• على غرار موسوعة جينيس للأمور المادية، هناك موسوعة أرقام قياسية في المجالات الروحانية.
  • مواساة الخلق هي التطبيق العملي لعبادة الخالق

من الغريب أن أهل الدنيا برعوا في تسجيل موسوعات كموسوعة «جينيس للأرقام القياسية»، فكان هناك محطم الرقم القياسي في الجري والسباحة والمصارعة وحمل الأثقال وتسجيل الأهداف وغيرها.. لم نسمع بموسوعة عن تحطيم الأرقام القياسية في الأخلاق الإنسانية.. ربما لأن الأخلاق ليست بالقيم التي يمكن قياسها والتعبير عنها بالأرقام.. ولكن، يمكننا معرفة المستوى الأخلاقي من خلال شواهد تدل عليه، ولحسن الحظ، فالشواهد مسجلة ومحفوظة، ويمكن بقليل من الجهد تمييز الصادق والكاذب من خلال تلك الشواهد.. بالطبع هذا القول في نظر مخالفينا في الرأي أو العقيدة مجرد ادعاء لا دليل عليه، ولكن فقد سجل التاريخ نماذج دالة لدعمه من حياة سيدنا محمد المصطفى .. فمواساة النبي لم تتوقف عند مواساة أتباعه من المسلمين فقط، بل تجاوزتها لمواساة غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى. وقصة الغلام اليهودي المريض معروفة، والذي ذهب النَّبِيُّ يَعُودُهُ وهو على فراش الموت، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ. فَأَسْلَمَ فَقَامَ النَّبِيُّ َ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ» (1).

ولم تتوقف عاطفة المواساة لدى نبينا الخاتم عند هذا الحد، بل كان ولا زال رحمة للعالمين، بشرا أو غير بشر، وحتى قبل أن تظهر فكرة الرفق بالحيوان بقرون طويلة. كان النبي يُعلم أصحابه هذا المبدأ الراقي، والقائل بأن المواساة لا تتجزأ، فمن يواسي البشر يواسي الطير والشجر، لأن الخلق جميعا عيال الله.. يروى أن النبي دَخَلَ حَائِطًا (يعني بستانا) لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ. فَقَال:َ

مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ.. لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ.»

فمواساة الخلق هي التطبيق العملي لعبادة الخالق، وبما أن مواساة خلق الله هي شطر الدين، وهي التطبيق العملي للعبادة، كان النبي الذي أحرز قصب السبق في العبادة هو نفسه الذي بلغ الغاية في خلق المواساة. والمواساة نصف الدين، وهي الخُلق الذي لو انعدم، لا سمح الله، لتحول المرء إلى وحش بالتدريج. ومن المشاهد المبكرة عن خلق المواساة لدى النبي حتى قبل أن يكلفه الله تعالى بالرسالة، ما حدث بعد بدء الوحي، وقوله لأمنا خدِيجَةَ رضي الله عنها: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» فأجابت:

«كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ»(3)..

وفي الحقيقة، هذه الصفات الخمس تندرج كلها تحت خلق المواساة، هي صفات المجتمع المتماسك الناجح.. المجتمعات تبدأ في الانحدار حين تنتشر فيها المقولة البغيضة «يلا نفسي» أو كما يرددها البعض «أنا ومن بعدي الطوفان».. هاتان المقولتان تعبيران عن افتقاد خلق المواساة بما يجعل مفتقديه وحوشا بمعنى الكلمة، لا يتورع أحدهم عن افتراس أخيه ما وجد إلى ذلك سبيلا. والحديث عن المواساة يطول، ولكن أرى أن نقف في آخر هذه السطور على حديث يحفظه أكثرنا، يركز على خلق مواساة الخلق دون النظر إلى الفروق في الدين أو اللون أو القوم …. إلخ. قال :

« إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي». (4)

المراجع:

1. صحيح البخاري، كتاب الجنائز

2. سنن أبي داوود، كتاب الجهاد

3. صحيح البخاري, كتاب بدء الوحي

4. صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب

Share via