معجزة الإلقاء باللغة العربية

معجزة الإلقاء باللغة العربية

الأستاذ المرحوم مصطفى ثابت

السيرة المطهرة (22)

تحت سلسلة السيرة المطهرة يتناول الكاتب سيرة حضرة ميرزا غلام أحمد الإمام المهدي والمسيح الموعود

مبرزا الوقائع والأحداث الهامة من حياة حضرته المطهرة

ذكرنا في الأعداد السابقة كيف أن الله تعالى علّم الإمام المهدي أربعين ألفا من الجذور العربية في ليلة واحدة، وأصلح بذلك عيبا كان يعانيه وهو عدم القدرة على الكتابة باللغة العربية وكان علماء زمانه يعيرونه ويسخرون منه بسبب هذا العيب، فأصلحه الله في ليلة كما سبق وأخبرنا رسول الله . وبعد ذلك تحدى الإمام المهدي جميع الأدباء في الهند وفي البلاد العربية أن يتباروا معه في الكتابة باللغة العربية، فلم يجرؤ أحد منهم على قبول التحدي. ثم أعلن الإمام المهدي أن اللغة العربية هي أم اللغات وأثبت ذلك بالدليل والبرهان المستقى من كلام الله تعالى. ثم تحدى الإمام المهدي علماء زمانه أن يفسروا القرآن بأسلوب عربي بليغ، وكتب هو تفسيرًا لسورة الفاتحة في سبعة أيام، مازال شاهدا على تأييد الله تعالى له وعجز جميع مخالفيه ومعارضيه. وفي هذا العدد نعرض معجزة أخرى لسيدنا أحمد في مجال اللغة العربية وهي معجزة الإلقاء الفوري.

وقبل أن نأتي إلى نهاية هذا الفصل، لا بد أن نذكر القول الفصل، الذي يبين كيف كانت معرفة الإمام المهدي باللغة العربية معجزة بالغة، جعلت منه أديبا نابغة، فلم يك ذلك من فعل إنسان ولا تدبير جان، بل كان مِن فضل الله المنّان، علّمه إياها خالق الإنسان الذي علّمه البيان وأنزل الفرقان.

كان ذلك عام 1900 في يوم الحادي عشر من أبريل (نيسان)، الموافق العاشر من شهر ذي الحجة عام 1317 من الهجرة، وكان ذلك هو يوم عيد الأضحى المبارك. وفي اليوم السابق.. أي صباح يوم عرفة، أرسل إلى مولانا الحاج نور الدين رسالة ذكر له فيها أنه يريد أن يقضي كل يوم عرفة وليلة العيد في الدعاء له ولأحبّائه من أفراد الجماعة، وطلب منه أن يرسل إليه أسماء كل الحاضرين الموجودين في ذلك الوقت حتى يذكرهم خلال الدعاء. وفي صبيحة يوم العيد المبارك، ذكر الإمام المهدي للشيخ عبد الكريم، أن الله تعالى قد أمره أن يلقي خطبة العيد باللغة العربية. وبعد أداء صلاة العيد، استعد سيدنا أحمد لإلقاء خطبة العيد، فأشار إلى كل من مولانا نور الدين والشيخ عبد الكريم أن يدنوا منه لكتابة الخطبة. ثم استهل الخطبة وقال: “يا عباد الله…”، ثم قال: “اكتبوا الآن واسألوني فورا ما لم تفهموا وإلاّ تذهب عني هذه الكلمات”. واستطرد سيدنا أحمد في إلقاء الخطبة ارتجالا، وكل من الحاج نور الدين والشيخ عبد الكريم يدوّن كل كلمة تخرج من فمه حتى انتهت الخطبة. وقام الشيخ عبد الكريم بترجمتها إلى اللغة الأردية لكي يفهمها الحاضرون من المصلين. وقد ذكر سيدنا أحمد ، أن إلقاء هذه الخطبة المرتجلة بنجاح تام، كان آية من آيات استجابة الأدعية التي دعا بها ليلة يوم العيد. وأثناء قراءة الترجمة الأردية، فاضت منه مشاعر الحمد والشكر لله تعالى، فخر ساجدا وسجد معه الحاضرون كلهم، وكان عددهم زهاء مائتين. ولما رفع سيدنا أحمد رأسه من السجدة قال: لقد رأيت لفظ: “مبارك” مكتوبا بحروف حمراء، وكان ذلك آية القبول من الله تعالى.

وقد أشار أيضا في كتابه: “حقيقة الوحي” إلى هذه الخطبة الإلهامية، فذكر أن الله قد أوحَى إليه في صباح يوم عيد الأضحى أن يخطب باللغة العربية، وأن الله قد وهبه القوة لذلك. وتلقى أيضا وحيا باللغة العربية يقول: “كَلاَمٌ أُفْصِحَتْ مِنْ لَدُنْ رَبٍّ كَرِيمٍ”. وقال كذلك ما تعريبه:

“…. فعندئذ قمتُ بعد صلاة العيد لإلقاء خطبة العيد بالعربية، والله يعلم أني أُعْطيتُ قوة من الغيب، وكان لساني ينطلق ارتجالا بخطاب عربي فصيح يفوق كل ما أملك من قوة. وما أحسب أن رجلا من البشر يستطيع أن يُلقي مثل هذا الخطاب الطويل البليغ -بدون أن يكون مسجلا عنده في الأوراق- بغير أن يوحَى إليه ذلك وحيا …. سبحان الله! إن عينا نضّاخة من الغيب كانت تتدفّق عندئذ، ولم أكن أشعر ساعتئذ أنني أنا الذي أتكلم، أم أن ملاكا من الملائكة يتكلم بلساني، لأنني كنت أعرف أنه لا دخل لي في هذا الكلام، وكانت الجمل المصوغة بصياغة محكمة تخرج من لساني بصورة تلقائية. وكل جملة كانت لي آية بيّنة…” (حقيقة الوحي، الخزائن الروحانية ج22 ص376)

والآن.. ننقل إلى القراء الأفاضل نص هذه الخطبة الإلهامية التي ألقاها سيدنا أحمد مرتجلا في يوم عيد الأضحى فقال:

“يَا عِبَادَ اللهِ.. فَكِّرُوا فيِ يَوْمِكُمْ هَذَا يَوْمِ الأَضْحَى، فَإِنَّهُ أُودِعَ أَسْرَارًا لأُولِي النُّهَى. وَتَعْلَمُونَ أَنَّ فيِ هَذَا اليَوْمِ يُضَحَّى بِكَثِيرٍ مِنَ العَجْمَاوَاتِ، وَتُنْحَرُ آبَالٌ مِنَ الجِمَالِ وَخَنَاطِيلُ مِنَ البَقَرَاتِ، وَتُذْبَحُ أَقَاطِيعُ مِنَ الغَنَمِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ رَبِّ الكَائِنَاتِ. وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ مِن ابْتِدَاءِ زَمَانِ الإِسْلاَمِ، إِلَى هَذِهِ الأَيَّامِ.

وَظَنِّي أَنَّ الأَضَاحِي فيِ شَرِيعَتِنَا الغَرَّاءِ، قَدْ خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الإِحْصِاءِ، وَفَاقَتْ ضَحَايَا الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ مِنْ أُمَمِ الأَنْبِيَاءِ، وَبَلَغَتْ كَثْرَةُ الذَّبَائِحِ إِلَى حَدٍّ غُطِّيَ بِهِ وَجْهُ الأَرْضِ مِنَ الدِّمَاءِ. حَتَّى لَوْ جُمِعَتْ دِمَاؤُهَا وَأُرِيدَ إِجْرَاؤُها لَجَرَتْ مِنْهَا الأَنْهَارُ، وَسَالَتِ البِحَارُ، وَفَاضَتِ الغُدْرُ وَالأَوْدِيَةُ الكِبَارُ.

وَقَدْ عُدَّ هَذَا العَمَلُ فيِ مِلَّتِنَا مِمَّا يُقَرِّبُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهْ، وَحُسِبَ كَمَطِيئَةٍ تُحَاكِي البَرْقَ فيِ السَّيْرِ وَلُمْعَانَهْ. فَلأَجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَ الضَّحَايَا قُرْبَانًا، بِمَا وَرَدَ أَنَّهَا تَزِيدُ قُرْبًا وَلُقْيَانًا، كُلَّ مَنْ قَرَّبَ إِخْلاَصًا وَتَعَبُّدًا وَإِيمَانًا. وَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ نُسُكِ الشَّرِيعَةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِالنَّسِيكَةِ. وَالنُّسُكُ الطَّاعَةُ وَالعِبَادَةُ فيِ اللِّسَانِ العَرَبِيَّةِ. وَكَذَلِكَ جَاءَ لَفْظُ النُّسُكِ بِمَعْنَى ذَبْحِ الذَّبِيحَةِ، فَهَذَا الاِشْتِرَاكُ يَدُلُّ قَطْعًا عَلَى أَنَّ العَابِدَ فيِ الحَقِيقَةِ، هُوَ الَّذِي ذَبَحَ نَفْسَهُ وَقُوَاهُ، وَكُلَّ مَنْ أَصْبَاهُ، لِرِضَى رَبِّ الخَلِيقَةِ. وَذَبَّ الهَوَى، حَتَّى تَهَافَتَ وَانْمَحَى، وَذَابَ وَغَابَ وَاخْتَفَى. وَهَبَّتْ عَلَيْهِ عَوَاصِفُ الفَنَاءِ، وَسَفَتْ ذَرَّاتِهِ شَدَائِدُ هَذِهِ الهَوْجَاءِ.

وَمَنْ فَكَّرَ فيِ هَذَيْنِ المـَفْهُومَيْنِ المـُشْتَرَكَيْنِ، وَتَدَبَّرَ المـَقَامَ بِتَيَقُّظِ القَلبِ وَفَتْحِ العَيْنَيْنِ، فَلاَ يَبْقَى لَهُ خَفَاءٌ وَلاَ مِرَاءٌ، فيِ أَنَّ هَذَا إِيمَاءٌ، إِلَى أَنَّ العِبَادَةَ المـُنْجِيَةَ مِنَ الخَسَارَةِ، هِيَ ذَبْحُ النَّفْسِ الأَمَّارَةِ، وَنَحْرُهَا بِمُدَى الانْقِطَاعِ إِلَى اللهِ ذِي الآلاَءِ وَالأَمْرِ وَالإِمَارَةِ، مَعَ تَحَمُّلِ أَنْوَاعِ الـمِرَارَةِ، لِتَنْجُو النَّفْسُ مِنْ مَوْتِ الغَرَارَةِ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الإِسْلاَمِ، وَحَقِيقَةُ الاِنْقِيَادِ التَّامِّ. وَالمـُسْلِمُ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَلَهُ نَحَرَ نَاقَةَ نَفْسِهِ وَتَلَّهَا لِلجَبِينِ، وَمَا نَسِيَ الحَيْنَ فيِ حِينٍ.

فَحَاصِلُ الكَلاَمِ.. أَنَّ النُّسُكَ وَالضَّحَايَا فيِ الإِسْلاَمِ، هِيَ تَذْكِرَةٌ لِهَذَا المـَرَامِ، وَحَثٌّ عَلَى تَحْصِيلِ هَذَا المـَقَامِ، وَإِرْهَاصٌ لِحَقِيقَةٍ تَحْصُلُ بَعْدَ السُّلُوكِ التَّامِّ. فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ كَانَ يَبْتَغِي رِضَاءَ اللهِ الوَدُودِ، أَنْ يَّفْهَمَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ وَيَجْعَلَهَا عَيْنَ المـَقْصُودِ، وَيُدْخِلُهَا فيِ نَفْسِهِ حَتَّى تَسْرِي فيِ كُلِّ ذَرَّةِ الوُجُودِ، وَلاَ يَهْدَأ وَلاَ يَسْكُنْ قَبْلَ أَدَاءِ هَذِهِ الضَّحِيَّةِ لِلرَّبِّ الـمَعْبُودِ. وَلاَ يَقْنَعْ بِنَمُوذَجٍ وَقِشْرٍ كَالجُهَلاَءِ وَالعُمْيَانِ، بَل يُؤَدِّي حَقِيقَةَ أَضْحَاتِهِ، وَيَقْضِي بِجَمِيعِ حَصَاتِهِ، وَرُوحِ تُقَاتِهِ رُوحَ القُرْبَانِ. هَذَا هُوَ مُنْتَهَى سُلُوكِ السَّالِكِينَ، وَغَايَةُ مَقْصَدِ العَارِفِينَ، وَعَلَيْهِ يَخْتَتِمُ جَمِيعُ مَدَارِجِ الأَتْقِيَاءِ، وَبِهِ يَكْمُلُ سَائِرُ مَرَاحِلِ الصِّدِّيقِينَ وَالأَصْفِيَاءِ، وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي سَيْرُ الأَوْلِيَاءِ.

وَإِذَا بَلَغْتَ إِلَى هَذَا فَقَدْ بَلَّغْتَ جُهْدَكَ إِلَى الانْتِهَاءِ، وَفُزْتَ بِمَرْتَبَةِ الفَنَاءِ، فَحِينَئِذٍ تَبْلُغُ شَجَرَةُ سُلُوكِكَ إِلَى أَتَمِّ النَّمَاءِ، وَتَصِلُ عُنُقُ رُوحِكَ إِلَى لُعَاعِ رَوْضَةِ القُدْسِ وَالكِبْرِيَاءِ، كَالنَّاقَةِ العَنْقَاءِ، إِذَا أَوْصَلَتْ عُنُقَهَا إِلَى الشَجَرَةِ الخَضْرَاءِ.

وَبَعْدَ ذَلِكَ جَذَبَاتٌ وَنَفَحَاتٌ وَتَجَلِّيَاتٌ مِنْ الَحَضْرَةِ الأَحَدِيَّةِ، لِيَقْطَعَ بَعْضَ بَقَايَا عُرُوقِ البَشَرِيَّةِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إِحْيَاءٌ، وَإِبْقَاءٌ وَإِدْنَاءٌ، لِلنَّفْسِ المـُطْمَئِنَّةِ الرَّاضِيَةِ المـَرْضِيَّةِ الفَانِيَةِ، لِيَسْتَعِدَّ العَبْدُ لِقَبُولِ الفَيْضَ بَعْدَ الحَيَاةِ الثَّانِيَةِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ يُكْسَى الإِنْسَانُ الكَامِلُ حُلَّةَ الخِلاَفَةِ مِنَ الحَضْرَةِ، وَيُصَبَّغُ بِصِبْغِ صِفَاتِ الأُلُوهِيِّةِ، عَلَى وَجْهِ الظِّلِّيَّةِ، تَحْقِيقًا لِّمَقَامِ الخِلاَفَةِ.

وَبَعْدَ ذَلِكَ يَنْزِلُ إِلَى الخَلقِ لِيَجْذِبَهُمْ إِلَى الرُّوحَانِيَّةِ، وَيُخْرِجَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ الأَرْضِيَّةِ، إِلَى الأَنْوَارِ السَّمَاوِيَّةِ، وَيُجْعَلُ وَارِثًا لِكُلِّ مَنْ مَضَى مِنْ قَبْلِهِ مِنَ النَّبِيَّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَأَهْلِ العِلمِ وَالدِّرَايَةِ، وَشُمُوسِ القُرْبِ وَالوِلاَيَةِ، وَيُعْطَى لَهُ عِلمُ الأَوَّلِينَ، وَمَعَارِفُ السَّابِقِينَ، مِنْ أُولِي الأَبْصَارِ وَحُكَمَاءِ المِلَّةِ، تَحْقِيقًا لِمَقَامِ الوَرَاثَةِ.

ثُمَّ يَمْكُثُ هَذَا العَبْدُ فيِ الأَرْضِ إِلَى مُدَّةٍ شَاءَ رَبُّهُ رَبُّ العِزَّةِ، لِيُنِيرَ الخَلقَ بِنُورِ الهِدَايَةِ. وَإِذَا أَنَارَ النَّاسَ بِنُورِ رَبِّهِ أَوْ بَلَّغَ الأَمْرَ بِقَدْرِ الكَفَايَةِ، فَحِينَئِذٍ يَتِمُّ اسْمُهُ وَيَدْعُوهُ رَبُّهُ وَيُرْفَعُ رُوحُهُ إِلَى نُقْطَتِهِ النَّفْسِيَّةِ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الرَّفْعِ عِنْدَ أَهْلِ العِلمِ وَالمـَعْرِفَةِ. وَالمـَرْفُوعُ مَنْ يُّسْقَى كَاسَ الوِصَالِ، مِنْ أَيْدِي الـمَحْبُوبِ الَّذِي هُوَ لُجَّةُ الجَمَالِ. وَيُدْخَلُ تَحْتَ رِدَاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، مَعَ العُبُودِيَّةِ الأَبَدِيَّةِ، وَهَذَا آخِرُ مَقَامٍ يَبْلُغُهُ طَالِبُ الحَقِّ فيِ النَّشْأَةِ الإِنْسِانِيَّةِ. فَلاَ تَغْفَلُوا عَنْ هَذَا المـَقَامِ يَا كَافَّةَ البَرَايَا، وَلاَ عَنِ السِّرِّ الَّذِي يُوجَدُ فيِ الضَّحَايَا، وَاجْعَلُوا الضَّحَايَا، لِرُؤْيَةِ تِلكَ الحَقِيقَةِ كَالمـَرَايَا، وَلاَ تَذْهَلُوا عَنْ هَذِهِ الوَصَايَا، وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا رَبَّهُمْ وَالمـَنَايَا.

وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى هَذَا السِّرِّ المـَكْتُومِ، فيِ كَلاَمِ رَبِّنَا القَيُّومِ، فَقَالَ وَهُوَ أَصْدَقُ الصَّادِقِيْنَ: قُل إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ . فَانْظُرْ كَيْفَ فَسَّرَ النُّسُكَ بِلَفْظِ المـَحْيَا وَالـمَمَاتِ، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَقِيقَةِ الأَضْحَاةِ، فَفَكِّرُوا فِيهِ يَا ذَوِي الحَصَاةِ. وَمَنْ ضَحَّى مَعَ عِلمِ حَقِيقَةِ ضَحِيَّتِهِ، وَصِدْقِ طَوِيَّتِهِ، وَخُلُوصِ نِيَّتِهِ، فَقَدْ ضَحَّى بِنَفْسِهِ وَمُهْجَتِهِ، وَأَبْنَائِهِ وَحَفَدَتِهِ، وَلَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، كَأَجْرِ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ رَبِّهِ الكَرِيمِ. وَإِلَيْهِ أَشَارَ سَيِّدُنَا المـُصْطَفَى، وَرَسُولُنَا المـُجْتَبَى، وَإِمَامُ المـُتَّقِينَ، وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَقَالَ وَهُوَ بَعْدَ اللهِ أَصْدَقُ الصَّادِقِينَ: إِنَّ الضَّحَايَا هِيَ المـَطَايَا، تُوصِلُ إِلَى رَبِّ البَرَايَا، وَتَمْحُو الخَطَايَا، وَتدْفَعُ البَلاَيَا. هَذَا مَا بَلَغَنَا مِنْ خَيْرِ البَرِيَّةِ، عَلَيْهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَالبَرَكَاتِ السَّنِيَّةِ، وَإنَّهُ أَوْمَأَ فِيهِ إِلَى حِكَمِ الضَّحِيَّةِ، بِكَلِمَاتٍ كَالدُّرَرِ البَهِيَّةِ.

فَالأَسَفُ كُلَّ الأَسَفِ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ هَذِهِ النِّكَاتِ الخَفِيَّةِ، وَلاَ يَتَّبِعُونَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَعْنَى العِيدِ، مِنْ دُونِ الغُسْلِ وَلَبْسِ الجَدِيدِ، وَالخَضْمِ وَالقَضْمِ مَعَ الأَهْلِ وَالخَدَمِ وَالعَبِيدِ، ثُمَّ الخُرُوجِ بِالزِّينَةِ لِلتَّعْيِيدِ كَالصَّنَادِيدِ. وَتَرَى الأَطَائِبَ مِنَ الأَطْعِمَةِ مُنْتَهَى طَرَبِهِمْ فيِ هَذَا اليَوْمِ، وَالنَّفَائِسَ مِنَ الأَلبِسَةِ غَايَةَ أَرَبِهِمْ لإِرَاءَةِ القَوْمِ، وَلاَ يَدْرُونَ مَا الأَضْحَاةُ، وَلأَيِّ غَرَضٍ يُذْبَحُ الغَنَمُ وَالبَقَراَتُ.

وَعِنْدَهُمْ عِيدُهُمْ مِنَ البُكْرَةِ إِلَى العَشِيِّ، لَيْسَ إِلاَّ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالعَيْشِ الهَنيِّ، وَاللِّبَاسِ البَهِيِّ، وَالفَرَسِ الشَّرِيِّ، وَاللَّحْمِ الطَّرِيِّ. وَمَا تَرَى عَمَلَهُمْ فيِ يَوْمِهِمْ هَذَا إِلاَّ اكْتِسَاءَ النَّاعِمَاتِ، وَالـمَشْطَ وَالاكْتِحَالَ وَتَضْمِيخَ المـَلبُوسَاتِ، وَتَسْوِيَةِ الطُّرُرِ وَالذَّوَائِبِ كَالنِّسَاءِ المـُتَبَرِّجَاتِ، ثُمَّ نَقَرَاتٍ كَنَقْرَةِ الدَّجَاجَةِ فيِ الصَّلاَةِ، مَعَ عَدَمِ الحُضُورِ وَهُجُومِ الوَسَاوِسِ وَالشَّتَاتِ، ثُمَّ التَّمَايُلَ إِلَى أَنْوَاعِ الأَغْذِيَةِ وَالمـَطْعُومَاتِ، وَمَلءِ البُطُونِ كَالنَّعَمِ وَالعَجْمَاوَاتِ، وَالمـَيْلَ إِلَى المـَلاَهِي وَالـمَلاَعِبِ وَالجَهَلاَتِ، وَسَرْحِ النُّفُوسِ فيِ مَرَاتِعِ الشَّهَوَاتِ. وَالرَّكُوبِ عَلَى الأَفْرَاسِ، وَالعَجَلِ وَالعَنَاسِ، وَالجِمَالِ وَالبِغَالِ وَرِقَابِ النَّاسِ، مَع أَنْوَاعٍ مِّنَ التَّزْيِينَاتِ، وَإِفْنَاءَ اليَوْمِ كُلِّهِ فيِ الخُزَعْبِيلاَتِ، وَالهَدَايَا مِنَ القَلاَيَا، وَالتَّفَاخُرَ بِلُحُومِ البَقَرَاتِ وَالجَدَايَا، وَالأَفْرَاحِ وَالمـَرَاحِ، وَالجَذَبَاتِ وَالجَمَاحِ، وَالضِّحْكَ وَالقَهْقَةَ، بِإِبْدَاءِ النَّوَاجِذِ وَالثَّنَايَا، وَالتَّشَوُّقَ إِلَى رَقْصِ البَغَايَا، وَبُوسِهِنَّ وَعِنَاقِهِنَّ، وَبَعْدَ هَذَا نِطَاقِهِنَّ. فَإِنَّا للهِ عَلَى مَصَائِبِ الإِسْلاَمِ، وَانْقِلاَبِ الأَيَّامِ.

مَاتَتِ القُلُوبُ، وَكَثُرَتِ الذُّنُوبُ، وَاشْتَدَّتِ الكُرُوبُ. فَعِنْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ اللَّيْلاَءِ، وَظُلُمَاتِ الهَوْجَاءِ، اقْتضَى رَحْمُ اللهِ نُورَ السَّمَاءِ. فَأَنَا ذَلِكَ النُّورُ، وَالمـُجَدِّدُ المـَامُورُ، وَالعَبْدُ الـمَنْصُورُ، وَالمـَهْدِي المـَعْهَودُ، وَالمـَسِيحُ المـَوْعُودُ. وَإِنِّي نَزَلتُ بِمَنْزِلَةٍ مِّنْ رَّبِّي لاَ يَعْلَمُهَا أَحَدٌ مِّنَ النَّاسِ، وَإِنَّ سِرِّي أَخْفَى وَأَنْأَى مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللهِ فَضْلاً عَنْ عَامَّةِ الأُنَاسِ. وَإِنَّ مَقَامِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْدِي الغَوَّاصِينَ، وَصُعُودِي أَرْفَعُ مِنْ قِيَاسِ القَائِسِينَ. وَإِنَّ قَدَمِي هَذِهِ أَسْرَعُ مِنَ القِلاَصِ فيِ مَسَالِكِ رَبِّ النَّاسِ. فَلاَ تَقِيسُونِي بِأَحَدٍ وَّلاَ أَحَدًا بِي وَلاَ تُهْلِكُوا أَنْفُسَكُمْ بِالرَّيْبِ وَالعَمَاسِ. وَإِنِّي لُبٌّ لاَ قِشْرَ مَعَهُ، وَرُوحٌ لاَ جَسَدَ مَعَهُ، وَشَمْسٌ لاَ يَحْجُبُهَا دُخَانُ الشِّمَاسِ. وَاطْلُبُوا مِثْلِي وَلَنْ تَجِدُوهُ وَإِنْ تَطْلُبُوهُ بِالنِّبْرَاسِ. وَلاَ فَخْرَ وَلَكِنْ تَحْدِيثٌ لِّنِعَمِ اللهِ الَّذِي هُوَ غَارِسٌ لِهَذَا الغِرَاسِ. وَإِنِّي غُسِلتُ بِمَاءِ النُّورِ وَطُهِّرْتُ بِعَيْنِ القُدْسِ مِنَ الأَوْسَاخِ وَالأَدْنَاسِ، وَسَمَّانِي رَبِّي أَحْمَدَ فَاحْمَدُونِي وَلاَ تَشْتِمُونِي وَلاَ تُوصِلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى الإِبْلاَسِ. وَمَنْ حَمِدَنِي وَمَا غَادَرَ مِنْ نَّوْعِ حَمْدٍ فَمَا مَانَ، وَمَنْ كَذَّبَ هَذَا البَيَانَ فَقَدْ مَانَ، وَأَغْضَبَ الرَّحْمَنَ، فَوَيْلٌ لِلَّذِي شَكَّ، وَفَسَخَ العَهْدَ وَفَكَّ، وَلَوَّثَ بِطَائِفٍ مِّنَ الجِنِّ الجَنَانَ.

وَإِنِّي جِئْتُ مِنَ الحَضْرَةِ الرَّفِيعَةِ العَالِيَةِ، لِيُرِيَ بِي رَبِّي مِنْ بَعْضِ صِفَاتِهِ الجَلاَلِيَّةِ وَالجَمَالِيَّةِ. أَعْنيِ دَفْعَ الضَّيْرِ، وَإِفَاضَةَ الخَيْرِ، فَإِنَّ الزَّمَانَ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى دَافِعِ شَرٍّ طَغَى، وَإِلَى رَافِعِ خَيْرٍ انْحَطَّ وَاخْتَفَى. فَاقْتَضَتِ العِنَايَةُ الإِلَهِيَّةُ أَنْ يُّعْطَى الزَّمَانُ مَا سَأَلَ بِلِسَانِ الحَالِ، وَيُرْحَمَ طَبَقَاتُ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ. فَجَعَلَني مَظْهَرَ المـَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لِدَفْعِ الضَّرِّ وَإِبَادَةِ مَوَادِّ الغَوَايَةِ، وَجَعَلَني مَظْهَرَ النَّبيِّ المـَهْدِيِّ أَحْمَدَ أَكْرَمَ لإِفَاضَةِ الخَيْرِ وَإِعَادَةِ عِهَادِ الدِّرَايَةِ وَالهِدَايَةِ، وَتَطْهِيرِ النَّاسِ مِنْ دَرَنِ الغَفْلَةِ وَالجِنَايَةِ. فَجِئْتُ في الحُلَّتَيْنِ المـَهْزُودَتَيْنِ المـُصَبَّغَتَيْنِ بِصِبْغِ الجَلاَلِ وَصِبْغِ الجَمَالِ، وَأُعْطِيتُ صِفَةَ الإِفْنَاءِ وَالإِحْيَاءِ مِنَ الرَّبِّ الفَعَّالِ.

فَأَمَّا الجَلاَلُ الَّذِي أُعْطِيتُ فَهُوَ أَثَرٌ لِبُرُوزِي العِيسَوِيِّ مِنَ اللهِ ذِي الجَلاَل²، لأُبِيدَ بِهِ شَرَّ الشِّرْكِ المـَوَّاجِ المـَوْجُودِ في عَقَائِدِ أَهْلِ الضَّلاَلِ، المـُشْتَعِلِ بِكَمَالِ الاشْتِعَالِ، الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ في عَيْنِ اللهِ عَالِمِ الأَحْوَالِ، وَلأَهْدِمَ بِهِ عَمُودَ الافْتِرَاءِ عَلَى اللهِ وَالافْتِعَالِ.

وَأَمَّا الجَمَالُ الَّذِي أُعْطِيتُ فَهُوَ أَثَرٌ لِبُرُوزِي الأَحْمَدِيِّ مِنَ اللهِ ذِي اللُّطْفِ وَالنَّوَالِ، لأُعِيدَ بِهِ صَلاَحَ التَّوْحِيدِ المـَفْقُودِ مِنَ الأَلسُنِ وَالقُلُوبِ وَالأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ، وَأُقِيمُ بِهِ أَمْرَ التَّدَيُّنِ وَالانْتِحَالِ. وَأُمِرْتُ أَنْ أَقْتُلَ­ خَنَازِيرَ الإِفْسَادِ وَالإِلحَادِ وَالإِضْلاَلِ، الَّذِينَ يَدُوسُونَ دُرَرَ الحَقِّ تَحْتَ النِّعَالِ، وَيُهْلِكُونَ حَرْثَ النَّاسِ وَيُخْرِبُونَ زُرُوعَ الإِيمَانِ وَالتَّوَرُّعِ وَالأَعْمَالِ. وَقَتْلِي هَذَا بِحَرْبَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لاَ بِالسُّيُوفِ وَالنِّبَالِ، كَمَا هُوَ زَعْمُ المـَحْرُومِينَ مِنَ الحَقِّ وَصِدْقِ المـَقَالِ، فَإِنَّهُمْ ضَلَّوا وَأَضَلُّوا كَثِيرًا مِّنَ الجُهَّالِ.

وَإِنَّ الحَرْبَ حُرِّمَتْ عَلَيَّ وَسَبَقَ لِي أَنْ أَضَعَ الحَرْبَ وَلاَ أَتَوَجَّهَ إِلَى القِتَالِ، فَلاَ جِهَادَ إِلاَّ جِهَادُ اللِّسَانِ وَالآيَاتِ وَالاسْتِدْلاَلِ. وَكَذَلِكُ أُمِرْتُ أَنْ أَمْلأَ بُيُوتَ المـُؤْمِنِينَ وَجُرُبَهُمْ مِنَ المـَالِ، وَلَكِنْ لاَ بِاللُّجَيْنِ وَالدَّجَّالِ، بَل بِمَالِ العِلمِ وَالرُّشْدِ وَالهِدَايَةِ وَاليَقِينِ عَلَى وَجْهِ الكَمَالِ، وجَعْلِ الإيمانِ أَثْبَتَ من الجبالِ وَتَبْشِيرِ المـُثْقَلِينَ تَحْتَ الأَثْقَالِ.

فَبُشْرَى لَكُمْ قَدْ جَاءَكُمُ المـَسِيحُ، وَمَسَحَهُ القَادِرُ وَأُعْطِيَ لَهُ الكَلاَمُ الفَصِيحُ، وَإِنَّهُ يَعْصِمُكُمْ مِّنْ فِرْقَةٍ هِيَ للإِضْلاَلِ تَسِيحُ، وَإِلَى اللهِ يَدْعُو وَيَصِيحُ، وَكُلَّ شُبْهَةٍ يُزِيلُ وَيُزِيحُ. وَطُوبَى لَكُمْ قَدْ جَاءَكُمُ المـَهْدِيُّ المـَعْهُودُ، وَمَعَهُ المـَالُ الكَثِيرُ وَالمـَتَاعُ المـَنْضُودُ. وَإِنَّهُ يَسْعَى لِيَرُدَّ إِلَيْكُمُ الغِنَى المـَفْقُودَ، وَيَسْتَخْرِج الإِقْبَالَ المـَوْءُودَ. مَا كَانَ حَدِيثٌ يُّفْتَرَى، بَل نُورٌ مِّنَ اللهِ مَعَ آيَاتٍ كُبْرَى.

أَيُّهَا النَّاسُ.. إِنِّي أَنَا المـَسِيحُ المـُحَمَّدِيُّ، وَإِنِّي أَنَا أَحْمَد المـَهْدِيُّ. وَإِنَّ رَبِّي مَعِي إِلَى يَوْمِ لَحْدِي مِنْ يَوْمِ مَهْدِي. وَإِنِّي أُعْطِيتُ ضِرَامًا أَكَّالاً، وَمَاءً زُلاَلاً، وَأَنَا كَوْكَبٌ يَمَانِيٌّ، وَوَابِلٌ رُوحَانِيٌّ. إِيذَائِي سِنَانٌ مُذَرَّبٌ، وَدُعَائِي دَوَاءٌ مُجَرَّبٌ. أُرِي قَوْمًا جَلاَلاً، وَقَوْمًا آخَرِينَ جَمَالاً. وَبِيَدِي حَرْبَةٌ أُبِيدُ بِهَا عَاداتِ الظُّلمِ وَالذُّنُوبِ، وَفي الأُخْرَى شَرْبَةٌ أُعِيدُ بِهَا حَيَاةَ القُلُوبِ. فَاسٌ للإِفْنَاءِ، وَأَنْفَاسٌ للإِحْيَاءِ.

أَمَّا جَلاَلِي فَبِمَا قُصِدَ كَابْنِ مَرْيَمَ اسْتيْصَالِي، وَأَمَّا جَمَالِي فَبِمَا فَارَتْ رَحْمَتي كَسَيِّدِي أَحْمَدَ لأَهْدِي قَوْمًا غَفَلُوا عَنِ الرَّبِّ المـُتَعَالِي. أَفَأَنْتُمْ تَعْجَبُونَ، وَإِلَى الزَّمَانِ وَضَرُورَتِهِ لاَ تَلتَفِتُونَ؟ أَلاَ تَرُونَ إِلَى زَمَانٍ احْتَاجَ إَلَى الرَّبِّ الفَعَّالِ، لِيُرِيَ لِقَوْمٍ صِفَةَ جَلاَلِهِ وَلِقَوْمٍ صِفَةَ الجَمَالِ؟ وَقَد ظَهَرَتِ الآيَاتُ، وَتَبَيَّنَتِ العَلاَمَاتُ، وَانْقَطَعَتِ الخُصُومَاتُ. فَمَا لَكُمْ لاَ تَنْظُرُونَ؟ وَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ وَالقَمَرُ في رَمَضَانَ فَلاَ تَعْرِفُونَ. وَمَاتَ بَعْضُ النَّاسِ بِنَبَأٍ مِّنَ اللهِ وَقُتِلَ البَعْضُ فَلاَ تُفَكِّرُونَ. وَنَزَلَتْ لِي آيٌ كَثِيرَةٌ فَلاَ تُبَالُونَ. وَشَهِدَتْ لِيَ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَالمـَاءُ وَالعَفَاءُ، فلاَ تَخَافُونَ. وَتَظَاهَرَ لِيَ العَقْلُ وَالنَّقْلُ وَالعَلاَمَاتُ وَالآيَاتُ، وَتَظَاهَرَتِ الشَّهَادَاتُ وَالرُّؤْيَا وَالمـُكَاشَفَاتُ، ثُمَّ أَنْتُمْ تُنْكِرُونَ. وَإِنَّ لَهَا شَانًا عَظِيمًا لِّقَوْمٍ يَّتَدَبَّرُونَ. وَطَلَعَ ذُو السِنِينَ، وَمَضَى مِنَ هَذِهِ المِائَةِ خُمْسُهَا إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْ سِنِينَ، فَأَيْنَ المـُجَدِّدُ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟ وَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ الطَّاعُونُ، وَمُنِعَ الحَجُّ وَكَثُرَ المـَنُونُ، وَاخْتَصَمَ الفِرَقُ عَلَى مَعْدَنٍ مِّنْ ذَهَبٍ وَّهُمْ يُقَاتِلُونَ. وَعَلاَ الصَّلِيبُ، وَأَضْحَى الإِسْلاَمُ يَسِيبُ وَيَغِيبُ، كَأَنَّهُ الغَرِيبُ، وَكَثُرَ الفِسْقُ وَالفَاسِقُونَ. وَحُبِّبَ إِلَى النُّفُوسِ الخَمْرُ، وَالقَمْرُ وَالزَّمْرُ، وَتَرَاءَى الزَّانُونَ المـُجَالِحُونَ وَقَلَّ المـُتَّقُونَ. وَتَجَلَّى وَقْتُ رَبِّنَا وَتَمَّ مَا قَالَ النَّبِيُّونَ، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ تُؤْمِنُونَ؟

أَيُّهَا النَّاسُ.. قُومُوا للهِ زُرَافَاتٍ وَّفُرَادَى فُرَادَى، ثُمَّ اتَّقُوا اللهَ وَفَكِّرُوا كَالَّذِي مَا بَخِلَ وَمَا عَادَى. أَلَيْسَ هَذَا الوَقْتُ وَقْتَ رُحْمِ اللهِ عَلَى العِبَادِ، وَوَقْتَ دَفْعِ الشَّرِّ وَتَدَارُكِ عَطْشِ الأَكْبَادِ بالعهاد؟ أَلَيْسَ سَيْلُ الشَّرِّ قَدْ بَلَغَ انْتِهَاءَه، وَذَيْلُ الجَهْلِ طُوِّلَ أَرْجَاؤُه، وَفَسَدَ المـُلكُ كُلُّهُ وَشَكَرَ إِبْلِيسُ جُهَلاَءَه؟ فَاشْكُرُوا اللهَ الَّذِي تَذَكَّرَكُمْ وَتَذَكَّرَ دِينَكُمْ وَمَا أَضَاعَه، وَعَصَمَ حَرْثَكُمْ وَزَرْعَكُمْ وَلُعَاعَه، وَأَنْزَلَ المـَطَرَ وَأَكْمَلَ أَبْضَاعَه، وَبَعَثَ مَسِيحَهُ لِدَفْعِ الضَّيْرِ، وَمَهْدِيَّهُ لإِفَاضَةِ الخَيْرِ، وَأَدْخَلَكُمْ في زَمَانِ إِمَامِكُمْ بَعْدَ زَمَانِ الغَيْرِ.

أَيُّهَا الإِخْوَانُ.. إِنَّ زَمَانَنَا هَذَا يُضَاهِي شَهْرَنَا هَذَا بِالتَّنَاسُبِ التَّامِّ، فَإِنَّهُ آخِرُ الأَزْمِنَةِ وَإِنَّ هَذَا الشَّهْرَ آخِرُ الأَشْهُرِ مِنْ شُهُورِ الإِسْلاَمِ، وَكِلاَهُمَا قَرِيبٌ مِّنَ الاخْتِتَامِ. في هَذَا ضَحَايَا وَفي ذَلِكَ ضَحَايَا، وَالفَرْقُ فَرْقُ الأَصْلِ وَعَكْسُ المـَرَايَا، وَقَدْ سَبَقَ نَمُوذَجُهَا في زَمَنِ خَيْرِ البَرَايَا. وَالأَصْلُ ضَحِيَّةُ الرُّوحِ يَا أُولِي الأَبْصَارِ، وَإِنَّ ضَحَايَا الجَدَايَا كَالأَظْلاَلِ وَالآثَارِ. فَافهَمُوا سِرَّ هَذِهِ الحَقِيقَةِ، وَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا وَأَهْلُهَا بَعْدَ الصَّحَابَةِ. وَإِنَّكُمُ الآخَرُونَ مِنْهُمْ، أُلحِقْتُمْ بِهِمْ بِفَضْلٍ مِّنَ اللهِ وَالرَّحْمَةِ. وَإِنَّ سِلسِلَةِ الأَزْمِنَةِ خُتِمَتْ عَلَى زَمَانِنَا مِنْ حَضْرَةِ الأَحَدِيَّةِ، كَمَا خُتِمَتْ شُهُورُ الإِسْلاَمِ عَلَى شَهْرِ الضَّحِيَّةِ، وَفي هَذَا إِشَارَةٌ مَخْفِيَّةٌ لأَهْلِ الرَّايِ وَالرُّؤْيَةِ. وَإِنِّي عَلَى مَقَامِ الخَتْمِ مِنَ الوِلاَيَةِ، كَمَا كَانَ سَيِّدِي المـُصْطَفَى عَلَى مَقَامِ الخَتْمِ مِنَ النُّبُوَّةِ. وإِنَّهُ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَا خَاتَمُ الأَوْلِيَاءِ، لاَ وَلِيَّ بَعْدِي، إِلاَّ الَّذِي هُوَ مِنيّ وَعَلَى عَهْدِي. وَإِنِّي أُرْسِلتُ مِنْ رَّبِّي بِكُلِّ قُوَّةٍ وَّبَرَكَةٍ وَّعِزَّةٍ، وَإِنَّ قَدَمِي هَذِهِ عَلَى مَنَارَةٍ خُتِمَ عَلَيْهَا كُلُّ رِفْعَةٍ. فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الفِتْيَانُ، وَاعْرِفُونِي وَأَطِيعُونِي وَلاَ تَمُوتُوا بِالعِصْيانِ. وَقَدْ قَرُبَ الزَّمَانُ، وَحَانَ أَنْ تُسْأَلَ كُلُّ نَفْسٍ وَتُدَانُ. البَلاَيَا كَثِيرَةٌ وَلاَ يُنجيكُمْ إِلاَّ الإِيمَانُ، وَالخَطَايَا كَبِيرَةٌ وَلاَ تَذُوبُهَا إِلاَّ الذّوبَانُ.

اتَّقُوا عَذَابَ اللهِ أَيُّهَا الأَعْوَانُ، وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَ الغَافِلِينَ وَالَّذِينَ نَسُوا المـَنَايَا، وَسَارِعُوا إِلَى اللهِ وَارْكَبُوا عَلَى أَعْدَى المـَطَايَا، وَاتْرُكُوا ذَوَاتِ الضَّلعِ وَالرَّذَايَا، تَصِلُوا إِلَى رَبِّ البَرَايَا. خُذُوا الانْقِطَاعَ الانْقِطَاعَ لِيُوهَبَ لَكُمُ الوَصْلُ وَالاقْتِرَابُ، وَكَسِّرُوا الأَسْبَابَ لِيُخْلَقَ لَكُمُ الأَسْبَابُ، وَمُوتُوا لِيُرَدَّ إِلَيْكُمُ الحَيَاةُ أَيُّهَا الأَحْبَابُ.

اليَوْمَ تَمَّتِ الحَجَّةُ عَلَى المـُخَالِفِينَ، وَانْقَطَعَتْ مَعَاذِيرُ المـُعْتَذِرِينَ، وَيَئِسَ مَنْكُمْ زُمَرُ المـُضِلِّينَ وَالمـُوَسْوِسِينَ، الَّذِينَ أَكَلُوا أَعْمَارَهُمْ في ابْتِغَاءِ الدَّنْيَا وَلَيْسَ لَهُمْ حَظٌّ مِّنَ الدِّينِ، بَل هُمْ كَالعَمِينَ. فَاليَوْمَ أَنْقَضَ اللهُ ظُهُورَهُمْ وَرَجَعُوا يَائِسِينَ. اليَوْمَ حَصْحَصَ الحَقُّ لِلنَّاظِرِينَ، وَاسْتَبَانَ سَبِيلُ المـُجْرِمِينَ. وَلَمْ يَبْقَ مُعْرِضٌ إِلاَّ الَّذِي حَبِسَهُ حِرْمَانٌ أَزَلِيٌّ، وَلاَ مُنْكِرٌ إِلاَّ الَّذِي مَنَعَهُ عُدْوَانٌ فِطْرِيٌّ. فَنَتْرُكُ هَؤُلاَءِ بِسَلاَمٍ، وقَدْ تَمَّ الإِفْحَامُ، وَتَحَقَّقَ الآثَامُ. وَإِنْ لَّمْ يَنْتَهُوا فَالصَّبْرُ جَدِيرٌ، وَّسَوْفَ يُنَبِّئهُمْ خَبِيرٌ.” (الخطبة الإلهامية، الخزائن الروحانية ج16 ص31-73)

كانت هذه هي خطبة العيد الذي ارتجلها سيدنا أحمد ، وقد آثرتُ أن أنقلها للقارئ كاملة حتى يرى بنفسه.. ثم يحكم لنفسه.. ما إذا كان من الممكن أن يخرج هذا الكلام من شفتي دجّال كذّاب مُفتر على الله تعالى، ولكي يُدرك القارئ أيضا عظمة رسول الله الذي أخبرنا منذ أربعة عشر قرنا أن الله تعالى سوف يُصلح الإمام المهدي في ليلة، وما يُصلحه الله لا بد وأن يكون متميّزًا بالعظمة والسموّ، ويلمح الإنسان السويّ فيه قدرة الله ويُشاهد إعجازه الخارق. لَكَم أُوتِي النبيّون من معجزات وخوارق، ولكنها جميعها زالت وانقضت واندثرت، إلاّ معجزة رسول الله ، وهي البلاغة التي آتاها الله إيّاه في القرآن وفي جوامع الكلم، رغم أنه كان الأمّي الذي ما تعلّم وما قرأ وما حفظ قول الشعراء وكلام البلغاء. ولمـّا كان الإمام المهدي نبيّا خادما وتابعا لسيد المرسلين، فقد آتاه الله تعالى أيضا معجزة البلاغة بهذا الشكل الخارق، وأصلح عيبه في ليلة، مع أنه كان الأمّي بالنسبة للغة العربية، ما تعلّم أدبها وآدابها، وما غاص في بحورها ولا ارتقى إلى قممها، ولكن الله على كل شيء قدير.

إن بعض المتشككين قد يتصوّر أن الأمر لم يكن سوى تدبير خفي، أو لعله من أمور السحر، أو ربما كان يكتب له في الخفاء، بعض المستأجرين من العرب البلغاء. ولكن هؤلاء ينسون أن هذه التصورات الخاطئة، هي نفسها التي ظنّها المشركون في القرآن، حين استهزءوا به في أول الأمر وقالوا لو شئنا لقلنا مثل هذا، فلما صفعهم التحدّي أن يقولوا مثله، قالوا إنها أساطير الأوّلين اكتتبها فهي تُملَى عليه بكرة وأصيلا، فلما تبيّن لهم أن لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين، قالوا إنه السحر وفعل الشيطان. إن هؤلاء وأمثالهم لا نملك لهم من الله شيئًا، فهم كما قال الله تعالى عنهم:

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا فيِ السَّمَآءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ $ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَل نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ (الحجر:15-16)

ولكننا نخاطب أولئك المخلصين الذين آتاهم الله العقل والبصيرة والرشاد، وكساهم لباس التقوى والحكمة والسداد، ولا يريدون أن تكون لهم أعين لا يبصرون بها، وعقول لا يفهمون بها. ونقول لهؤلاء: إذا كان الأمر ليس سوى تدبير خفيّ من فعل البشر، فأين فعل الله تعالى الجلي؟ ولماذا لم يكشف الله تعالى هذا التدبير الخفي؟ ولماذا لم يفضح أمره ولم يهتك سرّه ولم يُبيّن حقيقته للناس؟ وسبحانه الذي لا يُعجزه شيء وتحيط قدرته بالسماوات والأرض؟

وقد يقول البعض إن البلاغة أمر من الأمور العادية.. وقد يؤتاها المؤمن والكافر على السواء، وكم كان الشعراء والأدباء على قدر عظيم من البلاغة في عصور الجاهلية، فلا تدل بلاغتهم بالضرورة على أنها معجزة من عند الله، أو أن لهم مقاما روحانيا خاصا من دون الناس. فإذا كان سيدنا أحمد قد تمتّع بموهبة البلاغة، فشأنه في ذلك شأن الموهوبين من بقية الناس، من أمثال الفنانين والموسيقيين والمؤلّفين والشعراء والأدباء، وهؤلاء تجدهم في كل لغة وكل لسان، وفي كل ملة وكل دين.

فمثلا.. كان شيكسبير موهوبا بدرجة الإعجاز في فن الأدب والقصص والشعر. وكان موتسار موهوبا بدرجة الإعجاز في التأليف الموسيقي، حتى إنه كتب سيمفونيات موسيقية عندما كان عمره خمس سنوات. وليوناردو دافنتشي كان موهوبا بدرجة الإعجاز في الرسم، حتى إنه رسم من اللوحات الفنية الكثير، ومن بينها لوحة الموناليزا التي يُقال إن أحدًا لا يستطيع أن يرسم الابتسامة التي رسمها دافنتشي على وجه المرأة في تلك اللوحة. ولكن هذا كله لا يعني أن كل هؤلاء الموهوبين قد أنزل الله عليهم معجزات، أو أوحى إليهم تلك المواهب.

ورغم وجاهة الاعتراض وما يبدو من مصداقيته ومعقوليته، إلاّ أنه يفتقد عاملا حاسمًا في القضية التي نحن بصددها. فإن شيكسبير وموتسار ودافنتشي، وغيرهم من الأدباء والفنانين والموهوبين بوجه عام، لم يدّعوا بتاتا أن هذه الموهبة قد وهبها الله إيّاهم بناء على دعائهم وطلبهم إياها من الله تعالى. كذلك فإنهم.. رغم عظمتهم التي لا ينكرها أحد.. لم يَتحَدّوا من خالفهم ومن عارضهم أن يأتوا بمثل ما أتوا هم به. ولم يُعلنوا أبدا أن هذه الموهبة التي أعطاها الله لهم، لم يعطها إيّاهم إلاّ ليدلل على صدقهم، ويبرهن على حقيقة دعواهم. ولم يمسك الله أيدي وألسنة مخالفيهم ومعارضيهم، فيفشلوا في الإتيان بمثل ما أتوا به، أو حتى بما يقاربه في البراعة والإتقان. وهذا هو الفارق الأكبر بين الإنسان العادي الذي وهبه الله تعالى موهبة من المواهب، وبين الإنسان الذي اختاره الله تعالى، وجعله نبيّا وأيّده بموهبة من المواهب، لتكون دليلا وبرهانا على صدق دعواه، وعلى أن الله فعلا قد اصطفاه واجتباه. وإن لم يكن الأمر كذلك، لسقطت على الفور معجزة القرآن الكريم، ولانهار من أساسه التحدي الذي تضمنه الكتاب الحكيم، والذي وجّهه الله تعالى للمخالفين والمعارضين من الثقلين أن يأتوا بمثل هذا الكتاب القويم، ولقيل إن بلاغة القرآن، لم تكن سوى موهبة من المواهب التي يمكن أن يؤتاها الإنسان، دون أن تكون بالضرورة من وحي الرحمن، فهل يقبل هذا القول عاقل؟ وهل يكون المعترض محقا أم على باطل؟

إن الله تعالى يؤيد أنبياءه ورسله بالمعجزات والخوارق، ولكن الكثير من هذه المعجزات والخوارق لا يراها إلا من كان حاضرا لحظة وقوعها، وبعدها لا تكون المعجزات إلاّ روايات يتناقلها الناس، وأحاديث يؤمن بها المؤمنون ويرفضها المخالفون الذين لم يروها رأي العين. أما معجزة القرآن الكريم فهي معجزة باقية بقاء الزمن، وكذلك المعجزة اللغوية التي آتاها الله تعالى سيدنا أحمد في اللغة العربية. إنها باقية في كل يوم تشرق فيه شمس، ومستمرة في كل آن يتنفس فيه إنس، ويستطيع كل من آتاه الله البصر والبصيرة، أن يراها ويتأكد من وقوعها دون ريب وحيرة، وقد قدّمنا للقارئ منها نبذة في هذا الفصل، فتبين بذلك سمو القول الفصل، واتضحت عظمة الكلام الجزل، وبان الجد من الهزل، وظهرت معجزة البلاغة والإنشاء، فطوبى لمن آمن بمبعوث السماء، واتّبع إمام الصلحاء، وخاف مقام ربه كالأتقياء، أولئك عليهم صلوات من ربهم ذي الآلاء، وأولئك هم المهتدون بآيات الأنبياء، فنُعْمَى لهم جنة الخلد والسعادة في دار البقاء.

لقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم كثيرا من أخبار النبيين الصادقين، الذين أيدهم سبحانه بالآيات والمعجزات، وكذلك ذكر لنا علامات الكاذبين والمفترين والمزوّرين. وبعد أن اطّلع القارئ الكريم على هذا الفصل، وبعد أن أدرك كيف أصلح الله تعالى الإمام المهدي في ليلة، وعلّمه أربعين ألفا من جذور اللغة العربية، وبعد أن رأى القارئ بنفسه كيف كتب سيدنا أحمد بهذا الأسلوب العربي المعجز، الذي يصعب بل يكاد يستحيل على أحد من بين الكُتّاب والأدباء أن يكتب به الآن، وبعد أن اطّلع القارئ على نبذة من كتابات سيدنا أحمد بما تحتويه من علم وعرفان، وبعد أن شاهد التحدّي الذي وجهه سيدنا أحمد إلى مخالفيه أن يكتبوا مثل كتاباته، أو حتى يقرأوا ما كتبه هو بدون أن يُخطئوا في القراءة، وكيف أنه أذن لهم أن يُساعد بعضهم البعض، بل سمح لهم أن يستعينوا بمن شاءوا من الأدباء العرب، وبعد ما تبيّن للقارئ ما أضفاه الله تعالى عليه من علوم تفسير القرآن، وعلوم اللغة العربية، واستنباطه من آية معينة أن اللغة العربية هي أم اللغات التي كانت منشأ لكل اللغات الموجودة في العالم، وإثباته بالحجة والدليل والبرهان على أن الله تعالى هو الذي علّم الإنسان هذه اللغة المباركة، وبعد أن قرأ القارئ بنفسه تلك الخطبة الإلهامية التي ارتجلها سيدنا أحمد في صبيحة عيد الأضحى المبارك، وأدرك القارئ وفهم ما تحتويه من علم وعرفان، بعد هذا كله.. على القارئ أن يقرر ما إذا كانت كل هذه الأمور يمكن أن تجتمع في الكذابين المفترين المزوّرين حسب ما علّمنا الله تعالى في القرآن، أم أنها ليست إلاّ من سمات الصادقين الطيبين المرسلين، كما أرشدنا الله تعالى في الفرقان.

أيها القارئ الكريم.. أنت وحدك الذي لك أن تُجيب على هذا السؤال، بوحي من ضميرك وقلبك ووجدانك، بما في ضميرك من خشية الله، وبما يحمله قلبك من إيمان بالله، وبما يغمر وجدانك من رغبة في معرفة الحق واتّباع أمر الله. كذلك يمكن لك أن تجيب على هذا السؤال من منطلق التعامي عن رؤية الحق، والتصامم عن سماع صوت العقل، والتجاهل لكل منطق وبرهان. وفي أي من الحالتين.. فإنك وحدك الذي تحكم لنفسك أو عليها، وعسى الله تعالى أن يُوَفقك إلى ما فيه خيرك وصلاحك، ويرشدك ويهديك إلى ما فيه نجاتك وفلاحك.

² حاشية: قد قلت غير مرة إني ما أتيت بالسيف ولا السِّنان، وإنما أتيت بالآيات والقوة القدسية وحسن البيان، فجلالي من السماء لا بالجنود والأعوان. منه

­ اللفظ لفظ الحديث كما جاء في البخاري، والمراد من القتل إتمام الحجة وإبطال الباطل بالدلائل القاطعة والآيات السماوية لا القتل حقيقة. منه.

Share via
تابعونا على الفايس بوك