نظرات في حقيقة البيعة

حلمي مرمر

كاتب
  • ماذا تعني البيعة؟!
  • كيف لبيعة المرء أن تكون عقد أمان وسلام مع العالم؟!
  • أي جديد تضيفه البيعة للمسلم الذي يقيم شعائر الإسلام؟!

البيعة أساس الدين، وهدف كل رسالة، فما أرسل الله رسولا إلا ليبايعه الناس:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (النساء: 65)،

وما أنزل كتابا إلا أن يكون هذا الكتاب محتويا على بنود تلك البيعة، وما حياة الرسل أجمعين إلا نموذج يَحتذي به المبايعون إن أرادوا أن تكون بيعتهم حقيقية قلبا وقالبا، وهذا هو المعنى الحقيقي لقوله تعالى:

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب: 22)،

فمن صدَّق الرسول وآمن بنبوته وصدق رسالته فلا بد له أن يدرك مثالية أقواله وأفعاله فيتمثلها، ولا يحيد عنها، ويكون اقتداؤه به في الحقيقة هو منتهى الطاعة لله، فإنه وإن أطاع الرسول، إلا أنه في الحقيقة يطيع الله الذي أرسله،

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (النساء: 81)

لأن جميع أقواله وأفعاله منه وقال تعالى ـ أيضا مخاطبا خاتم النبيين :

إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (الفتح 11)

فالنُّكث بالعهد متوقَّع، فليس كل من عاهد أوفى، فهناك من إذا عاهد غدر.

معنى البيعة
البيعة أن تبيع نفسك لله مقابل بعض ترحماته وتفضلاته، وليس جميعها، لأن نعم الله لا تُعدّ، وآلاءه لا تُحصى، وقال تعالى في كتابه العزيز:

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (التوبة: 111)

فقد باعوها لله مقابل جنةِ طاعته ورضاه، فللمؤمن جنتان، إحداهما في الدنيا، والأخرى في الآخرة، فأما التي في الدنيا فأن تشمله السكينة، وتحفه الرحمة، وتنزل عليه الملائكة، ويذكره الله فيمن عنده، وأما التي في الآخرة فيتجلى عليه رب العالمين تجليه الأعظم، ويربيه التربية المثلى، فيرى ما لم يكن يرى، ينعم بما لم يكن يحلم، ويحيى وكأنه لم يكن قبل من الأحياء، ثم تتجلى عليه رحيميته في ثمرات أعماله الصالحة فإذا بها:

أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى (محمد: 16)،

ثم مالكيته التي يصل بها إلى عين الحقيقة الإلهية، ومنتهى صور المالكية، حيث يوصل الله إليه نعمه بيده. ولأن الإنسان كلَّه ملكٌ لله، فعليه أن يبيع نفسه له، ويهبَها إياه سبحانه، فهي منه وإليه، ومن فضل الله أن جعل لها ثمنا، وهو الجنة، رغم أنها في الأصل ملك له، وهبةٌ منه، فسبحان الذي يملك السلعة، ثم يدع الإنسان يقبض لها ثمناً!
فقد بايع كل نبي ربه على الطاعة والاتباع المطلق، واتخذ كتابه الذي أوحاه الله إليه نبراسا له ومنهجا، وطبق شروط البيعة وفق الكتاب الموحى إليه، واتبعه على ذلك من اتبعه من المؤمنين، ولكن المصابيح لا تظل مضيئة دوما، فإذا قل زيتها خفتت، وإذا نفد انطفأت، ولكن رحمة الله تأبى أن ينقطع نوره من العالم، فسرعان ما تتدارك رحمتُه التي وسعت كل شيء عباده، الصالحَ منهم والطالح، فيرسل المبعوثين المأمورين، ويحدث المحدَّثين، ويلهم أولياءه الصالحين، كل ذلك لا لشيء إلا ليبايعهم الناس ويقتفوا أثرهم، ويكونوا كأنهم هم، رحمةً منه وفضلاً، ولأن سيدنا إبراهيم دعا دعوته الشهيرة:

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (البقرة: 130)

فالتزكية لا تكون إلا على يد مأمور من الله ومبعوث منه، ونذكر قول رسول الله لمن سأله عن كيفية النجاة من فتن آخر الزمان، إذ قال له:

«فَالْزَمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ» (سنن ابن ماجه،كتاب الفتن)،

ولكن المصابيح لا تظل مضيئة دوما، فإذا قل زيتها خفتت، وإذا نفد انطفأت، ولكن رحمة الله تأبى أن ينقطع نوره من العالم، فسرعان ما تتدارك رحمتُه التي وسعت كل شيء عباده، الصالحَ منهم والطالح، فيرسل المبعوثين المأمورين، ويحدث المحدَّثين، ويلهم أولياءه الصالحين، كل ذلك لا لشيء إلا ليبايعهم الناس ويقتفوا أثرهم…

فها هي جماعة المسلمين، الجماعة الإسلامية الأحمدية، وها هو إمامهم المهديّ والمسيح الموعود ، وخليفة الوقت (أيده الله) الذي يأخذ من الناس البيعة باسمه المبارك، فإن كنتم ترجون طاعة الله، وترغبون حقيقةً في أن تتعلموا آياته، وتعرفوا المعنى الحقيقيَّ للكتاب والحكمة، وتتوق أرواحكم إلى التزكِّي الذي يوصلكم إلى بارئكم، فبايعوه ولو بعتم العالم كله، فأنتم الرابحون، فقد فزتم بتجارة تنجيكم من عذاب أليم، وتبلغ بكم معارج الترقيات إلى الرب الكريم.
ويظل الأمر على ذلك، فكلما خبا نور أدركه نور، لذلك كان الله نورَ السماوات والأرض، فمنه كل النبيين، وسائرُ الكتب، وفي زمننا هذا كُوِّرت الشمس المحمدية فلم تعد ساطعة كما كانت، ولم تعد سُنته يتخذها الناس منهج حياة، ويحاول الدجالُ أن يحجب ضوءها الباهرَ بمكائده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فأرسل الله مسيحه الموعود حسب الوقت المعلوم، وحسب إرشاد النبي الخاتم للناس بقوله: «فإن رأيتموه فبايعوه»، تلك البيعة التي أخبر عنها في كتابه الكريم قائلا:

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (التوبة: 111)

فقد باع المؤمنون أنفسهم لله، وليس لهم جزاءٌ إلا الجنة، ويذكِّرهم الله بتلك البيعة من حين إلى حين، كلما يبعث مبعوثا، ولأنه تعالى يعلم أن البيعة في هذا الزمن سوف تكون شاقة كل المشقة، لِما يتحمل أصحابها في سبيلها من مصاعب، فقال:

«فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَأْتِهِمْ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ.» (سنن ابن ماجه،كتاب الفتن)

أي بايعوه ولا تبالوا بالأخطار، بايعوه واقتحموا العقبة، بايعوه لتنعموا بالطمأنينة والسلام مع النفس ومع سائر العالمين، بايعوه لتفوزوا بالدارين، وتـــــكونوا من الذين قال الله فـيهــم:

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (الرحمن: 47)

جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة، لن يحياهما على حقيقتهما إلا من بايع بحق.

وأذكر في ذلك الشأن قولا للخليفة الأول مولانا نور الدين ، عندما اعترض عليه أحدهم قائلا: ما التي أضافته إليك بيعتك للمرزا وقد كنت ترى رسول الله في المنام، فقال له: أما وإن كنت أرى رسول الله في المنام قبل البيعة، وقد أصبحت بعد البيعة أراه في اليقظة، فإن كان هذا هو شأن الصالحين من أمثال خليفتنا الأول، الذي كان له باع طويل في العلوم القرآنية والحديثية، وصلةٌ بالله قلما يشاركه فيها أحد من أهل زمانه، فما بالك بنا نحن العوام والجاهلين والآثمين! فما أحوجنا إلى تلك البيعة!

بيعة المرء عقد أمان وسلام مع العالم
لا تقدر الكلمات مهما كانت بليغة منتقاةً أن تعبر عن مدى السلام النفسي، والاطمئنانِ الجمّ، والسعادةِ الروحية، والرضا والقناعة، وحبِّ الناس جميعا على عِلاتهم، على ما هم عليه، الذي يحظى به المبايع بعد البيعة، لأنه قد علم أن الله يرحم الناس جميعا، فلِمِ لا يرحمهم هو؟! ولأنه علم أن الله يحبهم جميعا، ولا يكرههم، فلماذا يكرههم هو؟! فمن أجل ذلك يشفق عليهم ويصافيهم ويوادعهم أسوةً بالرسول الذي لم يوافق على العرض الذي قدمه له ملك الجبال عندما قال له:

يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا (صحيح البخاري،كتاب بدء الخلق)

تلك البيعة إعلان صريح للناس جميعاً أن المبايع باع الدنيا واشترى الآخرة، باع الناس واشترى رب الناس، ولن يعرف أهمية البيعة ويقطفَ ثمارها إلا المبايعون، فمن لم يذق العسل في حياته، كيف له أن يصف حلاوته لغيره؟!

دعوة ونداء إلى منتظري النازل من السماء
وأذكر في ذلك الشأن قولا للخليفة الأول مولانا نور الدين ، عندما اعترض عليه أحدهم قائلا: ما التي أضافته إليك بيعتك للمرزا وقد كنت ترى رسول الله في المنام، فقال له: أما وإن كنت أرى رسول الله في المنام قبل البيعة، وقد أصبحت بعد البيعة أراه في اليقظة، فإن كان هذا هو شأن الصالحين من أمثال خليفتنا الأول، الذي كان له باع طويل في العلوم القرآنية والحديثية، وصلةٌ بالله قلما يشاركه فيها أحد من أهل زمانه، فما بالك بنا نحن العوام والجاهلين والآثمين! فما أحوجنا إلى تلك البيعة! لتنالوا آيات الرحمن خلف من أرسله، فيزكينا، ويطهرنا، ويعلمنا الكتاب والحكمة، كما وعد الله بذلك وأنفذ وعـــده:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الجمعة 3-4)

ونحن الآخرون الموعودون، وقد بعث الله تعالى محمدا بعثته الثانية، في صورة المسيح الموعود، والمهدي المعهود، الذي هو من بني فاطمة أُماً، ومن بني فارس أباً، بعدما ارتفع الإيمان عند الثريا، فأتى به، فيا من كنتم تنتظرون عيسى النازل من السماء، فهلموا إليه فقد نزل، ويا من تؤملون أنفسكم بانتظار الإمام المهديّ، ليأتيكم بنصر بعد هزائم، وعز بعد مذلات، ورفعة بعد تهاوٍ، فقد أتى، فبايعوه ولو حبواً على الثلج، ليتسنى لآمالكم أن تتحقق، وأحلامكم أن تكون واقعاً حياً، وأعمالكم أن يُكتب لها القبول عند رب العالمين، وساعتها فسوف ترون الله وقد رضي عنكم وأرضاكم، ومن كل فتن الدجال قد عصمكم ونجاكم.

Share via