سيرة المهدي - الجزء 2 الحلقة 34

__

ضبط المسيح الموعود نفسه عموما وأثناء الصلاة خصوصا، وبكاؤه في غير صلاة التهجد

436- بسم الله الرحمن الرحيم.حدثني مفتي محمد صادق وقال: ما رأيت المسيح الموعود   يبكي إلا مرة واحدة، وكان ذلك حين خرج مرة للنـزهة مع أصحابه وفي ذلك اليوم كان معهم الحاج حبيب الرحمن المتزوج في منطقة «حاجي بوره» الذي كان في تلك الأيام يزور قاديان. قيل عنه لحضرته بأنه يقرأ القرآن بصوت جميل جدًّا، فجلس حضرته هنالك في جانب من الطريق وطلب من حبيب الرحمن أن يقرأ ما يتيسر له من القرآن، فقرأ قليلا من القرآن وعندها رأيت أنه قد اغرورقت عيناه .

ولقد حدّقت فيه النظر عند وفاة المولوي عبد الكريم السيالكوتي إلا أنني لم أجده يذرف الدموع رغم أنه أصيب بصدمة قاسية جدًّا عند وفاته. أقول: هذا صحيح أن حضرته لم يكن يبكي كثيرا، بل كان يملك كثيرًا من ضبط النفس والتحكم بها، وعندما كان يبكي فكان بكاؤه لم يكن يتجاوز من أن تغرورق عيناه، لم أرَ بكاءه يتجاوز هذا الحد.

رأي حضرته فيما وقع من شجار بين بعض صحابته والآخرين

437- بسم الله الرحمن الرحيم. أخبرني مفتي محمد صادق أن ميان إله الدين المعروف – بـ «الفيلسوف العربي» الذي كان لا يتمالك لسانه في بعض الأحيان – أساء إلى المولوي عبد الكريم بعض الشيء فاستشاط الأخير غضبا ولطمه. فاحتد الفيلسوف أكثر وازداد إساءةً. عندها ضربه بعض الناس بشدة، فأخذ المضروب يبكي ويصيح في مفترق الطريق. وكان صوته مرتفعا حتى تناهى إلى أُذُنَي المسيح الموعود ، فجاء إلى المسجد قبل الصلاة وأخذ يتمشى فيه. كان المولوي عبد الكريم موجودا حينها. فقال : إن ضرب أحد بهذه الطريقة فعل جد مكروه وقد كرهتُ هذه الفعلة بشدة. حاول المولوي عبد الكريم أن يقول شيئا عما قام به الفيلسوف من تصرف مسيء ليبرئ ساحته. فقال المسيح الموعود بغضب شديد: على أية حال، ما حدث كان أمرا سيئا جدا. إذا كان رسول الله موجودًا بينكم فما كان يليق بكم أن تقوموا بشيء برأيكم، بل كان ضروريا أن تسألوني. وقال غير ذلك أيضا.

بكى المولوي عبد الكريم إثر سماع كلام حضرته هذا، واعتذر إليه ، وطلب منه الدعاء له، ثم استرضى الضاربون «الفيلسوف» معتذرين إليه وسقوه حليبًا أيضا.

استقبال حضرته لزوجته أمّ المؤمنين بنفسه حين عودتها من سفرها

438- بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني ميان فخر الدين الملتاني ثم القادياني أن حرم حضرته سافرت إلى لاهور في عام 1907، ولما تلقى خبر رجوعها ذهب إلى بطاله لاستقبالها. لقد استأذنت حضرته بواسطة سيد محمد أحسن للمرافقة. فأذِن لي حضرته إلا أنه قال لسيد محمد أحسن: قل لفخر الدين ألا يخبر الآخرين ويمكنه أن يرافقنا بصمت. وكان هناك أشخاص آخرون أيضا رافقوا حضرته في هذا السفر الذي قام به  جالسًا في المحفة التي كان ثمانية حمالين يتناوبون على حملها. *

فور خروجه من قاديان فتح حضرته القرآن الكريم ووضعه أمامه وأخذ يتلو سورة الفاتحة منه. وبقيت أراقبه إلى بطاله فرأيت أنه ظل يمعن النظر في سورة الفاتحة ولم يقلب صفحة أخرى. لقد نزل حضرته في الطريق قرب النهر وقضى حاجته هنالك ثم توضأ وجلس في المحفة واستغرق في تلاوة الفاتحة. بعد وصوله إلى بطاله تناول حضرته الطعام مع جميع الصحابة ثم ذهب إلى محطة القطار. كان القطار قد وصل إلى المحطة قبل وصوله، وكانت حرم حضرته قد نزلت من القطار وأخذت تبحث عنه، كان حضرته أيضا يبحث عنها بين المسافرين وما أن وقع بصرها على حضرته نادت: أبا محمود! وهكذا استرعت انتباــــــــــــــهه، وصافح حضــرته زوجته على المحطة أمــام الناس واصـطحبها إلى مكان الإقامة>

* المِحَفّة: هودج لا قُبّة له، أو سرير له ذراعان من كلّ ناحية، يحمله أربعة نفر، يستلقي فوقه المريضُ أو المُسِنُّ العاجِز عن المشي. والمحاف مشهد مألوف في موسم الحج من كل عام. وجدير بالذكر أن حمل حضرته على المحفة كان بدافع مرضه وتقدمه في السن، لاسيما وأن ذلك كان قبيل وفاته ببضعة أشهر..ويستفاد من هذه الرواية فائدة عظيمة، وهي أن حضرته ، وعلى الرغم من مرضه وعدم قدرته على المشي حينذاك، خرج بنفسه لاستقبال حضرة أم المؤمنين (رضي الله عنها) حتى أنه حُمِلَ على مِحَفَّة، وهذا في حد ذاته درس عظيم لنا في إكرام النساء، وهن اللاتي قال حضرة خاتم النبيين بشأنهن: «ما أكرم النساء إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم». (التقوى)
Share via
تابعونا على الفايس بوك