْكِي صَادَقَ هذَا، مَلِكَ سَالِيمَ، كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ، الَّذِي اسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمَ رَاجِعًا مِنْ كَسْرَةِ الْمُلُوكِ وَبَارَكَهُ، الَّذِي قَسَمَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عُشْرًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ… بِلاَ أَبٍ، بِلاَ أُمٍّ، بِلاَ نَسَبٍ. لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ. هذَا يَبْقَى كَاهِنًا إِلَى الأَبَدِ”. (اَلرِّسَالَةُ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ 7 : 1-3) “. فهل بإمكان أحد أن يقول بأنّه كان خاطئًا ولم يكن معصومًا مثل يسوع المسيح؟

4- “إن زَكَرِيَّا مِنْ فِرْقَةِ أَبِيَّا، وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنَاتِ هارُونَ وَاسْمُهَا أَلِيصَابَاتُ. وَكَانَا كِلاَهُمَا بَارَّيْنِ أَمَامَ اللهِ، سَالِكَيْنِ فِي جَمِيعِ وَصَايَا الرَّبِّ وَأَحْكَامِهِ بِلاَ لَوْمٍ”. (إِنْجِيلُ لُوقَا 1 : 5-6).

5-يوحنا المعمدان أيضًا كان معصومًا، وقد أخبر عنه الملاك قبل ولادته “لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ.” (إِنْجِيلُ لُوقَا 1: 15-16) ، ثمّ تنبّأ عنه زكريّا وقال له: “وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى” (إِنْجِيلُ لُوقَا 1: 76).

نعم، إنّ يوحنا المعمدان هو ذاك المعصوم الّذي احتاج يسوع لأن يعتمد منه قائلاً: “اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ”. فهل يمكن أنّ الشّخص الّذي اعتمد منه يسوع المسيح وكان ممتلئًا من بطن أمّه من الرّوح القدس كان خاطئًا ولم يكن معصومًا؟ حاشا وكلّا!!

6- كان الأنبياء قدّيسين ومنزهين عن الخطايا، كما ورد في لوقا صح 1، الأعمال صح 3 مانصّه:

“كَمَا تَكَلَّمَ بِفَمِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُمْ مُنْذُ الدَّهْرِ”.

7-ثمّ إنّ الوزراء والمرازبة كانوا يطلبون علّةً يجدونها على دانيال من جهة المملكة، فلم يقدروا أن يجدوا علّة ولا ذنبًا، لأنّه كان أمينًا ولم يوجد فيه خطأ ولا ذنب. قال دانيال: “لأَنِّي وُجِدْتُ بَرِيئًا قُدَّامَهُ، وَقُدَّامَكَ أَيْضًا أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَمْ أَفْعَلْ ذَنْبًا”. (دَانِيآل 6: 22).

8- قال الملك حزقيال: “آهِ يَا رَبُّ، اذْكُرْ كَيْفَ سِرْتُ أَمَامَكَ بِالأَمَانَةِ وَبِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَفَعَلْتُ الْحَسَنَ فِي عَيْنَيْكَ”… “هأَنَذَا أُضِيفُ إِلَى أَيَّامِكَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً” (إِشَعْيَاءَ 38: 5).

9- قال الله “كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرّ”. (أَيُّوبَ 1 : 1). قال أيّوب “يإلهي، أَنَا بَرِيءٌ بِلاَ ذَنْبٍ. زَكِيٌّ أَنَا وَلاَ إِثْمَ لِي”. (أَيُّوبَ 33 : 9).

10 – “وَكَانَ فِيهَا هؤُلاَءِ الرِّجَالُ الثَّلاَثَةُ: نُوحٌ وَدَانِيآلُ وَأَيُّوبُ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يُخَلِّصُونَ أَنْفُسَهُمْ بِبِرِّهِمْ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ”. (حِزْقِيَال 14: 14).

11- قال الرّب: “كَانَ عَهْدِي مَعَهُ لِلْحَيَاةِ وَالسَّلاَمِ، وَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُمَا لِلتَّقْوَى. فَاتَّقَانِي، وَمِنِ اسْمِي ارْتَاعَ هُوَ. شَرِيعَةُ الْحَقِّ كَانَتْ فِي فِيهِ، وَإِثْمٌ لَمْ يُوجَدْ فِي شَفَتَيْهِ. سَلَكَ مَعِي فِي السَّلاَمِ وَالاسْتِقَامَةِ، وَأَرْجَعَ كَثِيرِينَ عَنِ الإِثْمِ”. (مَلاَخِي 2 : 5-6).

12 – “طُوبَى لِلْكَامِلِينَ طَرِيقًا، السَّالِكِينَ فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ. 2طُوبَى لِحَافِظِي شَهَادَاتِهِ. مِنْ كُلِّ قُلُوبِهِمْ يَطْلُبُونَهُ. 3أَيْضًا لاَ يَرْتَكِبُونَ إِثْمًا. فِي طُرُقِهِ يَسْلُكُونَ” (اَلْمَزَامِيرُ 119: 1-3).

إنّ مثل هذه الأقوال والنّصوص الّتي نقلتها من العهد القديم والإنجيل تدلّ بكلّ بوضوح على أنّ كثيرين من أهل الله كانوا معصومين كيسوع المسيح. فكون المسيح بارًا ومعصومًا من الآثام لا دليل فيه على ألوهيّته، وإلّا للزم أن يكون جميع المعصومين الّذين ذطروا آنفًا آلهة مثله.

الفصل الثّالث

الجواب الإلزامي

هل كان يسوع معصومًا؟

لاشكّ أنّ الجواب الإلزامي لايكون جوابًا حقيقيًّا، ولكنّه قد يهيّء الخصم ويساعده على تفهّم الجواب الحقيقي وقبوله، لأنّه حينما يرى أنّ نفس الاعتراض الّذي يورده على خصمه يردّ عليه أيضًا، فإنّه يشغل قوّته الفكريّة ويوسع صدره لتلقّي الجواب الحقيقي أيضًا، لذلك رأينا من المناسب أن نجيب المؤلّفين المسيحيّين جوابًا إلزاميًّا.

وثانيًا: لكي يتمّ قول المسيح:

“لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟”. (إِنْجِيلُ مَتَّى 7: 1-4).

وثالثًا: لعلمي أنّ القسّيسين لن يعتقدوا بصحّة كتاب القرآن المجيد لو ذكرت منه شيئًا في حقّ يسوع المسيح، الّذي يعتقدون به إلهًا من دون الله، كما قال الخواجه غبريال في كتابه (مباحث المجتهدين) مانصّه:

(إنّ استشهادي بالقرآن والأحاديث لا يلزمني أن أعترف بصحّتهما، وقوانين البحث المنطقيّة والشّرائع المدنيّة تجيز لي ذلك).

وها أنا أسرد من الأناجيل تلك الأمور الّتي تدلّ على أنّ يسوع لم يكن معصومًا من الصّغائر والكبائر كما يدّعي النّصارى، وإن كان استشهادي بها لا يلزمني أن أعترف بصحّتها. وقبل أن أبدأ بسردها أتقدّم إلى أخواني المسيحيّين بنفس تلك الألفاظ الّتي تقدّم بها إلى المسلمين الخواجه غبريال..واضعًا بدل كلمة (مسلم) كلمة (مسيحي)، وهذا نصّ ما قال:

(ليس في البحث مجاملة، -يا أمّي ارحميني- فلا يؤاخذني أخي المسيحي إذا وجد في كلامي مايثقل على مسمعه، لأنّي أقصد به تقرير الحقائق، لا الحطّ من كرامة معتقده. ولا يجوز أن أخالف معتقدي لأرضيه، لأنّ المقام مقام بحث، كما أنّني لا أنتظر منه ذلك. بيد أنّي أعدّ القارئ الكريم أنّني أتجنّب كلّ كلام يشتمّ منه رائحة الإغاظة أو التّشفي أو الاحتقار). (مباحث المجتهدين، ص5).

1-أن يسوع قال: “لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ” (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 10: 18).

2-أن يسوع المسيح ولد من بطن مريم. (متى صح1ولوقا صح3). ومعلوم أنّ المرأة هي الّتي أغويت كما قال بولص: وآدم لم يغو، ولكن المرأة أغويت، فحصلت في التّعدي. (رسالة بولس الأولى إلى أهل تيموتأوس، صح 2).

والآن اسمعوا حكم مولود المرأة:

(أ). “مَنْ يُخْرِجُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟” (أَيُّوبَ 14 : 4).

(ب). “فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟ وَكَيْفَ يَزْكُو مَوْلُودُ الْمَرْأَةِ؟” (أَيُّوبَ 25 : 4).

فولادة يسوع المسيح من دون نطفة أب لا يبرره، بل يجعله، حسب اعتقاد المسيحيين بتوريث الخطيئة، أعظم ذنبًا من الذين ولدوا من أبوين.

3-حينئذٍ أجاب قوم من الكتبة والفرّيسيين قائلين: يامعلّم، نريد أن نرى منك آية، فأجاب وقال لهم: “جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً” (إِنْجِيلُ مَتَّى 12: 39). فيظهر من هنا أنّه كان معتادًا على السّبّ والشّتم، لأنّهم سألوه بكلّ أدب واحترام، وخاطبوه بلفظ يامعلّم، ولكنّه ماعتم أن سمع سؤالهم حتّى بادرهم بالشّتم والسّباب.

4- “أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ” (إِنْجِيلُ مَتَّى 15: 4). ولكنّه خالف أمر الله هذا إذ لم يكرم أمّه ولم يلتفت إليها، بل تركها واقفة حينما جاءت تطلبه.وزاد الطّين بلّة إذ قال في جوابه للمخبر: “مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتي؟” (إِنْجِيلُ مَتَّى 12: 48). كذلك “قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ. قَالَ لَهَا يَسُوعُ: مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟” (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 2: 3-4).

قولو بالله، أهكذا يكون احترام الأمّ؟ وهل يجوز زجرها أو هل يليق بشأن الصّالح أن ينادي أمّه بلفظ يا امرأة؟

5-قال لهم يسوع أيضًا: “الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا بَابُ الْخِرَافِ. جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ”. (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 10: 7-8). مع أنّ هذا القول غير صحيح وخلاف الواقع، لأنّ موسى عليه السّلام والأنبياء الآخرين الّذين أتوا قبله لم يكونوا سراقًا ولا لصوصًا قط.

6-ثمّ قال: “لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ”. (إِنْجِيلُ مَتَّى 5: 17) ، لكنّه لما قدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة قد زنت لم يأمر برجمها، وخالف النّاموس. (يوحنا صح8).

وكذلك قال:

“وَأَيْضًا فِي نَامُوسِكُمْ مَكْتُوبٌ أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حَق، أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي”. (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 8: 17-18).

مع أنّ النّاموس لايوجد فيه بأنّ شهادة المدّعي لنفسه تكون حقًّا.

7- قال يسوع: “جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ”. (إِنْجِيلُ مَتَّى 11: 19).ولم ينف عن نفسه هذه الأمور.

8-كان عيد اليهود عيد المظال قريبًا، فقال له إخوته أن يذهب إلى اليهوديّة، ويرى الأعمال الّتي يعملها تلاميذه. قال: “اِصْعَدُوا أَنْتُمْ إِلَى هذَا الْعِيدِ. أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هذَا الْعِيدِ، لأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ. .. وَلَمَّا كَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ صَعِدُوا، حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضًا إِلَى الْعِيدِ، لاَ ظَاهِرًا بَلْ كَأَنَّهُ فِي الْخَفَاءِ”. (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 7: 8-10) ، كأنّه خدعهم وأخبرهم خلاف ماكان يضمر في قلبه.

9-وفيما هم سائرون في الطّريق قال له واحد: ياسيّد،

“يَا مُعَلِّمُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: “لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ”. (إِنْجِيلُ مَتَّى 8: 19-20).

إنّ قوله هذا لم يكن صحيحًا، لأنّه كان له مكان يمكث فيه، وينزل عنده ضيوف أيضًا كما ورد في إنجيل يوحنّا مانصّه:

فقالا (أي تلميذا يوحنا المعمدان):

“رَبِّي، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَيْنَ تَمْكُثُ؟ فَقَالَ لَهُمَا: تَعَالَيَا وَانْظُرَا. فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ، وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذلِكَ الْيَوْمَ”. (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 1: 38-39).

10-لما أخرج يسوع الرّوح النّجس المسمّى باللجئون من المجنون الّذي كان مسكنه القبور، طلب إليه كثيرًا أن لا يرسلهم إلى خارج الكورة. “وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الْجِبَالِ قَطِيعٌ كَبِيرٌ مِنَ الْخَنَازِيرِ يَرْعَى، فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ الشَّيَاطِينِ قَائِلِينَ: “أَرْسِلْنَا إِلَى الْخَنَازِيرِ لِنَدْخُلَ فِيهَا”. فَأَذِنَ لَهُمْ يَسُوعُ لِلْوَقْتِ. فَخَرَجَتِ الأَرْوَاحُ النَّجِسَةُ وَدَخَلَتْ فِي الْخَنَازِيرِ، فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى الْجُرْفِ إِلَى الْبَحْرِ. وَكَانَ نَحْوَ أَلْفَيْنِ، فَاخْتَنَقَ فِي الْبَحْرِ. وَأَمَّا رُعَاةُ الْخَنَازِيرِ فَهَرَبُوا وَأَخْبَرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَفِي الضِّيَاعِ”. (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 5: 11-14).

فالظّاهر أنّ سبب هلاك الخنازير هو يسوع، إذ سمح للشّياطين بالدّخول في الخنازير. وهكذا أضرّ يسوع أصحابها ضررًا فادحًا. ولمــّا رآه رجال الكورة وأنّه أضرّهم لم يريدوا أن ينظروا إليه، وطلبوا إليه أن يذهب من تخومهم.

11-كذلك هو أضرّ بصاحب تينة لما خرج من بيت عنيا وجاع، “فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: “لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ”. (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 11: 13-14). فيبست التّينة.

فهو بدلاً من أن يفيد صاحب التّينة بأن يدعو لها فتثمر ويأكل هو منها أيضًا، دعا عليها فيبست. فأضرّ صاحبها ولم يستفد هو أيضًا بأكله منها.

12- “جاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ”. (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 1: 9). وهذه المعموديّة كانت معموديّة التّوبة لمغفرة الخطايا كما قال مرقس ما نصّه:

“كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا”. (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 1: 4).

فلو لم تكن له حاجة إلى التّوبة لمغفرة الخطايا لماذا اعتمد، لأنّ اعتماده بدون هذا كان لغوًا لامعنى له.

وعلى كلّ حال، فإنّه يوجد في الأناجيل كثير من مثل هذه الأمور الّتي تثبت بأنّ يسوع المسيح لم يكن أبرّ من الآخرين. وقد ذكرنا هذه الأمور كنموذج، لكي يعرف الخصوم بأنّ الأمور الّتي يطعنون بها في قداسة الأنبياء الكرام من القرآن المجيد يوجد أكثر منها وأشدّ وضوحًا في حقّ المسيح نفسه في الأناجيل. فهل المسيح كان خاطئًا وآثمًا لوجود هذه الأمور فيه أم كان معصومًا؟

(يتبع)

Share via
تابعونا على الفايس بوك