مولانا ظفر محمد ظفر.. سيرة عالم ومسيرة عطاء

مولانا ظفر محمد ظفر.. سيرة عالم ومسيرة عطاء

عاصف ظفر

  •  بيئة نشأته وأثرها في تشكيل طبعه.
  •  رؤيا منامية ترسم مسار حياته بالكامل؟
  •  خير رفقة في زمن الشباب.
  • تحوُّل ضعف البصر من محنة معيقة عن مواصلة الدراسة إلى منحة للعمل في دار القضاء.
  • دوره العلمي البارز في الترجمة والتأليف في سبيل خدمة الدين والخلافة وجماعة المؤمنين.

_____

من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فأبلوا فيما وهب لهم الله من المواهب، وما استخلفهم فيه من الموارد والمقدرات بلاء حسنا..  وأولى كلمات هذا المقال تمثِّل صدر الآية الرابعة والعشرين من سورة الأحزاب، ومن وجوه عظمة هذه الآية المباركة إشارتها التي عمَّت كل العصور، فكان مؤمنو عصر النبوة الأولى هم المعنيُّون منها، ثم أصبحت الآن علامة على رجال من جماعة المؤمنين الثانية، ومنهم مولانا ظفر محمد ظفر، والذي نفرِد هذا المقال للحديث عنه.

النشأة الأولى، وإرهاصة روحانية

ولد مولانا ظفر محمد ظفر في التاسع من أبريل عام 1908م، في حقبة تاريخية شهدت فيها شبه القارة الهندية مخاضات دينية وفكرية وسياسية كبرى. تزامنت ولادته مع مرحلة حاسمة من تطور المجتمع الإسلامي هناك، حيث كان والده، الحافظ فتح محمد خان المندراني، من الرعيل الأول من صحابة سيدنا المسيح الموعود حضرة مرزا غلام أحمد ، وقد أتاح له انتماؤه الأسري أن يترعرع في مناخ تغشاه التقاليد العلمية الإسلامية، وتضبطه مكارم الأخلاق. وكان للبيئة التربوية الأولى دور محوري في تشكيل وجدانه؛ إذ جمع والده بين حفظ القرآن الكريم والارتباط الوثيق بالجماعة الناشئة، مما أسهم لاحقًا في غرس محبة القرآن الكريم في نفس الابن منذ نعومة أظفاره.

ومن الأحداث الجديرة بالتوقف عندها في سيرة مولانا ظفر محمد ظفر، ما قصَّه بلسانه من رؤيا منامية صادقة؛ إذ رأى القرآن الكريم يتلألأ نوره في صدره. لم تكن هذه الرؤيا مجرد منام عابر، بل كانت بمثابة إيذان بمسار حياته متفرد يرتكز على خدمة كتاب الله ، وليست سيرة مولانا ظفر  كلها سوى تأويل صادق لتك الرؤيا المبكرة. الجميل فيما بعد ذلك حين قص الطفل رؤياه على والده، أدرك الأب بفطنته الروحية أن هذه البشارة تستلزم توجيهًا حاسمًا لمسار ولده التعليمي. لم يتردد الحافظ فتح محمد خان في اتخاذ قرار إرساله إلى  قاديان دار الأمان، بوصفها المركز الروحي للجماعة، ليتفرغ لدراسة العلوم الشرعية واللغوية. وفي مارس من عام 1921م، ألقى الفتى عصا الترحال في قاديان وهو لم يتجاوز بعدُ الثالثة عشرة من عمره، ليبدأ شوطًا طويلًا من التحصيل المعرفي الذي صقل عقليته وحدد ملامح شخصيته.

في قاديان، التكَوُّن الفكري

شهدت قاديان في عشرينيات القرن الماضي نهضة تعليمية ملحوظة، هدفت إلى بناء كوادر علمية تجمع بين أصالة الدراسة الدينية والشرعية من جهة، ومتطلبات العصر ومستجداته من جهة أخرى. وقد انخرط ظفر محمد ظفر في هذا المضمار، متدرجًا في دراسة المقررات الشرعية واللغوية التي شملت علوم التفسير، والحديث، والفقه، والأدب العربي، والفارسي. تميزت تلك الفترة بتركيزها على التمكن اللغوي كمدخل لفهم المقاصد الدينية، وهو ما تجاوب معه شغفه الفطري باللغات والبيان.

خلال مسيرته الدراسية الممتدة من عام 1923م حتى عام 1929م، حظي بشرف مرافقة نجل المصلح الموعود حضرة مرزا ناصر أحمد، الذي أصبح لاحقًا خليفة المسيح الموعود الثالث. لقد مثَّلت هذه الزمالة الدراسية علامة فارقة في حياته؛ إذ عاشا سويًا متطلبات التحصيل العلمي الرصين، وخاضا معًا نقاشات فكرية ولغوية في أروقة مدرسة تعليم الإسلام. لم تكن تلك الصحبة مجرد مشاركة في مقاعد الدرس، بل كانت بيئة تفاعلية صقلت لدى الرفيقين كليهما مهارات البحث، والنقد، والمناظرة في سياق من المنهجية الأكاديمية.

تُوّج هذا المسار الأكاديمي الحافل في عام 1929م بنيل مولانا ظفر صاحب شهادة «المولوي الفاضل» من جامعة البنجاب بتفوق، وهي أعلى شهادة تمنحها الجامعة آنذاك في الدراسات الشرقية واللغات والعلوم الإسلامية. لم يكتفِ ظفر محمد بهذا الإنجاز الواعد، بل واصل دراساته التخصصية في الجامعة الأحمدية لمدة عامين إضافيين، متعمقًا في الفقه المقارن، وتاريخ الأديان، وعلم الكلام، مما شكَّل لديه قاعدة معرفية راسخة جمعت كلا الحسنيين؛ الاطلاع الأكاديمي الواسع والحس الديني العميق.

نِعْمَ النسبُ! ونِعْمَ المُصاهَرة!

في عام 1931م، وبعد أن استكمل مولانا ظفر تكوينه النظري، دخل مرحلة جديدة من الاستقرار الاجتماعي باقترانه بالسيدة الفاضلة رشيدة بيغم، كريمة الصحابي الدكتور ظفر حسن . كان هذا الزواج تجسيدًا للترابط الاجتماعي والعقدي بين الأسر الأحمدية الأولى، حيث عززت المصاهرة أواصر التضامن، بما يدعم الاستقرار النفسي للعلماء والدعاة المتفرغين للخدمة العامة. وقد كان حموه الدكتور ظفر حسن طبيبًا ذا شخصية مميزة، جمعت بين الكفاءة الطبية والوعي الديني، مما أتاح للصِّهر (مولانا ظفر محمد ظفر) بناء أسرة مستقرة تتفهم بعمق طبيعة الواجبات الملقاة على عاتق رجل العلم. هذا الاستقرار الأسري وفّر له بيئة محفزة للانخراط الكامل في النشاط التبليغي والتعليمي؛ إذ مثلت زوجته نعم السند له في تحولاته الوظيفية المتعددة، ثم في أوقات الابتلاء الجسدي بالمرض لاحقًا. تزامن بناؤه أسرته الطيبة مع انخراطه الميداني في العمل الديني، حيث كُلف في بداية مساره بالنشاط التبليغي في منطقة «بهاولبور»، وهي بيئة اتسمت بالتنوع المذهبي والتعقيد الاجتماعي. خاض هناك أولى تجاربه العملية في الحوار العقدي والخطابة العامة، مما نقله من عالم الكتب النظري إلى معترك الممارسة الواقعية لأساليب الإقناع والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

مسؤوليات جِسام بين المهام الإدارية والرسالة التربوية

عقب عودته من العمل الميداني في بهاولبور، عُين معلمًا في المدرسة الأحمدية في قاديان، لتبدأ مرحلة مهمة من عطائه التربوي والمؤسسي. إلا أن كفاءته الذهنية وموهبته في الكتابة والتحليل سرعان ما لفتت أنظار القيادة الروحية للجماعة. ففي عام 1934م، اختاره الخليفة الثاني سيدنا المصلح الموعود ليتولى منصب مساعد السكرتير الخاص. وضع هذا المنصب مولانا ظفر في قلب الجهاز الإداري للجماعة، مما أكسبه مهارات إدارية ما كان ليكتسبها في مكان آخر، حيث اطلع على آليات إدارة الأزمات، والتواصل مع الفروع المنتشرة في كافة أرجاء العالم، وتوثيق المراسلات.

وفي عام 1935م، كُلِّف بشغل موقع وظيفي جديد ليكون أول سكرتير للرابطة الوطنية في قاديان. وفي عام 1937م، توسعت دائرة مهامه، إذ أسندت إليه وظيفة ناظم الأعمال الخاصة، تحت الإشراف المباشر للصاحبزادة مرزا شريف أحمد. كانت هذه الوظيفة تتطلب دقة متناهية وحنكة إدارية خاصة. وتزامنا مع هذا العمل الإداري، كلِّف حضرته بأداء وظيفة تربوية كمدرس في مدرسة نصرت الثانوية للبنات حتى عام 1938م، ليؤكد بذلك عمليًّا التزامه بدعم تعليم الفتيات والارتقاء بالمستوى المعرفي للمرأة المسلمة. لقد كان العمل التربوي بصورة عامة يمثّل لديه شغفًا ورسالة مستمرة لا مجرد وظيفة رتيبة. وكان تدريسه في ثانوية نصرت ميدان آخر يتناسب مع قدراته وظروفه الجديدة، فقرر العمل محاميًا ومستشارًا قانونيًا في دار القضاء.. واستند في عمله الجديد إلى تكوينه الفقهي المتين وخبرته السابقة قاضيًا في دار القضاء ذاتها. تميزت مرافعاته ودراساته للقضايا بالعمق الاستدلالي، والحرص البالغ على إرساء ميزان العدل، والتوفيق بين روح الشريعة الإسلامية والإجراءات القضائية المتبعة. شكلت هذه النقلة المهنية نموذجًا عمليًا في المرونة الشخصية والإصرار على خدمة المجتمع؛ إذ حوّل عارض ضعف البصر إلى فرصة لتعميق البصيرة القانونية والاجتماعية في معالجة شؤون الناس ومنازعاتهم.

جسر الترجمة بين العربية والأردية

لم تمنع المتاعب الصحية مولانا ظفر من الإسهام في حركة الترجمة، التي تمثل شريان التواصل بين الثقافات واللغات داخل الفكر الإسلامي. ونظرًا إلى تمتع حضرته بملكة لغوية مبكرة جعلته يتقن التعبير بالعربية والفارسية والأردية، كان مؤهلا للقيام بمهام ترجمة معقدة تتطلب إدراكًا واسعًا ومعمَّقًا في ذات الوقت للمصطلحات الدينية والإمكانات البيانية للغات الثلاث؛ ففي الفترة ما بين عامي 1964م و1966م، أُوكلت إليه مهمة نقل بعض المؤلفات العربية لسيدنا المسيح الموعود إلى الأردية. وكما هو معلوم، فقد تميزت النصوص العربية التي كتبها المسيح الموعود بأسلوبها البلاغي الفريد ومصطلحاتها العرفانية العميقة التي يقف إزاءها بلغاء العربية مشدوهين، مما جعل مهمة ترجمتها تحديًا لغويًّا وبلاغيًّا كبيرًا. وبما أنَّ ما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَكُ كلُّه؛ فقد حظي مولانا ظفر محمد بتوفيق الله تعالى، فتمكَّن ببراعته لافتة من أن يجعل ذلك الغذاء الروحي سائغًا للناطقين بالأردية بدرجة كبيرة، وكانت ترجمته رصينة وواضحة، احتفظ فيها بروح النصوص الأصلية ودلالاتها الدقيقة دونما إفراط أو تفريط.

تجدد هذا الدور اللغوي البارز عام 1975م، أي خلال العهد المبارك للخليفة الثالث حضرة مرزا ناصر أحمد (رحمه الله)، وكان حضرته قد كلَّف مولانا صادق سماتري بتعريب تفسير سورة الكهف، المستنبط من التفسير الكبير لحضرة المصلح الموعود . وتقديرًا لإمكانات مولانا ظفر محمد ظفر اللغوية وخبرته في دقائق التعبير العربي، عُين معاونًا رئيسيًا في هذا العمل العلمي الجليل. ولسنا نبالغ لو قلنا أن تعريب تفسير سورة الكهف في ذلك الوقت شكّل إضافة نوعية للمكتبة الإسلامية العربية؛ إذ تطلب تقديم أطروحات فكرية عميقة حول الفتنة المسيحية ونهاية الزمان إلى القارئ العربي بأسلوب محكم ورصين، وهو ما نجح الثنائي في تحقيقه بتناغم علمي ملحوظ.

معجزات القرآن.. حساب الجُمَّل، والإعجاز العددي

ظل الشغف بالقرآن الكريم هو الخيط الناظم لمسيرة مولانا ظفر محمد ظفر منذ أن رأى رؤياه المبكرة التي أشارت إليها سلفا كلمات المقال. ولحسن حظ مولانا ظفر محمد وطالعه السعيد لكونه أحد أبناء الجماعة الإسلامية الأحمدية، وانغماسه لعقود في تدبر آيات الكتاب العزيز، كان من الطبيعي أن يتجاوز التفسير الظاهري إلى سبر أغوار رمزية الدلالات، وروابط المناسبات بين السور والآيات. وكان من ثمار هذا الانكباب العلمي تبحره في حقلين طالما أثارا جدلًا علميًّا دينيًّا واسعًا، وهما علم الحروف المقطعة وعلم الأعداد، ولعل الأخير هو ما نتعارف عليه باسم «حساب الجُمَّل”. كُلِّلَ هذا البحث القرآني المتخصص بتأليف كتابه المعنوَن بـ»معجزات القرآن»، الذي يعد من المؤلفات النوعية في هذا الباب. وتناول مولانا ظفر محمد في هذا الكتاب دلالات الحروف المقطعة الواردة في فواتح السور، فحذا حذو سيدنا المصلح الموعود ، والذي سبق إلى تناولها بوصفها مفاتيح دلالية محكمة وجَفرات إعجازية ترتبط بمضامين السور التي تفتتحها وبنيتها الموضوعية. كما تبحَّر في علم الأعداد، أو ما أصبح يُدعى بـ «الإعجاز العددي في القرآن الكريم»، وكان صاحب رؤية معتدلة تُجانب التكلف الحسابي والتلاعب بالأرقام والأعداد؛ إذ سعى إلى إثبات التناسق الرياضي في ترتيب الكلمات والآيات كدليل بياني على إلهية المصدر.

أفول نجم ساطع

بعد مسيرة زاخرة بالعطاء امتدت لأكثر من سبعة عقود، أفل نجم هذا العالم الجليل. ففي الثالث والعشرين من أبريل عام 1982م، ارتحل مولانا ظفر محمد عن هذا العالم الفاني إلى لقاء ربه، عن عمر ناهز الرابعة والسبعين عامًا. كان رحيله خسارة جسيمة للأوساط العلمية والأدبية في ربوة ومحيطها، بعد أن أمضى عمره نعم الخادم المتفاني، ووري جثمانه الثرى في مقبرة «بهشتي» في ربوة، والتي خُصصت لأهل التقوى، ممن قدموا خدمات مشهودة في سبيل الجماعة الأحمدية. كان دفنه في ذلك المكان تكريمًا لمسيرته المخلصة وتأكيدًا على بقاء ذكره حاضرًا في ذاكرة الجماعة الإسلامية الأحمدية التي بذل في خدمتها كل مرتخص وغال، محققا بذلك مقتضيات وقف الحياة، وليكون بذلك قد صدق ما عاهد الله عليه، وما بدَّل تبديلا.

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via