فَلْسَفَةُ الاِسْتِبْدَالِ الإِلَهِيِّ

مصطفى رجب

  • ماذا اُقتُرِف خلال القرون العشرة الماضية بحيث استوجب العقوبة؟!
  • لماذا لا نستوعب القضية؟!هل لا زالت فرصة الرجوع سانحة؟!

الله سبحانه وتعالى ليست بينه وبين أيٍّ من عباده قرابة عنصرية، وهو U يقف على نفس المسافة من جميع خلقه، ويتعهدهم سبحانه بالتربية والتنمية والترقية، وهذا هو المنتظر منه U بما أنه رب العالمين، ونكاد كلنا نؤمن ونوقن بأن الله قد غضب على بنى اسرائيل لما فعلوه مع جميع أنبيائهم، ولما أحدثوه فى كتبهم المُقدسة من تبديل وتغيير وتحريف فى النصوص تارة وفي المعانى تارة أخرى ولجوئهم باستمرار إلى ملذات الدنيا والماديات وابتعادهم عن الآخرة والروحانيات، واستمرارهم فى ذلك آلاف وآلاف السنين ولم يزدهم إمهال الله لهم إلا كُفراً وعناداً وتكبراً وظنوا وتوهموا بدون أى وجه حق أنهم مُميزون عن جميع الأجناس الأخرى. لقد صاروا محط اللعنة في التنزيل الحكيم، بحيث قال تعالى فيهم:

لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (1)

فماذا كان جزاء بنى اسرائيل من الله فى الدنيا وأمام أعيننا جميعاً؟! لقد شتتهم الله سبحانه وتعالى فى كثير من بلدان العالم

وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا (2)

وأنهى سبحانه وتعالى سلسلة النبوة فيهم ونزعها منهم للأبد، ونقلها إلى أمة أخرى كان ولا يزال بنو اسرائيل ينظرون إليها نظرة ازدراء معتقدين أن هذه الأمة الأخرى عبيد لأنهم من نسل الجارية هاجر المصرية التى تزوجها أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم وأنجب منها أبا العرب سيدنا اسماعيل عليهما السلام.وبعث الله للعالمين من العرب أعظم خلقه وأنبيائه ورُسله على الإطلاق، فقد بعث رسوله وخاتم نبييه سيدنا محمدا r ومضى على بعثته المباركة حتى الآن أكثر من أربعة عشر قرناً، إلا أن الأمة الاسلامية أصابها ما أصاب الأمم الخالية من قبل، فحذت حذو اليهود والنصارى كما أنبأ بذلك الرسول r إذ قال:

«لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ» (صحيح البخاري, كتاب أحاديث الأنبياء)،

وكان ذلك الانحراف قد بدأت بوادره في الظهور اعتباراً من نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجرى أى منذ حوالى ألف عام، أي بمجرد انقضاء قرون الخيرية الثلاثة، حيث قال صلى الله عليه وسلم:

«خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ».

ماذا اُقتُرِف خلال القرون العشرة الماضية بحيث استوجب العقوبة؟!

الجميع يعلم تماماً ماذا حدث خلال الفترة المذكورة من انقسامات وحروب وتآمرات وقتل المسلمين بعضهم بعضا، الأمر الذي يُعزى أصلا إلى بُعدهم عن الله وعن الدين وعن المفاهيم الصحيحة وأساسيات الشرع الحنيف التى أنزلها الله على خاتم النبيين r، وكان على رأس الجرائم المقترفة والمستوجبة للعقوبة القاسية قتل الخليفة المُقام من الله تعالى. إن قتل النفس بغير حق من موجبات العقاب الشديد،

…. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا (3)

العجيب في الموضوع أن الآية المذكورة من سورة المائدة وردت في سياق الحديث عن ابني آدم، ومنازعة أحدهما للثاني في قضية الخلافة ومن أحق بها.. إن قصة ابني آدم الواردة في سورة المائدة تلخص قضية الخلافة وتعدي البعض على الخليفة الذي أقامه الله تعالى بأيدي المؤمنين. وعلى أية حال، فإن حال الأمة طوال الفترة الماضية لم تتغير يوما إلى الأفضل، لأن الله لا يُغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم، وما لم تُصلِح الأمة ما بينها وبين الخلافة، فأنى لها أن يستقيم لها أمر أو تنصلح حال؟!

فإن حال الأمة طوال الفترة الماضية لم تتغير يوما إلى الأفضل، لأن الله لا يُغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم، وما لم تُصلِح الأمة ما بينها وبين الخلافة، فأنى لها أن يستقيم لها أمر أو تنصلح حال؟!

لماذا لا نستوعب القضية؟!

مما يدعو للاستغراب أننا لم نستوعب بعد أن غضب الله قد حاق بنا فعلاً ما حاق بالأمم السابقة وآخرها أمة بنى إسرائيل لأننا رفسنا بأقدامنا نعمة الاعتصام بحبل الله، أي الخلافة، وانغمسنا فى ملذات الدنيا ونسينا الله فنسينا وغضب علينا فكانت حالنا على ما هي عليه بل من المتوقع أن تزداد سوءاً.. هل سألنا أنفسنا يوماً لماذا لا يستجيب الله دعاءنا أو دعاء من حولنا من المشايخ، وما أكثرهم! الذين نظن فيهم التقى والهدى؟ والإجابة واضحة جليَّة وهى أن الله لن يستجيب لنا أبداً إلا إذا رجعنا إليه وإلى دينه الصحيح الذى أنزله تعالى على خاتم النبيين r، وإلا فمبدأ استبدال قوم مكان قوم ما زال قائما، وصدق الله تعالى حين قال فى كتابه العزيز:

وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (4)

الجدير بالتأمل أن الاستبدال الإلهي يتم دون أن يشعر به الغافلون.أيضا في سورة الجمعة إشارة لطيفة انتبه إليها الصحابة الأوائل، حين نزل قول الله تعالى:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)

يروي أَبو هُرَيْرَةَ t قَائلا:

كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ r فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِم ، قَالَ قُلْتُ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ r يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ أَوْ رَجُلٌ مِنْ هَؤُلَاءِ. (6)

وقد تناقل العديد من المفسرين ورواة الأحاديث هذا التفسير النبوي للآية كابن كثير والقرطبي وغيرهما من مفسري أهل السُنة والجماعة المعتبرين. والشئ المُدهش أن الرسول r قد أوضح للصحابة رضوان الله عليهم وأشار إلى قوم سلمان الفارسي في أكثر من مناسبة ومع نزول آيات أخرى ومنها ما يلى:حين نزل قوله تعالى:

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (7)

وقد ورد في كشاف الزمخشري أنها لما نزلت ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ظهر سلمان وقال: «إنهم قوم هذا» يعني أبناء فارس.

وقال الماوردي كذلك بقول الزمخشري.

وحين نزل قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (8)

فقد ورد أيضاً في الكشاف للزمخشري أن رسول الله r سُئل عن هؤلاء القوم، فضرب بيده على عاتق سلمان وقال: «هذا وذووه» (أي أبناء فارس) ثم قال:

«لو كان الإيمان معلقًا بالثريا لناله رجالٌ من أبناء فارس».

هل لا زالت فرصة الرجوع سانحة؟!

حين يلتفت المرء إلى الحق وينظر ما قدمت يداه، ويتأكد من أنه كان على خطأ فيما مضى، فإنه يبدأ في الندم وإلقاء اللائمة على النفس والشيطان، ويشرع في سؤال نفسه عن مدى إتاحة الفرصة للرجوع. فالآن لا تزال الفرصة سانحة، ما دام حبل الله تعالى ممدودا، وما دام ظلها ممتدا على رؤوس المستظلين، فحبل الله المشار إليه في قوله تعالى:

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (9)،

إنه ذلك الحبل حبل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. وفي سياق متصل جاء في قول النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم:

«إِنَّ الْمُتَحَابِّينَ بِجَلَالِ اللَّهِ فِي ظِلِّ اللَّهِ وَظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (10)،

فحبل الله وظل الله استعارتان جميلتان عن الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. أما آن للأمة أن تعتصم بحبل النجاة ذاك، وتستظل بظل ظليل بعد أن أنهكها القيظ وأظمأها؟! نسأل الله السلامة والإسلام، والأمن والإيمان.

1. (المائدة: 79)2. (الأَعراف: 161)3. (المائدة: 33)4. (محمد: 39)5. (الجمعة: 3-4)6. (صحيح البخاري,،كتاب تفسير القرآن)

7. (النساء: 133) 8.(المائدة: 54)

9. (آل عمران: 104)

10. (مسند أحمد، كتاب باقي مسند الأنصار)