عَامٌ رَحَلَ، وَعَامٌ دَخَلَ فَهَلْ مِنْ وَقْفَةٍ لِتَقْيِيمِ الخَسَائِرِ؟!

التحرير

  • أما آن للأمة أن تراجع حساباتها بعد كم الخسائر المتلاحقة منذ بدء رفضها لمسيحها الموعود وجماعته؟!
  • ما العلاقة بين نكبة المسلمين وتهافتهم على متاع الدنيا الفاني؟
  • منذ متى بدأت نكبة المسلمين في القدس؟ وكيف؟

مع إطلالة عام جديد يُقَيِّمُ الإنسان الطبيعي أعماله ومَتَاعَهُ على مدى عام مضى، ليحسب إجمالي خسائره أو مكاسبه. لقد بات هذا أسلوبا متبعا لدى كافة المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية الناجحة، لا يُستثنى من هذا التصرف الحكيم سوى المؤسسات الدينية والمجامع الفقهية التقليدية في عالمنا الإسلامي. إن العقل السليم ليفتي أن يتخذ المرء خطوات أخرى مختلفة بغية الحصول على نتائج مختلفة، بيد أنَّ واقع الفكر التقليدي يمضي بأمتنا الإسلامية من سيئ إلى أسوأ، وعلى الرغم من هذا لا يفكر هؤلاء التقليديون في سلوك السبيل الآخر أو اتباع الخيار البديل الذي بيَّنه المسيح الموعود ومن بعده خلفاؤه ومن ثم جماعته للخروج بالأمة من عنق الزجاجة الضيق والطويل. إن الفكر التقليدي الذي ابتليت الأمة بعواقبه الوخيمة لا يخرجها من حفرة إلا ليلقيها في هوة سحيقة، في قعرها قاذورات التكفير والتفجير والكراهية والإكراه، وفوق تلك المصائب مصيبة أدهى وأمر، ألا وهي تشويه سمعة الدين وخاتم النبيين . فالواقع أن عام 2017 مر كأعوام خلت بوصمة في جبين الإسلام وضعها المسلمون بأنفسهم، ضاربين عرض الحائط بالنهي الإلهي:

وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ

فانطبق عليهم المثل السائر: «على أهلها جنت براقش»، أو القول الدارج: «الدُّبَّة التي قتلت صاحبها».
وتقييم المتاع مسألة بالغة الأهمية، فعلى أساسها يحدد المرء أولوياته، ومن ثم يسلك طريقه في الحياة على ضوء تلك الأولويات. لا نجانب الصواب إذا قلنا أن بلاء المسلمين في هذا العصر ناشئ عن عدم تحديدهم لأولوياتهم، فمن جهة يعبرون بألسنتهم عن الحب الشديد لسيدنا حضرة خاتم النبيين محمد المصطفى ، ولكنهم من ناحية أخرى يرفعون غيره عليه، محقرين من مكانته الروحانية، بل باتوا ينسبون إلى السيد المسيح الناصري قدرات لا يملكها. إن حالهم هذه تدعو للضحك مرارة، هم لا يختلفون كثيرا عن «بلفور» الذي تمخض وعده للصهيونية العالمية عن نكبة فلسطين الماثلة إلى الآن، لقد أعطى «بلفور» أرض فلسطين، وهو لا يملكها، وعدا لمن لا يستحقها، فيا له من تصرف مشين! ولكن الأكثر شناعة منه أن يقتدي المسلمون المنكوبون بناكبهم البغيض المبغض تأسِّيًا به، فهم كذلك نسبوا لعيسى ما لا يملكه من القوى والقدرات، فانطبق عليهم قول المولى :

إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا

عزيزي قارئ التقوى، في هذا العدد الجديد، ومع إطلالة عام جديد، نتناول معا زادنا الفكري الروحي المعتاد، الذي نتذوقه بنكهة محببة كل شهر، ولكن مختلفة عن نكهات الشهور السابقة. في عدد شهر يناير نطالع إحدى خطب الجمعة لحضرة أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) الخليفة الخامس للمسيح الموعود ، يتحدث فيها حضرته عن متاع الحياة الدنيا، وكيف لهذه النعمة أن تتحول إلى نقمة بيد المرء دون أن يشعر. نعم، فطالما تحول الترياق إلى سم زعاف إذا ما استُخدم في غير موضعه، فهكذا متاع الحياة الدنيا. وإن لهاث الناس وراء ذلك المتاع يعد أبرز أسباب فقدهم إياه. ألا تؤدي زيادة الطلب على شيء ما إلى ندرته؟! لقد أدرك العقل الإنساني هذه الحقيقة تمام الإدراك على المستوى المالي والاقتصادي، ولكنه حتى اللحظة يعاني قصورا في فهمها على المستوى الروحاني، وها هو إمام الوقت يفصل الحديث في هذا الصدد في خطبته التي نعرضها في عدد هذا الشهر. وسيُعجب القارئ المتابع لأحداث الساعة أيَّما إعجاب حين يرى أن فراسة إمام الوقت لم يفتها ذكر هذه الحلقة من سلسلة نكبات الأمة، أعني إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، كخطوة أخيرة قبل إعلانها رسميا عاصمة للكيان الصهيوني. لقد ربط حضرة أمير المؤمنين -نصره الله – ربطا واضحا نكبة المسلمين هذه بتهافتهم على متاع الدنيا الفاني، بحيث حلت الدنيا في قلوبهم فطارت من أيديهم.
وفيما يتعلق بلغتنا الأم، اللغة العربية التي تَرَافَقَ انقضاء عام 2017 مع الاحتفال بيومها العالمي، والذي هو الثامن عشر من ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، نقدم بين يدي القارئ العزيز نخبة من المقالات ذات الصلة الوثيقة بالمسيح المحمدي الذي وهبه الله تعالى قوة إحياء الموتى، والذي كان مما أحياه تلك اللغة التي كانت في طور الاحتضار، فأُحييت بمبعثه من جديد، وهذا ما سترد الإشارة إليه في فسحة اللغة لهذا الشهر، وكذلك يتناوله مقال عن عظمة عربية المسيح الموعود والتي لا يمكن إلا أن تكون إلهاما من الله تعالى. كل هذا وغيره من مقالات وطرائف ومقتبسات وسير وقصائد وخواطر، تستمتع أيها القارئ العزيز بمطالعته عبر صفحات هذا الشهر، فنرجو من المولى أن يكون من وراء تلك المطالعة فائدة ترجى. كما ندعوه أن يجعل هذا العام الجديد عام مسرة بعد مقاساة مضرَّات كثيرة مَرَّتْ خلال العام المنصرم، وأن يجعل الدنيا في أيدينا ماحيا أثرها من قلوبنا، وأن يحقر شهواتها الدنيئة في عين البشرية وقلبها، وأن يجعل أفئدة كثير من الناس من ذوي الطبائع السعيدة تهوي إلى جماعة الخير الأخيرة، فتتجنب ويلات نار حامية يلوح لهيبها في الأفق بالفعل.. آمين ثم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.