• المراد من الملائكة المذكورين في الآية السادسة والتسعين من سورة الإسراء
  • كيف فند القرآن مزاعم القائلين بعدم أهلية الإنسان لتلقي الوحي؟
  • ما السبب الحقيقي وراء إنكار البعض للدين؟

قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (الإسراء: 96)

التفسير:

توضح هذه الآية أن المراد من الملائكة هنا أناس ذوو الشمائل الملائكية، والدليل على ذلك هو أن الملائكة بطبيعتها لا تحتاج إلى أن يُبعث أحد لهدايتها ولو مَلَكٌ.وتردّ هذه الآية على أولئك المتكبرين الذين يزعمون أنهم أسمى من أن يُبعَث إليهم رسول، ويريدون أن ينـزل عليهم الوحي مباشرةً. يقول الله تعالى: إنما ينـزل الملاك على من يتحلى بالخصال الملائكية، وليس على من يفتقدها. لو كانت فيكم الخصال الملائكية لنـزلت عليكم الملائكة، ولكنكم أصبحتم شياطين، فكيف تنـزل عليكم الملائكة.

كما تمثل هذه الآية ردًّا على أولئك الذين يرون أن النبوة أسمى من أن ينالها البشر، لأنها تتطلب قوًى تفوق القوى البشرية. لقد رد الله عليهم: إنما يُنقَذ جنس من الأجناس بواسطة فرد من أفراد الجنس نفسه. ذلك أنه لا يمكن لأحد أن يكون قدوة حسنة للآخرين إلا إذا كان من جنسهم. لذا فلا يمكن أن يُبعث إلى البشر رسولٌ من غير جنسهم، لأنه لن يكون لهم قدوة. ونظرًا إلى هذا المعنى، لا تُؤخذ كلمةُ رَسُولا هنا بمعنى مَن يتلقى الوحي فحسب، بل ستشمل كافةَ الشروط والمواصفات التي تنطبق على مَن يُبعَث رسولاً من البشر.

قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (الإسراء: 97)

التفسير:

تردّ هذه الآية على جانب آخر من الاعتراض الذي سبق ذكره.. أعني أنها ترد على أولئك الذين يرون أن الإنسان أحقر من أن يتلقى الوحي من الله تعالى، أو الذين يزعمون أن الإنسان كامل في حد ذاته، ولا حاجة له إلى الوحي الإلهي. ويجيبهم الله تعالى على لسان نبيه أنه تعالى أعلم بعباده، وأدرى بما فيهم من عيوب أو كفاءات. فما دام قد بعثني رسولاً فمن حقكم أن تبحثوا في أمري لمعرفة صدقي من كذبي. وكدليل على صدقي أقدّم أمامكم شهادة الله الفعلية، فما دام فعلُه يدعم قولَه فكيف يحق لكم تكذيب دعواي. إذن فلا يمكن أن تثيروا هذين الاعتراضين إن كنتم تعقلون؛ لأنه إذا ثبت أني مرسَل من الله فلا مناص لكم من الاعتراف بأن الإنسان ليس حقيرًا في نظر الله تعالى حتى لا يشرّفه بمخاطبته، وفي ذات الوقت لم يبلغ الكمال حتى يستغني عن وحي الله تعالى.

يقول الله تعالى: إنما ينـزل الملاك على من يتحلى بالخصال الملائكية، وليس على من يفتقدها. لو كانت فيكم الخصال الملائكية لنـزلت عليكم الملائكة، ولكنكم أصبحتم شياطين، فكيف تنـزل عليكم الملائكة.

وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (الإسراء: 98)

شرح الكلمات:

وجوههم: الوجوه جمع الوجه وهو: ما يتوجّه إليه الإنسان من عملٍ وغيرِه؛ القصدُ والنية (الأقرب).

خَبَتْ: خَبَتِ النارُ والحربُ والحِدّةُ: سكَنتْ وخمَدتْ وطُفِئتْ (الأقرب).

سعيرًا: السعير: النار ولَهَبُها (الأقرب).أولياء: جمعُ وليّ وهو النصير.

التفسير:

كان الحوار المذكور في الآيات السابقة يدل على أن الكفار يجادلون بغير حق.. لذلك قال الله عزاءً للمسلمين ألا يضيقوا بهذا ذرعًا، لأن القرار بهدي أحد أو ضلاله متروك في يده . فمن استحق الهدى اهتدى في نهاية الأمر رغم كثرة العوائق، ومن لم يستحق الهدى بقي على ضلاله، أو ضل الطريق في آخر المطاف مهما كثرت فرصُ هدايته في بادئ الأمر. فلا ينبغي للمسلمين أن ييأسوا من ظاهر الأحوال، لأنه حتى أشدُّ المعادين المجادلين بغير حق في ظاهر الأمر يؤمنون في نهاية المطاف أحيانًا، ويضربون أروعَ أمثلة للإخلاص والفداء. فلينظر الإنسان إلى خواتيم الأمور، لأن الخطر إنما هو على من تكون عاقبته سيئة.

أما قوله تعالى وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِم فقد جاء شرحُه في موضع آخر من القرآن الكريم حيث قال يومَ يُسحَبون في النارِ على وُجُوههم (القمر: 49).. فالمراد أنهم سوف يُجَرُّون في النار مكبّين على وجوههم.ورد في الحديث عن أنس أن رسول الله قال: «إن الذي أمشاهم على أرجُلِهم قادرٌ على أن يُمشيهم على وجوههم.» (مسند أحمد: باقي مسند المكثرين، وروح المعاني).

وفي رواية: «يُحشَر الناس يوم القيامة ثلاثةَ أصناف: «صنفٌ مُشاةٌ، وصنفٌ رُكْبانٌ، وصنفٌ على وجوههم.» (المرجع السابق).

وفي رواية: «تُجَرّون على وجوهكم.» (الترمذي: صفة القيامة، وروح المعاني)

يبدو أن الركبان هنا هم الأنبياء، والمشاة هم المؤمنون، أما الذين يُجَرّون على وجوههم فهم الكفار أهلُ النار.اِعلم أن كل عمل في الدنيا سيكون له انعكاس وتمثُّلٌ في الآخرة. فأعمال الكفار التي لم ينظروا لدى القيام بها إلى الله تعالى، بل عملوها بالنظر إلى الأغراض السِّفلية الدنيّة.. سوف تتمثل لهم على هذا النحو حيث يمشون على وجوههم.

ويقال: مرَّ القوم على وجوههم أي أسرعوا، وعليه فتعني هذه الجملة أننا سنحشرهم وهم يجرُون مستعجلين. ويدعم هذا المعنى قولُه تعالى: مهطِعين مقنعي رؤوسهم (إبراهيم: 44). والمقصود أنهم سيكونون في فزع كبير.

ومن معاني الوجه: «ما يتوجّه إليه الإنسان من عمل وغيره؛ والقصدُ والنية»، وعليه فتعني هذه الجملة أننا سنحشرهم حسب نواياهم ومقاصدهم. فإذا كان قصدهم في الدنيا عداء الجماعة الربانية فسيكونون في الآخرة أيضًا مع أعداء الله، مبعَدين عن المولى . وكأنه تعالى يعلن هنا أن كل إنسان سيُجزى وفق نيته. وبما أن الكفار ليس لهم أي رغبة ولا هدف في الآخرة فأخبر الله تعالى أنهم سيُحشرون هنالك عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا.

أما قوله تعالى كلما خَبَتْ زدناهم سعيرًا فلا يعني أن تلك النار ستنطفئ ثم تُشعل مرة أخرى، بل لـه معنى آخر. ذلك أن الإنسان إذا طالت محنته مات إحساسه بوطأتها، فالله تعالى يقول: حينما يضعف إحساسهم بألم العذاب سنُرهِف إحساسهم به ثانيةً. وقد أكد هذا المعنى في مكان آخر بقوله كُلّما نَضِجتْ جلودُهم بدَّلْناهم جُلودًا غيرَها لِيذوقوا العذابَ (النساء: 57). فخُبُوُّ النار إشارةٌ إلى ضعف إحساس الكفار بالعذاب، ولا يعني انطفاءَ النار أو زيادتها، كقولهم: النهر يجري، مع أن الذي يجري هو الماء، لا النهر.

ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (الإسراء: 99)

التفسير:

يقول الله تعالى: إن العذاب سيحل بهم بسبب إنكارهم لوحي الله تعالى، وأن هذا الإنكار إنما سببه عدم إيمانهم بالحياة بعد الموت.

لقد ركّز القرآن كثيرًا على هذا المعنى وقال إن السبب الحقيقي لإنكار الدين أو السخرية منه هو إنكار الحياة بعد الموت. وإن في هذا لدرسًا عظيمًا للواعظين والمعلّمين والأئمة والمربّين. عليهم أن يرسّخوا في أذهان الأطفال منذ نعومة أظفارهم البراهينَ على البعث بعد الموت، وإلا لن تتم تربيتهم أبدًا على ما يرام. علمًا أن هذه الآيات تنطبق على اليهود أيضًا، لأن أكثرهم كانوا ينكرون البعثَ.

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (الإسراء: 100)

التفسير:

لم يردّ الله على سؤالهم: نعم، إننا قادرون على أن نخلقكم مرة أخرى، لأن مثل هذا الردّ سيكون ادعاءً غيرَ مجدٍ، بل وجّه إليهم سؤالاً: هل توقنون أننا قادرون على أن نهلككم وننـزع منكم عزكم وسلطانكم ونمنحه قومًا آخرين؟ ثم أجاب بنفسه على السؤال وقال: إن الكفار لن يوقنوا بذلك أبدًا، بل سيرفضونه بشدة، ولكنا نقول لهم: إن القرآن الكريم الذي يخبركم أنكم تُبعثون بعد الموت، يحذركم أيضًا، يا أعداء الإسلام، أن الله تعالى سوف ينـزع منكم الحُكم وسيهبه للمسلمين؛ فإذا تحقق النبأ الثاني وذهب الله بسلطانكم وحكمكم، فكونوا على يقين بأن النبأ الأول.. أي نبأ البعث بعد الموت.. سيتحقق لا محالة، لأن كلا النبأَيْنِ من الله تعالى الذي يعلم الغيب ويملك القدرة.

ما أروعَ ما تحقَّقَ به نبأُ سلطان المسلمين! إذ لم تستطع الجزيرة العربية ولا حكومات فارس والروم ومصر الصمودَ أمام زحف المسلمين، وخضعت لهم واحدةٌ تلو الأخرى خلال بضع سنوات؛ وصار هؤلاء الذين كانوا يعيشون كالعمال الكادحين في فقر وفاقة ملوكًا للعالم. أليس الذي أحدث هذا الحشر بقادر على أن يأتي بالحشر الآخر؟ ألم يكن الذين يرون البعث بعد المــــــوت محالاً يستغربون من نبــأ حــــكم المسلــــمين أيــــــــضًا؟