- فلماذا كان الصحابة يبكرون بصلاة الجمعة ثم يقيلون بعدها؟
- وما هو التفسير العلمي لأثر القيلولة في دمج المعلومات في الذاكرة؟
- ثم كيف تسهم دقائق معدودة من النوم في إعادة ضبط ضغط الدم وتوازن الجهاز العصبي؟
____
في الأوساط التي يشتد فيها القيظ تشيع عادة أخذ سِنَة من النوم بعد الظهيرة، فيما يسمى بالقيلولة، والوقت الذي يقضي فيه الناس قيلولتهم يُعرف بوقت القائلة، وفي القرآن الكريم نجد ورودا لهذا اللفظ حيث قوله تعالى:
فـ «قائلون» معناها داخلون في وقت القائلة، ومثلها «مصبحون»، أي في وقت الصباح.
وقيلولة منتصف النهار يطلق عليها في الإنكليزية (ٍSiesta)، والكلمة وإن كانت ترجع إلى أصل لاتيني كمعظم كلمات المعجم الإنكليزية الأخرى، إلا أن هذه تبدو وكأنها ذات جذور عربية، فلفظها يتفق مع معناها العربي، حيث تعني ست ساعات ابتداء من الفجر!
وتطبيق هذه الكلمة يلاحظ في دول البحر المتوسط، جنوبي أوروبا، وفي منطقة الشرق الأوسط، وشبه القارة الهندية، وأجزاء من الصين. ففي هذه الأماكن، تكون درجات الحرارة في منتصف النهار مرتفعة جدا مما يجعل العمل أو حتى مجرد السير أمرا شاقا، وفي حديث زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل: «ما مُهاجِرٌ كمَن قال» وفي رواية: «ما مُهَجِّر» والتَّهْجِيرُ: السَّيْرُ في الهَاجِرةِ (أي حر الظهيرة)، والقَيلُولَة: النَّومُ فيها؛ أي ليس المُتعَنّى كالمُسَتريح. (2)
القيلولة في السنة النبوية
ورغم كثرة الأبحاث العلمية التي تناولت القيلولة، ومع أهمية هذه الأبحاث، فإننا نشير إلى القيلولة على أنها سنة نبوية مهجورة، وحين يطبقها المسلمون يطبقونها اقتداء بالنبي ، حتى يكون في فعلها اتباع للنبي ينال منه المسلم ثوابا من الله تعالى، مع ما فيها من الفوائد. ومن المعلوم أن القيلولة هي نومة وسط النهار، وكان من السنة أن يقيل المسلمون إذا كان الجو حارا، ويؤخرون صلاة الظهر، فيصلون جماعة، وليس فرادى، إلا يوم الجمعة، فإنهم كانوا يبكرون بالصلاة، ثم يقيلون بعدها. أخرج ابن ماجه بسنده عن سهل بن سعد الساعدي قال: «ما كنَّا نقيلُ ولاَ نتغدَّى إلاَّ بعدَ الجمعة»(3)، وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: «كُنَّا نُبَكِّرُ إلى الجُمُعَةِ، ثُمَّ نَقِيل.ُ»(4)
وأيضا ثمة العديد من الفوائد الأخرى لقيلولة منتصف النهار، وتلك الفوائد العلمية الرئيسية تتجلى في الصحة العصبية والقلبية، فتؤدي أيضا القيلولة إلى كفاءة في اليقظة والأداء. وعلى وجه الخصوص، في الوظائف التنفيذية للدماغ كأوامر التخطيط، التذكر، والقيام بعدة مهام بشكل ناجح. جميع هذه الأمور يمكن تأديتها بكفاءة بعد الحصول على قيلولة منتصف النهار.
القيلولة في مختبرات العلم الحديث
مع أن النوم أمر لا مفر منه، على الرغم من ذلك، لا يحصل البشر عمومًا على قسط كافٍ من النوم، وتشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن هذا النقص يؤثر سلبًا على الأداء اليومي، فضلًا عن النتائج الصحية طويلة الأمد. وقد ربطت الدراسات الوبائية عدم كفاية النوم بزيادة خطر الإصابة بالأمراض، بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية والأمراض الأيضية(5)، والسكري، والسرطان، ومرض الزهايمر وأنواع الخرف الأخرى، بالإضافة إلى الوفاة المبكرة. وتُظهر الدراسات المختبرية التي تُقيّد النوم تجريبيًا وجود قصور في العديد من المجالات المعرفية، بما في ذلك الوظائف التنفيذية، والذاكرة طويلة الأمد، فضلًا عن معالجة المشاعر وتنظيمها. ويمكن أن يُنبئ عدم كفاية النوم لدى المراهقين، على المدى الطويل، بالاكتئاب، ومشاكل التفكير، وانخفاض الذكاء المتبلور، فضلًا عن خصائص بنية الدماغ. أما لدى كبار السن، فيمكن أن يُنبئ بظهور الأمراض المزمنة، بما في ذلك مرض الزهايمر. لقد ثبت أن الليالي المتكررة من النوم غير الكافي (على سبيل المثال، ثلاث إلى أربع ليال من أربع إلى ست ساعات من النوم) تؤدي إلى اضطراب إفراز الهرمونات، ورفع درجة حرارة الجسم ومعدل ضربات القلب، وتحفيز الشهية، وخلق خلل في التوازن بين فرعي الجهاز العصبي اللاإرادي عن طريق إطالة النشاط الودي وتقليل النشاط الترميمي اللاودي(6).
وأيضا ثمة العديد من الفوائد الأخرى لقيلولة منتصف النهار، وتلك الفوائد العلمية الرئيسية تتجلى في الصحة العصبية والقلبية، فتؤدي أيضا القيلولة إلى كفاءة في اليقظة والأداء. وعلى وجه الخصوص، في الوظائف التنفيذية للدماغ كأوامر التخطيط، التذكر، والقيام بعدة مهام بشكل ناجح. جميع هذه الأمور يمكن تأديتها بكفاءة بعد الحصول على قيلولة منتصف النهار.
علاوة على ما سبق، يُجمع كثير من الباحثين على أن القيلولة تعزز الذاكرة والتركيز، وتفسح المجال أمام دورات جديدة من النشاط الدماغي في نمط أكثر ارتياحا. غير أن هذا لا يجب أن يؤخذ على إطلاقه، فقد شدد الباحثون على عدم الإطالة في القيلولة، لأن الراحة المفرطة قد تؤثر سلبا على نمط النوم العادي. وأشار الدكتور إيسكالانتي إلى أن الدول الغربية بدأت تدرج القيلولة في أنظمتها اليومية، وأوصى بقيلولة تتراوح بين 10 – 40 دقيقة.. وتوفر القيلولة العديد من المزايا للبالغين الأصحاء، بما في ذلك:
- الاسترخاء
- تقليل الإجهاد
- زيادة اليقظة
- تحسن في المزاج
- أداء أفضل، بما في ذلك ردود فعل أسرع وذاكرة أفضل
فائدة القيلولة للطفل والمراهق
القيلولة كذلك لدى الأطفال مرتبطة بمعدل الذكاء، ويعزى إليها تحقيق إنجاز أكاديمي أفضل وتصرفات استيعابية. نتيجة الدراسات بهذا الخصوص تشير إلى أن من يحرصون على نوم القيلولة إلى مدة قصيرة وبانتظام قلما تنتابهم مشاكل عاطفية أو سلوكية..
وثمة تلميحات إلى أن قيلولة منتصف النهار تعزز الوظيفة الإدراكية في مرحلة المراهقة المبكرة. وفقا للدراسات العملية، المنتظمين على القيلولة لديهم أرجحية متزايدة في الدقة العالية في الانتباه الدائم الغير منقطع وفي مهام التفكير المنطقي والتي كانت مستقلة عن مدة وجودة النوم في الليل.
استسلم لقيلولتك!
يخطئ من يظن بأن قطع النهار كله في العمل المتواصل أمر محمود، بل إن اقتناص دقائق للقيلولة يتيح للمرء القدرة الذهنية على ترتيب الأفكار وكذلك من شأنه أن يعيد الجسم تركيب الأخلاط الحيوية وضبط ضغط الدم وما إلى ذلك.
وجد الباحثون أن القيلولة تحسن أداء الذاكرة بوجه عام، في حين أن الكافيين إما لا يؤثر إطلاقا أو أنه يزيد الأداء سوءا. ويشير الباحثون إلى أن الكافيين يعيق دمج مادة جديدة في الذاكرة طويلة المدى عن طريق زيادة المستويات في الناقل العصبي «آستيل كولين» في منطقة قرن آمون في الدماغ، وهو نفس الناقل العصبي الذي ينخفض طبيعيا أثناء النوم البطيء.
الهوامش:
- (الأَعراف: 5)
- انظر: أبو موسى المديني، المجموع المغيث في غريب القرآن والحديث، تحت «ق ي ل»
- أخرجه البخاري (939)، ومسلم (859)، وأبو داود (1086)، والترمذي (525)، وابن ماجه (1099) جميعا بلفظه.
- أخرجه ابن خزيمة (1841)، والبيهقي (6014).
- مجموعة من المشاكل التي تحدث معًا وتزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية ومرض السكري من النوع الثاني
- Sara C. Mednick, Should napping be recommended as a health behavior?, An official publication of the American College of Chest Physicians, November 1, 2024