• أشاع الكفار في أرض الحبشة كذبا أن أهل مكة قد أسلموا
  • قال الكفار فيما بعد تخفيفا من العار: لقد سجدنا مع محمد لأنه أثنى على آلهتنا
  • إن حادث الإسراء وقع بعد السنة الحادية أو الثانية عشرة النبوية

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. (بني إسرائيل: 2)

تشير هذه الآيات إلى المعراج النبوي الشريف، والدليل على ذلك هو أن كل ما ورد فيها يتعلق بحادث المعراج. ويُستخلص من هذه الآيات ما يلي:

1- وصول النبي إلى سدرة المنتهى: فهناك رواية عن أبي هريرة وقد سجلها كل من هؤلاء المحدثين الستة في كتبهم: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبزّار، وأبو يَعلى، والبيهقي. وقد ورد فيها أن النبي بعد أن وصل إلى السماء ليلة المعراج وقابلَ الأنبياء انتهى إلى السدرة. (الخصائص الكبرى ج 1 باب خصوصيته )
وهناك رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري قد نقلها كل من ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن العساكر، وتؤكد هذه الرواية ذهاب النبي إلى السماء، ولقاءه بالأنبياء هناك، ثم وصولَه إلى سدرة المنتهى. (المرجع السابق)
وفي رواية أخرى عن مالك ابن صعصعة: «ثم رُفعتُ إلى سدرة المنتهى». (البخاري: كتاب بدءُ الخلق، باب ذِكر الملائكة؛ مسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله؛ مسند أحمد: مسند الأنصار، وابن جرير)
ثم هناك رواية في البخاري عن أبي ذرٍّ تذكر ذهابَه إلى السماء ولقاءَه الأنبياءَ، ووصولَه إلى سدرة المنتهى. (البخاري: كتاب الصلاة، باب كيف فُرضت الصلاة)

2- غشيانُ شيء ما السدرةَ حينذاك: وهذا أيضًا مسجَّل في أحاديث المعراج. فقد ورد في الرواية المشار إليها أعلاه أن النبي قال: «فغَشِيَها نورُ الخلّاق » (الخصائص الكبرى). كما ورد: «فلما غشيها مِن أمر الله ما غشي تغيرتْ، فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها» (مسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ).

3- رؤية النبي الجنةَ عند سدرة المنتهى: وهذا أيضًا مذكور في أحاديث المعراج حيث ورد في رواية لأبي سعيد الخدري نقلها العديد من المحدثين أنه قال: «ثم إني رُفعتُ إلى الجنة»، وذلك بعد لقائه بالأنبياء الآخرين. (الخصائص الكبرى ص 165).
4- برؤية هذه المشاهد طرأت على النبي حالة وصفها الله بقوله: كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى .

وروايات المعراج تؤكد هذا الأمر أيضًا، فورد في رواية أبي سعيد الخدري المذكورة أعلاه أن النبي قال: بعد وصولي إلى سدرة المنتهى «كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى». (المرجع السابق ص 169)
علمًا أنني لست هنا بصدد شرح هذه الأحاديث، وإنما أريد التأكيد أن الأحاديث الواردة في وصف المعراج تذكر نفس المشاهد المذكورة في سورة النجم.

5- رؤية النبيِّ البارئ تعالى، كما يشير إلى ذلك قولـه تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى . وقد ورد هذا المعنى في روايات عديدة عن المعراج، حيث نقل ابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر : «سمعتُ رسولَ الله وهو يصف سدرة المنتهى… فقلت: يا رسول الله، ما رأيتَ عندها؟ قال: رأيتُ عندها يعني ربَّه.» (المرجع السابق ص 177). وقال ابن عباس في قوله تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى* أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* : «رآه بفؤاده مرتين». (مسلم: كتاب الإيمان، باب معنى قوله تعالى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)

6- كلام الله تعالى مع النبي عند سدرة المنتهى كما هو ظاهر من قوله تعالى: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ،

وهذا أيضًا مسجّل في أحاديث المعراج، فقد نقلنا آنفًا رواية عن أبي هريرة تقول إن النبي لما بلغ سدرة المنتهى «فكلّمه الله تعالى عند ذلك» (الخصائص الكبرى ص 155). كذلك نقل ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قول الرسول إني لما وصلت إلى سدرة المنتهى «قال الله لي: يا محمد». (المرجع السابق ص 155)

بحثي يؤكد أن ما حدث في الحقيقة هو أن الكفار لما يئسوا من استرداد المسلمين المهاجرين من الحبشة أشاعوا في أرض الحبشة كذبًا أن أهل مكة قد أسلموا جميعًا، وذلك ليعود المهاجرون. فلما عاد المسلمون المهاجرون خاف الكفار أن المهاجرين إذا اقتربوا من مكة وعرفوا كذب الخبر فربما يعودون على أدراجهم إلى الحبشة، فلجأوا إلى مكيدة أخري ….. وبعد أن حقق الكفار غرضهم هذا قالوا لأتباعهم كذبًا وتخفيفًا من العار الذى لحقهم: لقد سجدنا مع محمدٍ لأنه أثنى على آلهتنا.

لقد ثبت بذلك أن الحادث الذي تشير إليه سورةُ النجم إنما هو حادث المعراج نفسه.
والآن أُورد الأدلة على أن سورة النجم قد نـزلت بعد السنة الخامسة من النبوة أو قبل ذلك بقليل. فهناك حادث شهير ذو صلة وثيقة بهذه السورة يحدد زمن نـزولها بما لا يدع مجالاً للشك، وذلك أن النبي لما رأى أن اضطهاد الكفار المكيين لأصحابه قد بلغ المنتهى أشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة، حيث قال لهم مشيرًا إلى جهة الغرب: هناك بلد لا يُظلَم فيه أحد. فخرج بعض صحابته قاصدين الحبشة في شهر رجب من السنة الخامسة من النبوة، وكان فيهم سيدنا عثمان بزوجته رقية بنت رسول الله (الطبقات الكبرى: هجرة الحبشة). ولما علمت قريش بذلك خرجت على آثار الصحابة، ولكنهم ركبوا السفن قبل أن يدركهم الكافرون، وعبروا البحر إلى أرض الحبشة، وعاشوا هناك بأمان. ولما بلغ الكفارَ ذلك بعثوا إلى النجاشي ملِكِ الحبشة وفدًا مكونًا من عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة ليسألاه تسليم المسلمين اللاجئين للمكيين، ولكن الملك رفض طلبهم، فرجع الوفد خائبًا خاسرًا.
ثم بعد ذلك جاء النبي ذات يوم في نادي الكفار وقرأ عليهم سورة النجم، وفيها أمرٌ بالسجود، ولما سجد النبي سجود التلاوة سجد معه الكفار كلهم، فأُشيعَ بين الناس أن أهل مكة كلهم، أو أعيانُها على الأقل، قد أسلموا. وقال الكفار فيما بعد تبريرًا لسجودهم أن محمدًا كان مدح آلهتهم أثناء قراءته سورة النجم، فسجدوا معه.

فخلاصة الكلام أن التاريخ والحديث والعقل كل أولئك تؤكد أن حادث الإسراء قد وقع بعد السنة الحادية أو الثانية عشرة النبوية. وأما حادث المعراج فقد أثبتُّ قبل قليل أنه حصل بعد السنة الخامسة النبوية. فما دام الحادثان تفصلهما فترة زمنية لا تقل عن ست أو سبع سنوات فكيف يمكن اعتبارهما حادثًا واحدًا؟ إذن فإن المعراج غيرُ الإسراء الذى زار فيه النبي بيت المقدس.

وقد قال بعض المفسرين بأن الشيطان هو الذي قال هذه الكلمات في مدح آلهة الكفار، وليس الرسول .
ولكن بحثي يؤكد أن ما حدث في الحقيقة هو أن الكفار لما يئسوا من استرداد المسلمين المهاجرين من الحبشة أشاعوا في أرض الحبشة كذبًا أن أهل مكة قد أسلموا جميعًا، وذلك ليعود المهاجرون. فلما عاد المسلمون المهاجرون خاف الكفار أن المهاجرين إذا اقتربوا من مكة وعرفوا كذب الخبر فربما يعودون على أدراجهم إلى الحبشة، فلجأوا إلى مكيدة أخرى حيث أتوا النبي وطلبوا إليه أن يُسمعهم القرآن الكريم، ثم سجدوا معه أثناء التلاوة، لكي يَشيع خبر سجدتهم بين الناس، فيسمعه المسلمون المهاجرون فلا يعودوا إلى مَهجرهم. وبعد أن حقق الكفار غرضهم هذا قالوا لأتباعهم كذبًا وتخفيفًا من العار الذي لحقهم: لقد سجدنا مع محمدٍ لأنه أثنى على آلهتنا.
هذا هو تعليقي باختصار على حادث السجود، ولكننا لسنا في صدد نقاشه الآن، وإنما محله في تفسير سورة الحج وسورة النجم إن شاء الله تعالى.
وأعود الآن إلى ما كنت بصدده فأقول: إنه لم يمضِ على هجرة هؤلاء المسلمين إلى الحبشة ثلاثةُ أشهر حتى سمعوا خبر إسلام المكيين، فعاد بعضهم إلى مكة (المرجع السابق). وقد سجلتْ كتبُ التاريخ والحديث كلها هذا الحادث، مما يشكّل دليلاً قاطعًا على أن سورة النجم قد نـزلت قبل شهر شوال من السنة الخامسة النبوية، وبما أن حادث المعراج مسجل في هذه السورة فثبت أن المعراج أيضًا كان قد وقع قبل شوال من السنة الخامسة النبوية.
أما الآن فأعود إلى حادث الإسراء المذكور في هذه السورة التي نحن بصدد تفسيرها. لقد ورد في التاريخ أن الإسراء وقع في ربيع الأول أو الثاني أو رجب أو شعبان من السنة الحادية عشرة النبوية (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية: وقتُ الإسراء).
أما المستشرقون المسيحيون فأيضًا يعترفون أن الإسراء وقع في السنة الثانية عشرة النبوية. (حياة محمد للسير وليم ميور ص 125)
كما أن روايات كتب الحديث أيضًا تحدد حادث الإسراء في زمن قريب من ذلك، حيث أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال: «أُسريَ بالنبي ليلةَ سبعَ عشرَة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة» (الخصائص الكبرى ص 161). كما أخرج البيهقي عن ابن شهاب قال: أُسريَ بالنبي إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنةٍ (المرجع السابق ص 162). وأيضًا أخرج البيهقي عن السدي أنه أُسريَ بالنبي قبل مُهاجَره بحوالي ستة أشهر. كما نقل ابن سعد عن أم سلمة أن حادث الإسراء وقع قبل الهجرة بسنة في السابعة عشرة من شهر ربيع الأول.
إذن فكل هذه الروايات تجزم بأن الإسراء وقع قبل الهجرة بستة أشهر أو سنة.
وهناك دليل آخر على وقوع الإسراء بعد خروج النبي من شعب أبي طالب – علمًا أن الكافرين حاصروا النبيَّ وأصحابه في شعب أبي طالب في السنة السابعة، ورفعوا هذا الحصار في السنة العاشرة (الطبقات الكبرى لابن سعد: ذكرُ حصر قريشٍ رسولَ الله وبني هاشم في الشعب) – هناك شاهد واحد للإسراء وهو أم هانئ بنت عم النبي أبي طالب، فهي تقول: لقد بات النبي في بيتها ليلة أُسريَ به. وقد وثّق قولها هذا كثير من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين (الخصائص الكبرى ص 177). والبديهي أن النبي ما كان ليبيت في بيت أم هانئ في حياة خديجة أو حياة أبي طالب، مما يعني أن حادث الإسراء حصل بعد وفاة خديجة وأبي طالب. ويخبرنا التاريخ أنهما تُوفّيا بعد السنة العاشرة النبوية (السيرة النبوية لابن هشام: وفاة أبي طالب). فهذه شهادة تاريخية أخرى على صحة رأيي؟

فخلاصة الكلام أن التاريخ والحديث والعقل كل أولئك تؤكد أن حادث الإسراء قد وقع بعد السنة الحادية أو الثانية عشرة النبوية. وأما حادث المعراج فقد أثبتُّ قبل قليل أنه حصل بعد السنة الخامسة النبوية. فما دام الحادثان تفصلهما فترة زمنية لا تقل عن ست أو سبع سنوات فكيف يمكن اعتبارهما حادثًا واحدًا؟ إذن فإن المعراج غيرُ الإسراء الذى زار فيه النبي بيت المقدس.

فخلاصة الكلام أن التاريخ والحديث والعقل كل أولئك تؤكد أن حادث الإسراء قد وقع بعد السنة الحادية أو الثانية عشرة النبوية. وأما حادث المعراج فقد أثبتُّ قبل قليل أنه حصل بعد السنة الخامسة النبوية. فما دام الحادثان تفصلهما فترة زمنية لا تقل عن ست أو سبع سنوات فكيف يمكن اعتبارهما حادثًا واحدًا؟ إذن فإن المعراج غيرُ الإسراء الذي زار فيه النبي بيت المقدس.
وبالإضافة إلى الشواهد التاريخية هناك أمر آخر يؤيد استنتاجي هذا، وهو أن الروايات تؤكد أن الصلوات قد فُرضت في المعراج. فلو ظننا أن المعراج والإسراء حادث واحد لاضطررنا إلى القول أن الصلوات الخمس لم تُفرض إلا بعد السنة الحادية أو الثانية عشرة من البعثة، وهو قول باطل بالبداهة، لأنها فُرضت في أوائل البعثة، وذلك بحسب إجماع المسلمين كافةً (البخاري: كتاب الصلاة، باب كيف فُرضت الصلاة في الإسراء). فثبت من ذلك أيضًا أن المعراج تم في أوائل البعثة، بينما وقع الإسراء في السنة الحادية أو الثانية عشرة بعد البعثة.