وَيَجْعَلُونَ لله الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (58)

شرح الكلمات:

سبحانه: سبحانَ اللهِ: أي أبرِّئ اللهَ من السوء براءةً (الأقرب).يشتهون: شهاه يشهوه وشَهِيَه يشهاه شهوةً: أحبَّه ورغِب فيه وتمنّاه. واشتهاه بمعنى شَهِيَه (الأقرب).

التفسيـر:

ليس المراد من هذه الآية أن الله تعالى سخط عليهم لأنهم يصفون لله البناتِ بدلاً من البنين، فإن الله تعالى يَكره نسبةَ الذكور إليه كما يَكره نسبة الإناث؛ إذ يقول في موضع آخر من القرآن الكريم تكادُ السماواتُ يتفطَّرنَ منه وتنشقُّ الأرضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا * أَنْ دعَوا للرحمنِ ولدًا (مريم: 91 و92). فالآية تشير إلى غباء المشركين، وتبين أن الإنسان حين ينحرف عن الطريق السوي فإنه يرضى حتى بما يتعارض مع معتقداته أيضًا. فهؤلاء القوم ينسبون إلى الله البناتِ من ناحية، ومن ناحية أخرى يعتبرون الإناثَ أحقر شأنًا من الذكور، ولو كانوا يعقلون شيئًا لما نسبوا إلى الله ما يحتقرونه.لقد قدم الله بذلك دليلاً على ضرورة الوحي، مبينًا كيف أن الإنسان إذا ما حاول البحث عن الهدى من دون الاستعانة بنور الوحي ارتكب أخطاء فادحة مكشوفة؛ إذن فما أكثرَ الإنسانَ عرضةً للخطأ في القضايا التي هي أكثر من هذا تعقيدًا وصعوبةً! فثبت أن الدلالة على الطريق الحق هو من اختصاص الله وحده. ولما كان بإمكان الكافرين أن يحتجوا هنا ويقولوا: نحن لا نقصد الإساءة إلى الله حين نقول إنه قد اتخذ لنفسه البنات، لأن البناتِ أيضًا من نِعمه، لذلك رد الله عليهم في الآية التالية.

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (59)

شرح الكلمات:

بُشِّر: بشَّره: أخبره ففرِح (الأقرب).كظيم: المكروب (الأقرب). والكُظوم: احتباس النفس، ويعبَّر به عن السكوت. كظَم الغيظَ: حبَسه. كظَم السقاءَ: شدَّه بعد ملئه مانعًا لنفسه (المفردات).

التفســـير:

هنا يوبخهم الله تعالى ويقول: حين يُخبَر أحد منهم بولادة بنت في بيته يسودّ وجهه، وتجتاحه مشاعر الخجل والعار حتى يصعب عليه ضبط عواطفه وأحاسيسه، ولكنه لا يشعر بأدنى خجل حين ينسب إلى الله الذي هو نور على نور ما يعتبره لنفسه وصمةَ عار في الجبين.

يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (60)

شرح الكلمات:

يتوارى: تَوارَى عنه: استتر (الأقرب). هُون: هانَ الرجلُ هُونًا: ذلَّ وحقُر؛ ضعُف. الهُون: الخزيُ (الأقرب).يدُسّ: دَسَّ الشيءَ تحت التراب: أدخله فيه ودفَنه تحته وأخفاه (الأقرب).

التفســير:

يقول الله تعالى إن هذا الشخص يقع في حيرة من أمر ابنته، فلا يدري- رغم عاطفة الأبوة – هل يُبقيها على قيد الحياة أم يخفيها حيةً في التراب.يظن العامة أن وَأْد البنات كان عادة شائعة لدى العرب، وهذا خطأ تمامًا، وإلا لقلَّ عدد الإناث بينهم بشكل ملموس جدًّا. لا شك أن العرب كلهم تقريبًا كانوا يكرهون ولادة البنت، ولكن لم يمارس وَأْدَها بالفعل إلا بعضُ العمائد المصابين بالكبرياء والغرور. إن كراهية ولادة البنت شيء، ووأدها شيء آخر تمامًا، فما زال الناس حتى اليوم أيضًا يكرهون ولادة البنت عمومًا، إلا ما شاء الله، ولكن قلما يئدونها. علمًا أن وأد البنات في مكة كان نادرًا جدًّا (تاريخ الإسلام السياسي الجزء الأول ص 37). إذن فالآية لا تنص على كون هذه العادة شائعة لدى الجميع، وإنما تُدينها لأن بعضًا من أعيان القوم كانوا يمارسونها، وأما العرب عمومًا فكانوا يرون هذه العادة مدعاة للشرف، وإن كانوا لا يرتكبونها. ثم قال الله ألا ساء ما يحكُمون .. أي أن الذين يكرهون ولادة الإناث عندهم إنما يأتون أمرًا جدَّ منكَر، إذ لولا الإناث لما كان لهم ولا لذريتهم وجود. لقد عمل القرآن الكريم منذ البداية على توطيد شرف المرأة والاعتراف بحقوقها، ومع ذلك لا يزال الأعداء يثيرون ضجة حتى اليوم بأن محمدًا قد ظلم النساء! ليتهم يدُلُّوننا على كتاب واحد غير القرآن قد دافع عن حقوقهن منذ أول يوم من نزوله. إنه القرآن الكريم وحده الذي يتصف بهذه الميزة.

لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولله الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (61)

شرح الكلمات:

المَثل: الشِبهُ والنظير؛ الصفةُ؛ الحُجةُ؛ يقال: أقام له مثلاً أي حجة؛ الحديثُ، يقال: بسَط له مثلاً أي حديثًا (الأقرب).

التفســير:

كلمة المَثل هنا تعني الحديث، وتعني الآية أن الذين لا يؤمنون بالآخرة لا يتكلمون إلا بالسوء، في حين أن ما ينـزل من عند الله لا يكون إلا خيرًا. لقد أوضح الله هنا الموضوعَ الحيوي الرئيسي الذي تتمحور حوله هذه السورة، حيث أخبر أن الذين ينكرون يوم القيامة يرفضون الوحي أيضًا، ويريدون أن يخترعوا بأنفسهم منهجًا لهم، ولكنهم يفشلون في ذلك فشلاً ذريعًا حيث ينقلب عليهم كل ما يقترحونه. ولكن الوحي الإلهي يخلو من العيوب تمامًا، ويتسم بالمحاسن كلها، فكيف يسعهم إذًا إنكار ضرورة الوحي الإلهي.قد يتساءل أحد هنا: لِماذا قال الله إن الذين لا يؤمنون بالآخرة كلامهم مليء بالأخطاء، بدلاً من أن يقول: الذين لا يؤمنون بالوحي كلامهم مليء بالأخطاء؟الجواب: إن من الأساليب التي يمتاز بها القرآن الكريم أنه حين ينبّه على عيب من العيوب فإنه يسلط الضوء أيضًا على أسبابه ودواعيه، وهذا ما فعله هنا، لأن إنكار الكافرين ضرورةَ الوحي راجع في الواقع إلى إنكارهم يوم القيامة، لأن من يؤمن بالقيامة لا يمكن أن ينكر ضرورة الوحي، لإيمانه أن زمن ما بعد الموت أهم فترة من الحياة الإنسانية، وبما أنه لا رجعة بعد الموت إلى الدنيا لذلك سيرى ضروريًّا أن يدلّه العليم الخبير بذلك العالَم الأخروي على ما ينفعه في حياته هنالك، وهذا هو غرض الوحي، ولذلك قال: “لا يؤمنون بالآخرة”، ولكن هذا المعنى ما كان ليؤدَّى لو قيل إن الذين “لا يؤمنون بالوحي”.وختم الله الآية بقوله وهو العزيز الحكيم ، لأن الغالب وحده يستطيع تنفيذ ما يريد، ولأن الحكيم وحده يقدِر على بيان الحِكم؛ فلا بد أن يكون ما يقترح العزيز الحكيم هو المنهج الأفضل والأصلح لنجاة البشر، أما الذي ليس بحكيم ولا عزيز فمن المحال أن يأتي بالتعليم الحكيم، أو يقدر على تحقيق ما يدعو إليه من الحكمة. والحكمة الأخرى لذكر هاتين الصفتين هي التأكيد على ضرورة يوم الآخرة، إذ بيّن الله تعالى أن فعل الحكيم لا يخلو من الحكمة، ولولا الآخرة لبدا خلق الإنسان عملاً خاليًا من الحكمة. كما أن غلبة الإله العزيز لا يمكن أن تكتمل في هذه الدنيا فلا بد من يوم آخر لذلك.ولو قيل: لم لا تكتمل غلبته هنا؟ فالجواب لأنه حكيم أيضًا، فلو ظهرت غلبته بصورتها الكاملة في هذه الدنيا لم يبق للإيمان جدوى ولا قيمة، وصار بلا طائل.

وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (62)

شرح الكلمات:

دابة: راجِعْ شرح كلمات الآية رقم 50.أجل: الأجَل: مدةُ الشيء والوقتُ الذي يحل فيه (الأقرب).ساعة: الساعة: الوقتُ الحاضر؛ القيامة؛ وقيل: الوقتُ الذي تقوم فيه القيامةُ؛ وعبارةٌ عن جزء قليل من النهار أو الليل، يقال: جلستُ عنـدك ساعةً من النهار أو الـليل.. أي وقتًا قليلاً منه (الأقرب).

التفســير:

هذه الآية رد على شبهة قد تتولد في قلوب الكافرين بسبب الآية السابقة، وتلك الشبهة هي: لو كان ما يقترحه الإنسان منهجًا خاطئًا يدفع إلى الهلاك وكان المنهج الإلهي وحده الذي يهدي إلى النجاة.. لكان لزامًا أن يُهلك الله الكفارَ جميعًا على الفور، ولكن الواقع يخالف ذلك إذ لا يبرح الكافرون يحققون أنواع الرقي المادي، فثبت أنه لا يمكن تخطئتهم كلية، بل يمكن أن يكونوا هم أيضًا على الحق!فردّ الله على هذه الشبهة وقال: دَعُوا الوحي الإلهي جانبًا إذ لا تؤمنون به، وأَخبِرونا: هل يعاقب الله على الفور من يقع في الأمور التي ترونها أنتم أيضًا خلافًا للمشيئة الإلهية كالسرقة والقتل والنهب وغيرها؟ فما دام الله يمنحهم المهلة فكيف يصح أن تستدلوا – بما يمنحه الله لمنكري وحيه من مهلة – أن هذا الوحي ليس من عند الله، وإلا لعجّل لهم العذاب ولم يُبق منهم أحدًا.ثم بيّن الله تعالى سبب تأخير العذاب عن المجرمين وهو أنه لولا قانون المهلة لما استمر النسل الإنساني؛ ذلك لأنه لو أهلك كلَّ مجرم فور ارتكابه الجريمة لم يبق من بني آدم أحد بعد فترة من الزمن.قد يقول قائل هنا: ليس جميع من في الدنيـا مجرمين، بل بـينهم الصـالحون أيضـًا الذين يتسـببون في استمرار النسـل الإنسـاني؟ والجواب: ليس ضروريًّا أن يكون كل واحد من آباء الصالحين الموجودين اليوم حتى زمن آدم صالحًا. فلو أهلك الله آباءهم المجرمين الأوائل هؤلاء لم يكن للصالحين الذين خرجوا من ذرياتهم وجود. فثبت بذلك أنه ليس ضروريًّا أن يعاقَب المرء على جريمته من فوره. وهذا يشكل دليلا آخر على وجود الآخرة التي سوف تكتمل فيها عملية جزاء الأعمال. أما إذا أنكرنا وجود الآخرة لاعتُبرت القرارات الإلهية ناقصةً.وهناك إشكال آخر يجب حله: لماذا قال الله تعالى هنا ولو يؤاخذُ اللهُ الناسَ بظلمهم ما ترَك عليها مِن دابّةٍ ، مع أن الإنسان هو وحده المكلَّف بأحكام الشرع، فما ذنب هذه الحيوانات المسكينة حتى تعاقَب معه؟ والجواب على ذلك هو ما صرّح به الله في مستهل هذه السورة بأن الحيوانات الأخرى قد خُلقت لنفـع الإنسـان؛ فلو هلـك لما كان لهذه الحـيوانات من حاجـة، بل لقـامت القـيامـة الشاملـة.

Share via