ماذا يفعل الرجال وتعجز نساؤنا عن القيا به؟!
  • هل من مُثُل عليا قدمتها سيدات مسلمات عبر التاريخ؟!
  • لماذا وضعت المرأة في إطار تربية النشء أكثر من ممارسة العمل الدنيوي؟
  • أليس في خص المرأة بتربية النشء حط من قيمتها كما يروج البعض؟!

___

الخطاب الذي ألقاه أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز

الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي بتاريخ 6/8/2022م

في خيمة النساء بمناسبة الجلسة السنوية لجماعة بريطانيا في حديقة المهدي ببريطانيا

 *العنوان الأساسي والعناوين الجانبية من إضافة أسرة التقوى

 

بعد التشهد والتعوذ وقراءة سورة الفاتحة استهل حضرته خطابه

 

مُثُلٌ عُليَا تقدمها سيدات مسلمات

سأقدم اليوم أمثلة بعض السيدات؛ وتتبين منها حالة دينية وروحانية لسيدة مسلمة حقيقية، كما تتبين منها غيرتها الدينية وروح تقديم الدين على الدنيا وحرصها على تربية الأولاد. باختصار، هناك عدة أمور أخرى أيضا يتبين منها مكانة المسلمة الحقيقية. لقد اقتبستُ بعض الأمثلة من صحابيات سيدنا رسول الله وبعضها تتعلق بالسيدات الأحمديات في زمن المسيح الموعود وبالسيدات اللاتي كنّ في زمن لاحق وإلى اليوم.

الأمثلة التي انتقيتُها مأخوذة من زمن المصلح الموعود وقبل عهد خلافتي. إن عدد هذه الأحداث أو الأمثلة كبير جدا إلى درجة أننا لو أردنا  إفراد الحديث عن الصحابيات من عصر واحد فقط لاقتضى الأمر عدة ساعات، ولو أُريد كتابتها لكانت هناك حاجة إلى عدة مجلدات من الكتب، وقد لا تنتهي بعد ذلك أيضا. إن تدوين هذه الأحداث في تاريخنا يوحي بأن هذه الأمثلة أبقت مكانة المرأة المسلمة في صدر الإسلام حية إلى الآن. يُعترض على الإسلام أنه لا يعطي المرأة مكانة لائقة بها. ولكن ذكر المرأة المسلمة في تاريخ الإسلام وذكر مستوى عباداتهن وتضحيتهن بأرواحهن وأموالهن، وأمثلة تربيتهن أولادهن لا تزال حية إلى يومنا هذا. والبنايات التي تُبنى على أساس تلك الأمثلة تدل بجلاء على مكانة المرأة في الإسلام. إن المؤرخين الدنيويين قد احتفظوا في تواريخهم بأسماء بعض النساء البارزات، أما تاريخ الإسلام فلم يحتفظ بأسماء بعض النساء البارزات فقط، بل حفظ في طياته أمثلة لا تُعد ولا تحصى لحسنات النساء وتقواهن وتضحياتهن ولا تزال هذه الأمثلة تُحفظ إلى اليوم.

والآن أقدم بعض الأمثلة دون الخوض في مزيد من التمهيد لأن النساء يطالبن بأن أسرد أمثلة النساء أيضا، ولكن لا بد لي من القول هنا إنه لو كان الهدف هو الاستمتاع مؤقتا بسماع هذه الأمثلة فلا فائدة من بيانها، وإنما الفائدة في أن تسعين لجعل هذه الأسوة الطيبة جزءا لا يتجزأ من حياتكنّ. إذن، فاسمعنها بهذه النية وتأملن فيها.

لقد جاء فيما روي بشأن مستوى عبادة بعض النساء وإقامتهن العلاقة بالله تعالى، ما رواه عبد الله بن عباس بشأن أمه، أمّ الفضل أنها كانت تحب الصوم كثيرا فكانت تصوم يومي الاثنين والخميس كل أسبوع. وفي رواية عن ميمونة بنت الحارث، زوج النبي ، قالت: كان النبي يَقْسِمُ ما أفاء الله عليه في رهط من المهاجرين، يقسم لأزواجه، فتكلمت زينب بنت جحش، فأقهرها عمر، فقال رسول الله : أعرض عنها يا عمر فإنها لأوَّاهة. وفي رواية: قال رجل: يا رسول الله، ما الأواه؟ قال: «الخاشع المتضرع الدعاء».

فهذه هي المكانة الروحانية لهؤلاء النساء، وأمثلتهن في تضحيتهن بأموالهن وأنفسهن وأولادهن.

نموذج آل ياسر (رضي الله عنهم)

يقول سيدنا المصلح الموعود في معرض حديثه عن أبوَي عمار من منطلق تاريخي:

وأما ياسر، والد عمّار، وأمّه سميّة، فقد عذّبهما الكافرون أيضا تعذيبًا شديدا. فذات يوم مرّ عليهم رسول الله وهم يُعذّبون، فقال لهم وقلبه يعتصره الحزن والألم من أجلهم: «صبرًا آل ياسر إن موعدكم الجنة». وقد تحققت الكلمات النبويّة من فورها، فقد سقط ياسر شهيدًا تحت شدّة التعذيب، ولم يتوقف الكفار على ذلك بل واصلوا إنزال الظلم بزوجته المسنّة، فذات يوم رماها أبو جهل بشدة الغضب في فخذها بحربة وصلت إلى بطنها فلفظت أنفاسها الأخيرة من شدة الطعنة.

نموذج أم شريك (رضي الله عنها)

عندما أسلمت أمّ شريك أمسكها أقاربها من بيتها وأركبوها بعيرا مسعورا وصاروا يطعمونها الخبز بالعسل ولم يطفئوا غلتها بقطرة ماء واحدة، بل كانوا يوقفونها في شمس حارقة حتى فقدت صوابها. استمروا معها على هذا النحو ثلاثة أيام ثم قالوا لها: اتركي الدين الذي أنت عليه ولسوف نعفو عنك. تروي أمّ شريك لاحقا أنها لم تفهم كلامهم (لأنها كانت قد فقدت قواها) غير أنها سمعت بعض ما قالوا. طلبوا منها مشيرين اإلى السماء أن تترك عقيدة وحدانية الله تعالى. فقالت: والله إني ثابتة على التوحيد! إذن، هكذا حافظ هؤلاء الناس على التوحيد.

ذكر المرأة المسلمة في تاريخ الإسلام وذكر مستوى عباداتهن وتضحيتهن بأرواحهن وأموالهن، وأمثلة تربيتهن أولادهن لا تزال حية إلى يومنا هذا. والبنايات التي تُبنى على أساس تلك الأمثلة تدل بجلاء على مكانة المرأة في الإسلام. إن المؤرخين الدنيويين قد احتفظوا في تواريخهم بأسماء بعض النساء البارزات، أما تاريخ الإسلام فلم يحتفظ بأسماء بعض النساء البارزات فقط، بل حفظ في طياته أمثلة لا تُعد ولا تحصى لحسنات النساء وتقواهن وتضحياتهن ولا تزال هذه الأمثلة تُحفظ إلى اليوم.

نموذج أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنها)

يُروى عن عبد الله بن الزبير أنه ذهب قبل عشرة أيام من الشهادة إلى أمه أسماء التي كانت مريضة جدا. سأل عبد الله بن الزبير عن حالها فقالت: أعاني من الألم كثيرا. قال عبد الله: الموت أريح. (لأنه رآها موشكة على الموت فقال مسلِّيا إياها أن الموت أريح وأكثر سكينة الآن) فقالت أسماء فورا: لعلك تتمنى موتي ولكني لن أموت ما لم أر أحد الأمرين، (هكذا كان إيمانها قويا) إما أن تنال مرتبة الشهادة وأرجو الثواب من الله أو تتغلب على عدوك وتقر بذلك عيني. قال عروة: لما سمع عبد الله ذلك نظر إلي وابتسم. واليوم الذي استُشهد جاء للقاء والدته في المسجد الحرام فقالت له ناصحة: يا بنيّ لا تسلك خوف القتل سبيلا فيه ذلة، لأن قبول صولة السيف بكرامة أفضل من جَلدات المذلة. فهذا كان مستوى تضحية هؤلاء النساء تجاه أولادهن.

نموذج أم سعد بن معاذ (رضي الله عنهما)

يقول سيدنا المصلح الموعود في ذكر المسلمات من القرون الأولى: لما عاد النبي من أُحد خرجت النساء والأطفال لاستقباله إلى ظاهر المدينة، وكان حبل بغلته في يد سعد بن معاذ وهو صحابي قديم وشجاع. كان سعد يقود البغلة بفخر واعتزاز. وحدث أن رأى أمّه العجوز تتقدم لتلقى الجموع العائدة. كانت هذه العجوز ضعيفة النظر جدًا بسبب الرمد في عينيها فوقفت أمام النساء تنظر إلى هنا وهناك لتعلم أين رسول الله . ظن سعد أنها ستُصدم حين تعلم عن قتل ابنها فأراد أن يسلِّيها رسول الله ويصبِّرها. فلما وقع نظره عليها عرفها سعد والتفت إلى الرسول قائلاً: «يا رسول الله، هذه أمّي»، فقال الرسول لهذه السيدة التي ضعف بصرها معزيا إياها: أعزيك في قتل ابنك في الحرب. لما كانت السيدة ضعيفة البصر فلم تعرف رسول الله وظلت تجيل النظر هنا وهناك ثم اقتربت منه وقالت: ما دمتَ أنت سليمًا معافـًى يا رسول الله فقد شويتُ الحزن.

انظرن الآن أن المرأة التي انكسر سندها الذي يمكن أن تستند إليه في زمن تقدمها في السن، أي قُتل ابنها، تقول بشجاعة متناهية: أنّى للحزن على موت ابني أن يأكلني بل ما دام رسول الله حيا فقد شويتُ أنا الحزنَ وأكلتُه. لن يقتلني موت ابني، بل الفكرة أن رسول الله حيّ وأن ابني ضحّى بحياته في سبيل حمايته سوف تقويّني أكثر. انظرن إلى تضحيات النساء العظيمة التي أدت إلى انتشار الإسلام في العالم.

نموذج زنيرة الرومية (رضي الله عنها)

كانت زنيرة الرومية من السبَّاقات في الإسلام، وكان المشركون يؤذونها أشد الإيذاء. يقال أنها كانت أمة لبني مخزوم. كان أبو جهل يعذبها أشد التعذيب. ويقال أيضا أنها كانت أمة لبني عبد الدار. فلما أسلمت ذهب بصرها، فقال لها المشركون إن اللات والعُزّى أعمياك بسبب إنكارك إياهما. فقالت زنيرة: إن اللات والعزى لا يعرفان حتى من يعبدهما (هذا يعني أن إيمانها كان قويا جدا) بل إن ذهاب بصري عائد إلى قدر الله تعالى، وإن ربي قادر على رد بصري أيضا، فلن أترك ربي الواحد الأحد. ثم انظرن إلى معاملة الله تعالى لها، فقد أصبحت في اليوم التالي وقد رد الله تعالى بصرها فأصبحت سليمة معافاة تماما.

فقالت قريش: هذا من سحر محمد. ولما رأى أبو بكر ما ينالها من العذاب اشتراها فأعتقها.

أما عن تحملهن الشدائد من أجل الدين، فقد ورد في رواية أن أبا بكر مرّ يوما بجارية لبني مؤمل بن حبيب بن عدي بن كعب، ولم يكن عمر قد أسلم حينها، فكان شديدا على المسلمين، وكان يعذبها لكي يفتنها في دينها فتترك الإسلام، فقال لها: إني لم أدَعْك إلا سآمةً. ما أصبر هذه الجارية! وما أعظم تحملها التي يعيا عمر من ضربها! ولكنها لم تترك إسلامها، وكان يدعها بنفسه، فكانت تقول لعمر: كذلك يفعل الله بك إن لم تسلم، فاشتراها أبو بكر فأعتقها. ولكن الله تعالى أحب حسنة لعمر ووفقه لقبول الإسلام ولم يتعرض لمثل هذا.

كلما هاجمهن السيخ والهندوس بالسيوف والبنادق، أكرهنهم على الفرار، وكانت السيدة المذكورة في مقدمتهن دائما التي كانت من سكان بهيرة وكانت رئيسة لهن، لا تزال هذه السيدة على قيد الحياة إلا أنها صارت عجوزًا وضعفت، كانت تعلّم النساء أساليب القتال. وكانت تقودهن في الرد على تلك الهجمات.

نموذج الخنساء في التضحية بأولادها الأربعة 

ماذا كان مستوى النساء المسلمات في التضحية بالأولاد؟ قال المصلح الموعود وهو يبين واقعة بكلماته:

لما وقعت معركة القادسية في العراق ضد الفُرس في عهد عمر ، أتى كسرى بالفيلة في الحرب، ولأن الإبل تخاف الفيل فأخذت إبل المسلمين تنفر منها، فلحقت بهم أضرار جسيمة فادحة، وقُتل الكثير منهم. فقرر المسلمون ذات يوم ألّا ينسحبوا من ساحة القتال ما لم يهزموا العدو. وجمعت الصحابية الخنساء رضي الله عنها أبناءها الأربعة وقالت لهم: يا بَنِيّ، لقد أهلكَ أبوكم كل ما كان يملك من مال وعقار، ولما مات لم يترك وراءه شيئًا. وكان الفقر شديدا وكنت لا أزال في شبابي، ولم يترك أبوكم لي بعده مالاً كما لم يحسن إلي في حياته حتى أحافظ على عفافي من أجله ومن أجل أولاده، ولو أصبحتُ بغيّةً بحسب تقاليد المجتمع العربي لما كان عليّ من لوم، كانت الفحشاء منتشرة في تلك الأيام وفي هذه الأيام أيضا، لكني حافظتُ على عفافي من أجلكم. قالت لأبنائها: سيقع غدًا بين الكفر والإسلام قتال حاسم، ولي حقوق كثيرة عليكم، فإذا رجعتم من القتال غير منتصرين فسأقول لربي إن أبنائي لم يؤدوا لي حقوقي وأنا لا أتنازل عنها. وبعد تحريض أبنائها على القتال، خرجت إلى البرية قلقةً وخرّت أمام الله تعالى في انفراد ساجدةً باكية وقالت: رب، قد أرسلتُ أبنائي الأربعة ليموتوا في سبيل دينك، ولكنك قادر على أن تعيدهم إلى الأحياء. فاستجاب الله دعاءها، وكتب الله بفضله الفتح للمسلمين ورجع أبناؤها كلهم أحياء. (الطبري، والاستيعاب) لم تكن هذه الشجاعة والبسالة إلا نتيجة الإيمان بالآخرة. لقد كانوا موقنين أن نجاة العالم منوطة بالإسلام، فكانوا يقولون: إذا متنا فلا حرج ولا ضير، لأن الدنيا ستحيا بموتنا، ولأن الإسلام سيصبح غالبًا بتضحياتنا.  (1)

أمثلة التضحية المالية:

روى ابْنُ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ خَرَجَ من بيته يوم العيد فَصَلَّى ركعتين لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ أيْ خلعن حليّهن ودفَعْنَها إِلَى النبي .  (2)

ثم نجد في حياة السيدة عائشة رضي الله عنها واقعات الجود وبساطة عيشها:

عن عروة قال: رأيت عائشة رضي الله تعالى عنها تتصدّق بسبعين ألفا وإنها لترفع جانب درعها بالرغم من هذا المال الكثير، ولم تكن تبالي بنفسها. (3)

لقد بين المصلح الموعود أيضا واقعة للسيدة عائشة رضي الله عنها فقال:

لم تكن السيدة عائشة رضي الله عنها تكسب الأموال بنفسها ولكن الصحابة كانوا يُرسلون إليها الهدايا بكثرة بسبب حبهم للنبي وعلاقتها معه، فكانت تُوزِّع معظم أموالها على الفقراء والمساكين. ثابت من التاريخ أنه في بعض الأيام كانت تأتيها الأموال بالآلاف وكانت توزّعها كلها إلى المساء دون أن تحتفظ بقرش واحد. فقالت لها إحدى صديقاتها ذات يوم: أنت صائمة ليتك أخّرتِ بضعة قروش للإفطار، قالت: ليتكِ ذكَّرتني من قبل. قالت ذلك لمجرد تجنبها. (4)

نظرا إلى عادتها هذه ذات مرة قال ابن أخيها إنها تهتم بالفقراء جدا ولا تبقي عندها شيئا، فلأن ابن أخيها كان سيرث مالها فقال بأنها تُنفق جُلّ مالها. عندما بلغها ذلك منعته من التردُّد على بيتها وأقسمت أنها إذا سمحت له بدخول بيتها فسوف تدفع كفارته. بعد فترة التمس منها بعض الصحابة أن تعفو عن خطئه فعفت ولكنها قالت: لما كنت قد عهدت بأني إذا عفوت عنه سأدفع الكفارة فأجعل كفارته أنه كل ما يأتيني في المستقبل من الأموال سأنفقه كله للنهوض بالفقراء واليتامى والمساكين.(5)

ثم نجد واقعات أم عمارة رضي الله عنها للشجاعة وتربية الأولاد والثبات على الإيمان، لاحظوا هذه الواقعة وفكروا فيها لتظهر لكم عظمتها. لقد بين المصلح الموعود هذه الواقعة فقال:

ثم بعد منتصف الليل اجتمع رسولُ الله ومسلمو المدينة في وادي العقبة (هذا عندما كان النبي في مكة) وكان معه عمه العباس . كان عدد مسلمي المدينة يبلغ ثلاثة وسبعين، اثنان وستون منهم من الخزرج، وأحد عشر من الأوس. وضمّ الرهط امرأتين، الأولى هي أمّ عمارة؛ من بني النجار الذين تعلموا الإسلام من مُصعب بن عُمَير، وكانوا قومًا يملؤهم الإيمان واليقين. وقد ثبت من أحداث المستقبل أنهم أعمدة للإسلام، وكانت أمّ عمارة رضي الله عنها التي غرست في أبنائها حب الإسلام لدرجة أن أحد أبنائها، وهو خبيب أُخذ أسيرا إلى مسيْلمة الكذاب بعد وفاة الرسول ، فسأله مسيلمة قائلًا: «هل تؤمن أن محمدًا رسول الله»؟ فأجاب خبيب: «نعم». فسأله مسيلمة: «وهل تؤمن أني رسول الله»؟ فقال خبيب: «لا». وعندئذ أمر مسيلمة بقطع أحد الأطراف من جسد خبيب. ثم سأله مرة أخرى: «أتؤمن أن محمدًا رسول الله»؟ فأجاب خبيب: «نعم». فسأله: «أتؤمن أني رسول الله»؟ فأجاب خبيب: «لا». وعند ذلك أمر مسيلمة بقطع طرف آخر من جسد خبيب كانت يده أو رجله، وظل هكذا يسأله أتَشْهد أني رسول الله بعد قطع طرف وظل خبيب يقول لا، حتى تمزّق جسد خبيب إلى أشلاء ومات متمزقا ولقي الله تعالى مظهرا ثباته على إيمانه (6)، كان إيمانه القوي هذا بسبب تربية أم عمارة له. وكانت أم عمارة بنفسها صحبت رسول الله في العديد من الغزوات.

وهناك رواية لمعايير الحسنات

عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ قَالَتْ: َ كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ وَكُنْتُ أَسُوسُهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ، كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ وَأَقُومُ عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ، قَالَ (الراوي): ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِمًا (أي امرأة خادمة) جَاءَ النَّبِيَّ سَبْيٌ فَأَعْطَاهَا خَادِمًا، قَالَتْ: كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَأَلْقَتْ عَنِّي مَئُونَتَهُ، فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، قَالَتْ: إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ أَبَى ذَاكَ الزُّبَيْرُ، فَتَعَالَ فَاطْلُبْ إِلَيَّ وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ. فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، فَقَالَتْ: مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ؟ فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ فَبِعْتُهُ الْجَارِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي فَقَالَ هَبِيهَا لِي قَالَتْ إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا (7)

فانظروا كيف نالت جارية وسهلت بها أعمالها، ثم باعتها لحاجة، والثمن الذي حصلت عليه لم تنفقه على نفسها، فلما سألها زوجها قالت إني قد تصدقت بها. فهكذا قد واست رجلا فقيرا وحفظت بيت زوجها وأبدت الزهد في المال أيضا، فهذه هي النماذج أمامنا.

كيف كانت الصحابيات يرغبن في الحصول على علم الدين ويهتممن بذلك، فعن ذلك رواية عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَتْ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ َ غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِنْ نَفْسِكَ فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ. فهكذا كان لديهن شوق.

لقد كتب سيدنا الخليفة الثاني في تفسير الآية الثانية والثلاثين من سورة النور:

فالإسلام لا يأمر النساء أبدًا أن يجلسن في البيوت كالمحبوسات، إذ لم تكن النساء هكذا في أوائل الإسلام، بل كنّ يخرجن من البيوت ليستمعن لخطب النبي ، وكنّ يشتركن في الحروب ويعتنين بالجرحى، ويركبن الخيول، ويتعلمن من الرجال، بل كنّ يُعلِّمنَهم، إذ كانت عائشة رضي الله عنها تُسمع الرجال أحاديث الرسول (8).

باختصار كنّ يتمتعن بحرية تامة في الأعمال، إنما كن أُمرن بأن يغطِّين الرأس والعنق وأجزاء الوجه الملاصقة بالرأس والعنق، لكي تبقى الطرق التي تخلق الذنب مسدودة، وإذا أردن الحذر أكثر فليتنقبن، أما أن يبقين محصورات في البيت وينفصلن عن كل أعمال العلم والتربية، فلم يعلِّم ذلك الإسلامُ ولم يصدر العمل به في الماضي قط.

يوضح لنا الحديث أن النبي كان من عادته الشريفة في أيام السلم أن يعقد بين صحابته سباقات ودية للرماية والمصارعة وغيرها من الفنون الحربية. وعقد ذات مرة هذه الألعاب الحربية في المسجد، وقال لعائشة: إذا أردت أن تشاهدي هذه السباقات فتعالي وتفرجي واقفة ورائي. فجاءت ووقفت خلفه وشاهدت الألعاب الحربية.(9)

من الملاحظ أننا نقدم هذا المثال على شفقة النبي على زوجته واحترامه لعواطفها، لكن الأمر في الحقيقة لا يتوقف هنا فقط بل فيه عمق أكثر.

فقد ثبت من هنا أن الإسلام يؤكد على ضرورة تعليم المرأة الفنونَ الحربية أيضًا لكي تستطيع الدفاع عن نفسها وعن وطنها وقت الحاجة. أما إذا كان قلبها يطير برؤية السيف وترتعد فرائصها بسماع صوت المدافع والبنادق فلن تسمح بطيب خاطر لأولادها أن يخرجوا إلى ميادين القتال، كما لن تستطيع هي أن تشترك في الدفاع عن وطنها بشجاعة.

ثم إن تاريخ الإسلام حافل من أحداث شجاعة النساء بحيث أنجزت النساء في الحروب الإسلامية أعمالا لا تنجزها الأوروبيات السافرات حتى في هذا العصر، يقول الناس إن الحجاب عائق، كلا، بل الحجاب لا يشكل أي عائق، ففي زمن سيدنا أبي بكر حصل أن الصحابي الشجاع سيدنا ضرار قد وقع في قبضة الروم بغفلة منه، فأخذوه لعدة أميال، فلما علمتْ بذلك أختُه السيدة خولة خرجتْ على جوادها مسلحة بسلاح أخيها ودرعه، بحثا عنه ونجحت في تخلصيه من العدو. كانت الإمبراطورية الرومية في ذلك العصر من حيث العدة والعتاد مثل الحكومة الإنجليزية في هذا العصر -فهذا القول يعود إلى يوم كان الإنجليز يحكمون شبه القارة الهندية وغيرها من البلاد الكثيرة- فحين أسر الجيش الرومي أحد الصحابة خرجتْ أخته وحدها، ولحقت بالجنود الروم لعدة أميال وتمكنت من تخليص أخيها من أسرهم بكل شجاعة، ولم يعلم المسلمون عن أسره إلا بعد أن عادت مع أخيها.

قبل قليل ذكرت شجاعة السيدة أم عمارة، فقد شاركت في بعض الحروب، وشاركت في أُحد أيضا وقاتلت بمنتهى الشجاعة، وحين كان المسلمون منتصرين كانت تخدم الجنود المسلمين وتسقيهم من القِربة، فلما انقلب الفتح هزيمة انحازتْ إلى رسول الله ، وباشرت القتال، ووقفت عنده وجعلت تذب عنه بالسيف، وترمي عن القوس وهذا المكان كان أشد خطورة، وقد قال النبي عنها ما التفتُّ يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني.

ولما وصل ابن قمئة إلى رسول الله بسرعة اعترضتْ له، وضربها هو بالسيف فجرح كتفها جرحا عظيما وضربتْ هي الأخرى ابنَ قمئة ضربات، ولكنه كان عليه درعان فنجا، ولم يتضرر كثيرا. فهذا باختصار ذكر الصحابيات.

صحابيات من الآخِرين

الآن أتناول ذكر السيدات في زمن المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام، وأبدأ بذكر حضرة السيدة أم المؤمنين نصرة جهان بيغم رضي الله عنها. يقول حضرة مرزا بشير أحمد : إن هذا العصر أي عصر سيدنا المسيح الموعود ليس زمن الحروب التي كانت في العصر السابق، إنما هو عصر التضحيات بالأموال، وهذا العصر لتوزيع كنوز العلم، وهو عصر لجم أفواه العدو علميا من خلال الاستفادة من كتب المسيح الموعود وأدبياته لأن هذا هو السلاح الذي يستخدمه العدو، وهو الذي يجب أن نتسلح به. وهذا الزمن للتضحية بالأموال، لأن هذا العمل يتطلب المال، وفوق ذلك كله إن هذا العصر عصر اللجوء إلى الدعاء، إذ قد قال المسيح الموعود إننا سننتصر بالدعاء فقط.

أسوة أم المؤمنين نصرة جيهان بيغم (رضي الله عنها)

في معرض حديثه عن سوانح والدته سيدتنا أم المؤمنين (رضي الله عنها) قال حضرة مرزا بشير أحمد : إن أبرز جانب لصلاح السيدة أم المؤمنين وتديُّنِها شغفُها في الصلاة والنوافل، فكانت تداوم على صلاة التهجد والضحى ناهيك عن التزامها بالصلوات الخمس، فكانت تؤديها بشوق وخشوع حتى كانت حالة خاصة تطرأ على من يراها في هذه الحالة، وكانت إضافة إلى هذه النوافل تبحث عن طمأنينة قلبها في الصلاة.

كما كان لديها شغف كبير بالدعاء أيضا، فكانت تدعو بكل حرقة وألم لأولادها وأبناء الجماعة كلهم الذين كانت تعتبرهم أولادها، كما كانت تدعو الله بكل حرقة من أجل ازدهار الأحمدية. والجملة التي كانت تجري على لسانها بكثرة في الدعاء هي الدعاء المسنون: “يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.”

ثم كتبت السيدة نواب مباركة بيغم رضي الله عنها عن حالة خاصة للسيدة أم المؤمنين في رمضان المبارك فقالت: كانت أم المؤمنين تُكثر الصدقات في رمضان المبارك، فكانت تطبخ الطعام عادة لبضعة أشخاص بنفسها، كما كانت تتصدق بالنقود والغلال أيضا. وإضافة إلى رمضان المبارك كانت تتصدق كثيرا في شهر المحرم أيضا، وكانت تقدم الطعام الجيد للخدم في البيت، وكانت تقول: كان المسيح الموعود يقول من تصدق في بداية السنة وأنفق بسخاء فسوف يجد الرخاء طول السنة. فقد علَّمَنا هذا المبدأ أنكم إذا تبرعتم وتصدقتم في أوائل السنة فجربوا كيف يرزقكم الله كل أيام السنة.

 

أسوة السيدة والدة حضرة ظفر الله خان (رضي الله عنهما)

يقول حضرة شودري محمد ظفر الله خان عن بيعة والدته: حين عاد والدي من المحكمة سأل والدتي هل ذهبتِ لزيارة  سيدنا المسيح الموعود حيث كان قد سافر إلى هناك، فقالت نعم ذهبتُ. فسألها هل بايعتِه؟ فقالت والدتي المحترمة واضعةً يدها على صدرها: الحمد لله على أني بايعتُه، فأبدى والدي شيئا من الانزعاج والغضب، فقالت له: هذه قضية الإيمان ولن يؤثر غضبك فيَّ بهذا الخصوص، إذا كنت تستاء لهذا الأمر كثيرا فافعل ما شئت، واتخذ القرار. أما أنا فلن أتخلى عن الإيمان. ثم قالت إن الله الذي حفظني ورباني إلى الآن سوف يفعل في المستقبل أيضا. كان إيمانها قويا لدرجة كانت امرأةٌ تُرعبها بأن أولادها سيموتون بدعائها عليهم، ثم بالفعل مات اثنان منهم، لكنها لم تخضع لتأثيرها وقالت لها أنا لن أترك التوحيد. فهذه قصة طويلة، فقد ضحت باثنين من أولادها ثم أكرمها الله بأولاد.

أسوة السيدة فخر النساء (رضي الله عنها

تقول السيدة أمة الله بشير عن والدتها السيدة فخر النساء التي كانت تنتمي إلى عائلة معروفة وبارزة في حيدر آباد الدكن، وكانت دائما تقول: لم أبايع لجبر خاطر زوجي أو مراعاة لرفقته، بل بايعت بعد أن انكشف علي صدق الجماعة بشكل كامل.

لقد روت واقعة بيعتها وتقول: لما رجع زوجي من قاديان بعد البيعة شرع يبلغني بالأحمدية فقلت له: لا علم لي بهذه الأمور، لذلك أريد أن يفهمني الله تعالى بالتأييد السماوي حتى أطمئن. فقد رأيت في الرؤيا بعد الدعاء لبضع سنوات أن وريقات كثيرة تنزل من السماء في باحة داري،  وكل وريقة من تلك الوريقات أتناولها أجد اسم مرزا غلام أحمد القادياني مكتوبًا عليها. وبعد هذه الرؤيا اطمأن قلبي فبايعت بصدق القلب في عام 1900.

لم يكن لها أي أخ لذلك أسكَنَها والدها عنده في بيته، فبدأ والدها يعارضها معارضة شديدة، إلا أنها بقيت ثابتة، ولم تتورع عن الصدع بالحق وقول الصدق. فلما توفي والدها استطاعت من خلال أسوتها الحسنة إدخال والدتها وأختيها وبعض أولادهما أيضا في الجماعة.

فإن الأسوة الحسنة تساهم كثيرًا في تحويل رأي الأقارب، وإنها وسيلة للتبليغ، وينبغي أن تراعي هذا الامر كل سيدة لها أقارب غير أحمديين.

أسوة السيدة أمير بي بي (رضي الله عنها)

يكتب مولانا قمر الدين عن والدته السيدة أمير بي بي زوجة ميان خير الدين:

لقد تعلمتْ كثير من فتيات القرية الأحمديات وغير الأحمديات قراءة القرآن الكريم وترجمة معانيه على يد والدتي المحترمة التي كانت شغوفة بمعرفة المسائل الدينية والعبادات. كانت والدتي تصحب عمتنا السيدة “مائي كاكو” وبرفقة نساء أخريات من القرية لأداء صلاة الجمعة في قاديان.

في إحدى المرات سألت والدتي المسيح الموعود عن أداء صلاة المغرب في وقتها لأن ذلك الوقت هو لطبخ الطعام في البيت. أي أنها طرحت سؤالا أن وقت صلاة المغرب هو وقت طهي الطعام حيث يعود الزوج إلى البيت ويجتمع الأهل فيطالبون بالعَشاء، فكيف أؤدي الصلاة في وقتها والوضع هكذا؟ فقال حضرته : يمكنكن طهي الطعام قبل المغرب ثم تؤدين الصلاة في وقتها. وقد أكد المسيح الموعود على أداء الصلاة في وقتها، وعلى كل سيدة أن تسجل هذا الأمر عندها أنه ينبغي ألا تقدّم صلواتها ولا تؤخرها بحجة إنشغالها في أمور البيت.

أسوة السيدةأم طاهر” (رضي الله عنها)

والدة الخليفة الرابع رحمه الله هي السيدة مريم النساء التي لقّبها المصلح الموعود بـ”أم طاهر” وهي تعرف في الجماعة بهذا الاسم. كان قلبها يمتليء حبًّا بالله تعالى وللرسول . يقول مرزا بشير أحمد : لقد قرأت عليها مرة رواية سأل فيها صحابي رسول الله عن الساعة. فقال له : تسأل عن الساعة ولكن أخبرني ماذا أعددت لها؟ فردّ: إذا كنت تقصد من الإعداد لها الصوم والصلاة وغيرهما، فلا أستطيع قول شيء، إنما أقوم بالعبادة في الظاهر ولا أستطيع القول إن كانت مقبولة أم لا، إلا أن ما أعرفه وأريد أن أخبرك عنه هو أنني أحب الله وأحب رسوله. فقال النبي إذا كان الأمر كذلك بأنك تحب الله ورسوله حبًّا صادقًا فإنني أبشرك بأن المرء مع من أحبه، ولا يُفصل عن هذه الشخصيات المحبوبة فلا بد أن تلتحق بهم يوم القيامة أو في الآخرة.

يقول مرزا بشير أحمد : لما سردت لأختنا المرحومة هذا الحديث رأيت وجهها قد برق فرحة وسرورًا وقالت بعفوية: إنني أيضا أجد قلبي كذلك. فقلت لها: إذن مبارك لك أيضا البشرى التي زفها رسول الله أنك أيضا ستكونين مع من تحبينهم.

يقول المصلح الموعود فيما يتعلق بالتضحيات بالنفس والمال:

ذهب رجالنا في أحد الأماكن لتجنيد المتطوعين في الجيش المؤقت والدائم. فعقدوا هنالك اجتماعا وحثّوا الناس على أن يسجّلوا أسماءهم للانضمام إلى الجيش الباكستاني، حيث كانت باكستان آنذاك تخوض في الحرب، لأجل ذلك ذهب هؤلاء لتعبئة الناس.

وعادة ما يتردد بعض من لم يعتادوا على القتال في كتابة أسمائهم في مثل هذه المناسبات، لذلك فقد حدث الأمر نفسه في هذه المناسبة أيضا. لقد قاموا بحثّ الناس على أن يسجلوا أسماءهم، ولكن لم يُجب أحد. وكانت هناك أرملة لم يكن لها إلا ابن واحد، ولم تكن متعلمة أيضا، فلما رأت أن الداعية الأحمدي وقف مرارًا طالبًا من الناس كتابة أسمائهم، لكنهم لم يتقدموا بسبب التردد المذكور، قامت من بين النساء ونادت ابنها قائلة: يا فلان! لماذا لا تتكلم؟ ألم تسمع أنه قد وُجّهت إليكم من قبل الخليفة دعوة إلى الحرب؟ فنهض على الفور وقدّم اسمه للذهاب إلى الحرب. فلما رآه الناس تولد في قلوبهم أيضا الحماس فشرعوا بتقديم أسمائهم أيضا.

يقول المصلح الموعود : لم تكن هذه السيدة من عائلة الإقطاعيين، بل كانت  ممن يزدريهم الإقطاعيون قائلين بألا خبرة لديهم بأمور الحرب، وعلى الرغم من كون هذه المرأة من غير الإقطاعيين، إلا أنها شعرت بمسؤوليتها، والأهم من ذلك أنها كانت أرملة ولم يكن لها إلا ابن واحد، ولم يكن لها أي أمل في أن تُرزق بأولاد آخرين. فقد قالت إذا كانت هناك دعوة موجهة باسم الله والإسلام، فينبغي أن ألبّيها سواء أبقي ابني حيًّا أم لا.

يقول حضرته: إن المشاعر القوية تولّد مقابلها المشاعر نفسها، فلما تكلمت بهذا الكلام فإن بعض الجبناء الذين كانوا مترددين سابقًا أصبحوا يقدّمون أنفسهم مبدين رغبتهم في التطوع في الجيش. فلما بلغني هذا الأمر وقرأت واقعة هذه السيدة في الرسالة وعلمت عن تضحيتها، دعوت الله تعالى قبل أن أغلق تلك الرسالة قائلا: اللهم إنها سيدة أرملة تقدّم ابنها لخدمة الدين وللدفاع عن بلد المسلمين، اللهم إن واجبي أكثر من هذه الأرملة في تقديم مثل هذه التضحية، فإنني أدعوك متوسلا إليك بجلالك أنه إذا كانت هناك حاجة إلى تضحية إنسانية فأرجو أن يموت هناك ابني بدلا من ابنها. هذا ما دعا به المصلح الموعود .

ثم يقول : أتذكر أنه في مفسدة عام 1953 وصلت سيدة من محافظة سيالكوت إلى ربوة مشيًا على الأقدام وأخبرتنا قائلة: إن قريتنا قد انقطعت عن المنطقة كلها، والمعارضون قد قطعوا عنها الماء، فإذا خرجنا لأخذ الماء فإنهم يضربوننا.

كان أحد ضباط الجيش قد جاء آنذاك إلى ربوة لقضاء إجازته، فأرسلته مع أحد الإخوة المحليين إلى تلك القرية لمساعدة الأحمديين.

يقول المصلح الموعود: لاحظوا كم هو موقف شجاع أن تقدم المرأة نفسها حيث لم يستطع الرجال أن يُقدموا على شيء. كان الرجال في ذلك الوقت يخشون الخروج من منازلهم إلا أن تلك السيدة مشت على الأقدام من “سيالكوت” إلى “سمبريال” ثم أتت إلى “غوجرانواله” ومن هناك وصلت إلى ربوة بطريقة أو بأخرى وأطلعتنا على أوضاع الجماعة، وبالتالي أرسلنا من هنا بعض الرجال لمساعدتهم.

يقول المصلح الموعود : هذا يدل على أن نساءنا أشجع من الرجال بفضل الله تعالى.

ثم قال حضرته في مكان آخر: هناك دعاة كثيرون ولا يستطيع أفراد جماعتنا تقدير تضحياتهم بشكل صحيح ولاسيما تضحية داعيتين اثنين سافرا من أجل تبليغ الدعوة بعد الزواج بفترة قصيرة ولا زالا خارج البلاد؛ أحدهما سافر منذ تسع سنوات لتبليغ الدعوة واسمه الحكيم فضل الرحمن، فقد تزوج، وبعد زواجه بفترة قصيرة أُرسل إلى خارج البلاد وترك زوجته الشابة في مقتبل عمرها، ولكنه عند رجوعه الآن سيلتقي بزوجة في سن الكهولة. إنها ليست بتضحية يسيرة أبدًا، وبالنسبة لي سيكون من الوقاحة عدم تقدير قيمة هذه التضحيات ومن عدم الحياء تجاهلها.

لقد ذكر المصلح الموعود أمثلة النساء من عصره وأطلعنا على شجاعتهن، من بين تلك الأمثلة ما رواه حضرته من وقائع حدثت عندما هاجم الهندوس والسيخ قاديان تمّ جمع النساء في حارة خارج بلدة قاديان، وعُيّنت عليهن سيدة من سكان بهيره. لقد أبدت تلك السيدة شجاعة تفوق الرجال. وقيل في التقارير عن هؤلاء النساء إنه كلما هاجمهن السيخ والهندوس بالسيوف والبنادق، أكرهنهم على الفرار، وكانت السيدة المذكورة في مقدمتهن دائما التي كانت من سكان بهيرة وكانت رئيسة لهن، لا تزال هذه السيدة على قيد الحياة إلا أنها صارت عجوزًا وضعفت، كانت تعلّم النساء أساليب القتال. وكانت تقودهن في الرد على تلك الهجمات.

لم يكن هذا القتال من أجل الدين خالصةً، وإنما كان من قبيل الحروب التي تندلع بين أمة وأخرى بسبب الخلافات السياسية، وإن كان شيء من العنصر الديني أيضا قد لعب فيه دورا مِن قِبل الهندوس والسيخ من طرف والمسلمين من طرف. إلا أن غلبة الأحمدية لن تكون بالحروب، وإنما بالعمل والدعاء، هذا الأمر يجب أن يكون واضحا لكم أيضا. على كل حال، يقول حضرته: ليس هناك عمل لا تستطيع المرأة القيام به. فبوسعها القيام بالدعوة والتبليغ، والتعليم والتدريس، والمشاركة في الحروب، والتضحية بالمال والنفس إذا تطلب الأمر، كما يمكنها الاستعانة بالرجال في بعض الشؤون. يصبح الرجال جبناء في بعض المواقف، وعندها تبدي المرأة من الغيرة ما لا يمكن لغيرها أن يبديه. وخير مثال على ذلك ما فعلته تلك الأرملة العجوز التي جعلت ابنَها الوحيد يتقدم للتعبئة في الجيش، فتقدم آخرون أيضا لهذا الأمر.

أسوة نساء أحمديات من القرن الحادي والعشرين

أعرض عليكم الآن مثالين من هذه الأيام حيث يكشفان كيف أن النساء يزددن بعد البيعة إيمانا وعلما، ويسعين لتربية أولادهن، ويبذلن جهدهن لصياغة حياتهن وفقًا لأوامر الله تعالى.

كتب الرئيس الوطني لجماعتنا في  قيرغيزستان: هناك سيدة اسمها عائذة مكاشفة وقد بايعت عام 2019. إنها تنحدر من عائلة مسلمة، لكنها لم تكن تعرف قراءة القرآن الكريم، فقررت بعد انضمامها إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية تعلُّمَ القرآن الكريم، وبالفعل تعلمته وأكملت قراءته الأولى في 4 أو 6 أشهر. ثم أخذت في تعلُّم اللغة العربية لفهم معاني القرآن الكريم. كما أنها تتعلم الآن تلاوة القرآن الكريم بصوت جميل. كما تقوم بتربية أولادها حيث تعلمهم قراءة القرآن الكريم، بل تعلّم بعض عضوات الجماعة أيضا قراءته. ثم هي تبذل من أوقاتها بدون انقطاع للعمل على موقع الجماعة باللغة  القيرغيزية، وتقوم بالأعمال الموكلة إليها بمنتهى الإخلاص.

فالحق أنه إذا كانت لدى الإنسان نية صادقة لإيثار الدين على الدنيا فإن الله تعالى يعينه على ذلك، وإن كان يعيش في هذه البلاد الغربية.

وكتبت سيدة أخرى وهي طبيبة: عندما جئت إلى إنجلترا كان علي التقدم للامتحان لنيل شهادة الطب هنا. وكان الامتحان صعبا جدا في تلك الأيام وكان النجاح فيه بعيد المنال على الأغلب. كانت الورقة الأولى نظرية، ونجحت فيها بفضل الله تعالى. ثم بعدها بدأت أستعد للامتحان التطبيقي العَملي حيث كان علي الذهاب إلى أماكن مختلفة لفحص المرضى، وكان الممتحن يراقب كل خطواتنا ويعطي العلامات بحسبها. وقبل الامتحان بأيام اتصلت بي إحدى زميلاتي هاتفيا وقالت: أي لباس ستلبسين وقت الامتحان. فاستغربت من سؤالها، وقلت في نفسي: ما الفرق لو لبستُ هذا اللباس أو ذلك تحت البرقع؟ ثم لما سألتها عن سبب هذا السؤال قالت: هل تتقدمين للامتحان لابسة الحجاب أو البرقع؟ قلت: نعم. قالت: فلن تنجحي في الامتحان لأنهم قالوا لمجموعتنا أن عليكن لبس البدلة أو التنورة. سمعت قولها ولكني بكيت بعد ذلك كثيرا لأني كنت أعرف أن الواجب علي أن لا أنزع عني الحجاب. كان منبع صدمتي هو التفكير أني لن أتمكن الآن من ممارسة مهنتي الطبية. على كل حال، أخبرتُ زوجي بالأمر، فقال اطمئني، فلن يحصل شيء.

باختصار كنت في قلق شديد، وجاء يوم الامتحان، فذهبت وتقدمت لابسة حجابي وكان كالبرقع المتداول في باكستان. ولما ظهرت النتيجة نجحت والحمد لله، بينما فشلت زميلتي التي كانت تعتبر نفسها عصريّةً. إنني أومن حتى اليوم أنني لم أنجح بجهدي وكفاءتي في ذلك الامتحان، إنما أراني الله تعالى فيه أنني إذا آثرتُ الدين على الدنيا فإنه مُعيني. ثم بعد ذلك لم يزل الله تعالى يعينني في كل موطن في مجال مهنتي الطبية، وأعزّني بفضله دائما في كل موقف.

تظن بعض النسوة في هذه البلاد أنهن إذا لبسن الحجاب فسوف يَحرمن من بعض الحقوق، ولكن الحق أن الإنسان إذا كان مستيقنا بالله تعالى وقائما على الدين، فإن الله تعالى يجعله من الفائزين في آخر المطاف وإن تضرر بعض الضرر المؤقت في البداية.

وكتبت سيدة من النرويج: أردتُ ذات مرة حضورَ الجلسة السنوية بالمملكة المتحدة، وحجزت التذاكر أيضا، ولكن أصحاب العمل لم يعطوني الإجازة، بل سخطوا علي، فقررتُ في نفسي أني سأؤثر الدين على الدنيا، وسوف أذهب إلى الجلسة في كل حال، وإن كلفني ذلك ترْكَ العمل أيضا، حتى قلت للمديرة أيضا إذا كنت لا تريدين إعطائي الإجازة فشأنك، وإني سأترك هذا العمل. ولكن الله تعالى أكرمني بفضله بعد يومين أو ثلاثة، فإن المديرة التي كانت تكلمت معي بشدة من قبل لم تعطني الإجازة فحسب، بل سألتني وقالت: أين ولماذا تريديني الذهاب حتى صرت مستعدة لترك العمل أيضا. قلت إني أنتمي إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية، وأودّ الذهاب إلى إنجلترا -المملكة المتحدة- لحضور الجلسة السنوية لجماعتنا هنالك. فتأثرتْ من قولي جدا حتى سمحت لي بالذهاب. ولما رجعتُ من الجلسة رغبت في زيارة مسجدنا “بيت النصر”. وكانت قد أسلمت سلفا، ولكن بعد زيارة مسجدنا بضع مرات أبدت رغبتها في الانضمام إلى جماعتنا أيضا.

ليس هناك عمل لا تستطيع المرأة القيام به. فبوسعها القيام بالدعوة والتبليغ، والتعليم والتدريس، والمشاركة في الحروب، والتضحية بالمال والنفس إذا تطلب الأمر، كما يمكنها الاستعانة بالرجال في بعض الشؤون. يصبح الرجال جبناء في بعض المواقف، وعندها تبدي المرأة من الغيرة ما لا يمكن لغيرها أن يبديه.

فقلت لها عليك الدعاء أولاً وإذا اطمأن قلبك فبايِعي. ولكنها قالت إن السكينة والسلام والمحبة التي أجدها هنا لا توجد في أي مكان آخر. ثم بعد فترة بايعت وانضمت مع ابنتها إلى جماعتنا.

فهذا النموذج لإيثار الدين على الدنيا لم يجعل الرقة والرفق في قلوب الآخرين فحسب، بل تسبب في هدايتهم أيضا.

وكتب أمير الجماعة في تنزانيا: هناك فرع لجماعتنا في قرية ميشم الكائنة بين جبال كليمنجارو، وتسكن هنالك عجوز تبلغ من العمر 73 عاما وقد صارت ضعيفة جدا، وكلما زرناها تسألنا بوجه خاص وتقول: كيف خليفتنا؟ ثم تدعو للخليفة كثيرا. ولأنها مريضة على الدوام، فيزورها أهل تلك المنطقة ويقولون لها: لماذا لا تتداوين أو تطلبين الدعاء أو الرقية من الشيخ الفلاني أو القس الفلاني؟ ولكنها لا تبرح تنشر بين سكان المنطقة التوحيد الحقيقي للبارئ تعالى، ذلك التوحيد الذي علّمه سيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام، ذلك التوحيد الحقيقي الذي علّمه الإسلامُ والنبيُّ . وهذه السيدة العجوز تؤثر الدين على الدنيا دوما، كما تنفق أيضا ما تيسر لها من المال في سبيل الله تعالى.

وكتب الرئيس الوطني لجماعتنا في قيرغيزستان: هناك سيدة     تُدعى جوليا وهي من عائلة مسيحية، وقد بايعت عام 2013. إنها لم تكن تلبس الحجاب قبل البيعة، ولكنها لما أسلمت وانضمت إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية بدأت تلبس الحجاب. في نفس السنة التي بايعت فيها ذهبت إلى قاديان لحضور الجلسة السنوية هناك، وزارت “بهشتي مقبرة”. ولما أُخبرت عن نظام الوصية في الجماعة لم تلبث أن قررت الانخراط فيه، وبعد العودة من الجلسة طالعت كتيب “الوصية” الذي كتبه المسيح الموعود ، وملأت استمارة الوصية وانخرطت في نظام الوصية. كما أنها تساهم في التبرعات الأخرى أيضا.

وكتب معلم محلي من جماعتنا في ساحل العاج: هناك سيدة  تدعى تابا سوبا في فرع لجماعتنا، وهي تعمل في سفارة بوركينافاسو. في كل يوم إجازة تخرج هذه السيدة إلى شتى القرى حاملةً حقيبتها وتقوم بالدعوة والتبليغ. وذات مرة ذهبت إلى غوبويو ونشرت الدعوة هنالك. وأسلوب دعوتها كأسلوب أي عالم كبير. إنها شديدة الولع بنشر الدعوة حيث تقضي وقت فراغها في نشر دعوة الأحمدية، وقد ذهبت من أجل ذلك إلى بلاد أخرى أيضا. إنها تضع في حقيبتها الكتب وتنشر الدعوة.

إن بعض النسوة يسألن: كيف نقوم بالدعوة؟ عليهن أن يدركن أن الذي يرغب بشوق في نشر الدعوة يبحث بنفسه عن سبيل نشرها. فعليكن أن تتذكرن هذه الأمور دائما     .

لقد عرضت عليكن بضع قصص من الماضي ومن هذا العصر أيضا. وهناك كم هائل من القصص الواقعية عن شجاعة السيدات وبسالتهن وإيثارهن الدين على الدنيا وتربيتهن لأولادهن، وأقوم بسرد بعض الواقعات الحديثة أيضا من حين لآخر، كما أذكر واقعات الصحابيات أيضا خلال ذكر قصص الصحابة، مما يكشف لنا كيف أنهن ضربن أروع الأمثلة في مجال التضحية وإيثار الدين على الدنيا. لكن لا فائدة من سرد هذه القصص إلا إذا انتفعتن منها بعد سماعها، وولّدتْ فيكن تلك الروحَ التي تحلت بها المسلمات في القرون الأولى وما بعدها أيضا، ضارباتٍ أروعَ الأمثلة في هذا المجال. بعد سماع هذه الواقعات والأمور لو حصل فيكن تغيير ثوري، وتحليتن بالتقوى، وبلغتن أعلى المستويات في البر والصلاح، وتولدت فيكن الأمنية الملتاعة لأن تجعلن أنفسكن وأجيالكن من الفائزين برضا الله تعالى، ولم يكن اهتمامكن بأمور الدنيا المادية وتركيزُكن على أخذ حقوقكن فحسب، بل انصبّ اهتمامكن على الفوز برضا الله تعالى، وعاهدتْ كل واحدة منكن على إحداث انقلاب روحاني في نفسها وفي الدنيا أيضا، أقول لو حصل هذا لصارت هذه الدنيا مثل الجنة، وحصلت ثورة عظيمة في أنفسنا وحظينا بقرب الله تعالى ورضوانه في الآخرة أيضا. وفقنا الله جميعا لأن نعيش على هذا النهج وأن ندعو كثيرا، وأن نصوغ حياتنا وفق تعاليم الإسلام. تعالين ندعُ معًا الآن.

الهوامش:

  1. التفسير الكبير ج7
  2. صحيح البخاري
  3. تاريخ الطبري
  4. السير الروحاني
  5. صحيح البخاري، كتاب المناقب
  6. السيرة الحلبية، ج2
  7. صحيح مسلم
  8. البخاري: كتاب المغازي، باب إذ همت طائفتان، وباب حديث الإفك، وكتاب الوضوء، باب خروج النساء إلى البراز، وكتاب الصوم، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه، والسيرة الحلبية الجزء الثاني: غزوة أحد
  9. البخاري: كتاب العيدين، باب الحِراب والدَرَق يومَ العيد
Share via
تابعونا على الفايس بوك