• الاعتراض بعد رؤية المعجزات طريق للعذاب.
  • خُلق النبي صلى الله عليه وسلم دليل على صدقه.
  • نبوءات قرآنية تتحقق، وتشهد على أنه كلام الله.
  • المطامع الدنيوية تسوقنا كثيرًا إلى الهلاك.
  • متى تُقبل توبة المرتد؟ وما هي سُبل تلك التوبة؟
  • الرد الصريح على شبهة أن الإسلام يعلم الجُبن.

إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النحل: 105)

شرح الكلمات:

عذاب: راجع شرح الكلمات للآية رقم 51 من سورة الحِجر.
أليم: الأليم: الموجِعُ (الأقرب).

التفسير:

أي أنهم رغم رؤية الآيات والمعجزات العظيمة يثيرون اعتراضات سخيفة، وبدلاً من قبول هذا التعليم السامي يضحكون عليه ويسخرون، فلا بد أن يحل بهم عذاب مؤلم.

إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (النحل: 106)

التفسير:

لقد قدّم الله هنا حياة نبيه دليلاً على صدقه، ليقيم الحجة على الكافرين، فقال: إنما يمكن أن يكذِب على الله من لا يؤمن بقدرته ، ولكن محمدًا رسولَ الله قد نذر نفسه لتوطيد عظمة الله وجلاله في الدنيا، بل يدعو الآخرين إلى تعظيمه ؛ فلا جرم أنه لا يعترض على مثل هذا الإنسان إلا من اسودّ قلبه كليةً.
والمعنى الآخر هو أنه لا يمكن أن يتجاسر على الافتراء على الله إلا من هو كذاب بالعادة، ولكنكم أنفسكم تشهدون أن محمدًا قد عاش بينكم صدوقًا.

لا جرم أن هذا النبأ القرآني من العظمة والروعة بمكان، وتزداد عظمته أكثر عندما نرى أن القرآن الكريم قد أخبر بارتداد هذا المرتد في الفترة المكية حين لم يكن قد تشرّف بعد بكتابة الوحي القرآني، كما أشار القرآن أيضًا إلى الحجة التي سيبرر بها هذا الشخص ارتداده.

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (النحل: 107)

شرح الكلمات:

مَنْ: يُعبَّر به عن الواحد والجمع (المفردات).
أُكْرِهَ: أَكرهَه على الأمر: حمَله عليه قهرًا. أَكرهَ فلانًا: حمَله على أمر يَكـرهه – وقيل – على أمر لا يريده طبعًا أو شرعًا، فهو مكرِهٌ وذاك مكرَهٌ (الأقرب).
قلبه: القلب: الفؤادُ؛ وقد يطلَق على العقل، وجمعه قلوب (الأقرب).
مطمئنٌّ: اطمأنَّ إلى كذا: سكَن وآمنَ له (الأقرب).
غضبٌ: الغضب: ثوَرانُ دمِ القلب إرادةَ الانتقام، وإذا وُصف اللهُ تعالى به فالمراد به الانتقام دون غيره (المفردات).

التفسير:

إلى هنا رد القرآن على اعتراض ضمني أثاره الكفار حين لفت أنظارَهم إلى الانتصارات التي تنتظر الإسلام في المستقبل، وساق الأدلة على أن مثل هذا الحشر الروحاني يقيمه الله تعالى دائمًا في الدنيا. وبما أن هذه الأنباء قد أدلى بها القرآن على غرار قصص الأنبياء السابقين وحالاتهم لذا لم يلبث الكفار أن قالوا: لقد كنا نعلم من قبل أن القرآن هو من تأليف شخص آخر يزوّد محمدًا بما ورد في كتب الأولين.
أما الآن فقد استأنف القرآن مرة أخرى الحديثَ عن الانتصارات الإسلامية، وأخبر المسلمين أن الترقيات لا تكون مصحوبة بالأمن دائمًا، بل قد تتسبب في بعض الفتن وتثير حماس المعارضين للانتقام، فعليكم أن تحافظوا عندئذ على إيمانكم بشكل خاص. كما نبّههم أن من يرتدد منكم عن دينه لمصلحة دنيوية فسوف يعذَّب عذابًا عظيمًا.
وأرى أن هذه الآية كانت تنطوي على نبأ عن ارتداد عبد الله بن أبي سرح، كما أسلفتُ. فبالإضافة إلى ما ذكرته من قبل من علاقة هذه الآية بما قبلها فبينهما صلة أخرى، وهي أن الكفار كما اتهموا النبي بالتعلم على يد العبد «جبر» ليثبتوا أن القرآن كلام البشر، كذلك أرجع ابن أبي سرح ارتداده إلى أن القرآن ليس بكلام الله، بل هو كلام البشر.
لا جرم أن هذا النبأ القرآني من العظمة والروعة بمكان، وتزداد عظمته أكثر عندما نرى أن القرآن الكريم قد أخبر بارتداد هذا المرتد في الفترة المكية حين لم يكن قد تشرّف بعد بكتابة الوحي القرآني، كما أشار القرآن أيضًا إلى الحجة التي سيبرر بها هذا الشخص ارتداده.
ولعل قوله تعالى إلا مَن أُكرهَ وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان إشارة إلى «جبر»، فربما لم يجهر هذا بإسلامه بشجاعة خوفًا من اضطهاد الكفار. هناك روايات تقول إن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر (تفسير الرازي)، ولكن يبدو من السياق أنها تنطبق على «جبر» أكثر.
لقد بسط المسيحيون ألسنتهم بالطعن في هذه الآية أيضًا فقالوا إن الإسلام يعلّم الجبن ويسمح بالارتداد اتقاءً من الاضطهاد (تفسير القرآن لـِ «ويري»).
الحق أنه قولٌ باطل كمطاعنهم الأخرى، لأن الله تعالى لم يعلن هنا قط أنه سيغفر للمرتد جريمته، بل يقول فقط: إلا مَن أُكرهَ وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان ، أي أنه تعالى ما استثنى المرتد من العقوبة، وإنما فرّق بين فئة المرتدين والفئة السالفة، معلنًا أن الحكم فيهم سيصدر بعد قليل.

ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (النحل: 108)

شرح الكلمات:

استحبُّوا: استحبَّه: أحبَّه؛ استحسنَه. واستحبَّ الكفرَ على الإيمان: آثَرَه عليه (الأقرب).

التفسير:

لقد بين القرآن الكريم هنا أن الإسلام حق نزل من عند الله تعالى، فلا يمكن أن يرتد أحد عنه مللاً منه، بل كل من يرتد عنه إنما يفعل ذلك لغرض دنيوي، وأنَّى لهذا الشخص أن يتوقع من الله جزاء حسنًا.
لقد رد الله هنا على زعم ابن أبي سرح بأنه ارتد عن الإسلام لأنه وجد القرآن كلام البشر. يقول تعالى إن هذا يخفي السبب الحقيقي لارتداده وهو المطامع الدنيوية.

أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ* لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (النحل: 109-110)

شرح الكلمات:

طَبَعَ: طبَع الشيءَ: صوّره بصورة ما. طبَع عليه: ختَم عليه. طبَع الله الخلقَ: خلَقهم. طبَع السيفَ: عَمِلَه وصاغَه. طبَع الدرهمَ: نقَشه وسَكَّه (الأقرب).

التفسير:

يقول الله تعالى إن الذين يرتدون عن دين الحق من أجل المكاسب المادية، لا بسبب خطأ في الفهم، نطبَع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، لأنهم ضربوا أسوأ مثال للأخلاق الذميمة، وآثروا المنفعة القليلة على نعمة كبرى.
وأضاف قائلا: لا جَرَمَ أنهم في الآخِرةِ هم الخاسرون .. أي ما دمنا نذيق هؤلاء الأشقياء أنواع الخزي والهوان في الدنيا فأي شك في أنه ليس لهم في الآخرة إلا العذاب، لأنها المكان الحقيقي للعقوبة على مثل هذه المعاصي.

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (النحل: 111)

شرح الكلمات:

فُتِنوا: فتَن زيدٌ عمرًا فَتْنًا وفتونًا: أوقَعَه في الفتنة ففتَن هو أي وقَع فيها، لازمٌ ومتعدٍّ. فتَنه: أعجبَه. فتَن المالُ الناسَ: استمالَهم. فتَنه فتنةً: خبَره. فتَن فلانًا عن رأيه: صدَّه. فتَن الصائغُ الذهبَ والفضة: أذابَه وأحرقَه بالنار ليَبين الجيدُ من الرديء ويُعلَم أنه خالص أو مشوب. وفُتِنَ الرجلُ في دينه: مالَ عنه. فُتن فلان: أصابته فتنةٌ فذَهَبَ مالُه أو عقلُه، وكذلك إذا اختُبر (الأقرب).
جاهَدوا: جاهَدَ في سبيل الله مجاهدةً وجهادًا: بَذَلَ وُسْعَه. جاهد العدوَّ: قاتلَه (الأقرب).

التفسير:

لقد أصدر الله هنا حُكمَه في الذين استثناهم من قبل بقوله إلا من أُكرهَ وقلبُه مطمئن بالإيمان ، وهذا الحكم هو أن من لم يقدر على تحمل اضطهاد الكفار وارتكب خطأ الارتداد في الظاهر بينما قلبُه مرتاح بالإيمان فعليه بما يلي:
أولاً- أن يهاجر من الأرض التي أعلن فيها ارتداده خوفًا من أهلها.
ثانيًا- أن يعمل على نشر الدين وكأنه قد نذر نفسه لنصرته.
ثالثًا- أن لا يتوقف عن هذه المجاهدة، بل يظل صابرًا عليها ومثابرًا، حتى يكفّر عن ارتداده بهداية الآخرين.
رابعًا- أن لا يعود لمثل هذا الخطأ أبدًا.
فلو فعَل ذلك كله فسوف يشمله الله برداء مغفرته.
فثبت أن توبة المرتد لا تُقبَل إلا بعد هذه التضحيات كلها. إذن أفليس من الظلم العظيم أن يرمي القسيسون الإسلام بأنه سمح بالارتداد في الظاهر اتقاءً من عدوان المعتدين (تفسير القرآن لـِ «ويري»)؟! وهذا واحد من الاعتداءات الكثيرة التي لم يزل هؤلاء المسيحيون يرتكبونها ضد الإسلام.

يقول الله تعالى إن الذين يرتدون عن دين الحق من أجل المكاسب المادية، لا بسبب خطأ في الفهم، نطبَع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، لأنهم ضربوا أسوأ مثال للأخلاق الذميمة، وآثروا المنفعة القليلة على نعمة كبرى.

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (النحل: 112)

شرح الكلمات:

تُجادل: جادَلَه مجادلةً وجِدالاً: خاصمَه شديدًا (الأقرب).

التفسير:

لقد وردت كلمة يومَ هنا ظرفًا لقوله تعالى من قبل: إن ربك من بعدها لغفور رحيم .. أي في يوم القيامة الذي ستهتم فيه كل نفس بحسابها بكل جدية ولن تدّخر وسعًا للتخلص من العقاب بأية وسيلة.. سيجد هؤلاء – الذين تخاذلوا ولم يُبدوا الشجاعة الإيمانية مؤقتًا ثم ما زالوا في الإصلاح والتوبة وبذل التضحيات طيلة الحياة كفارةً لخطئهم – اللهَ غفورًا رحيمًا.
فلينظر الذين يستنتجون من آية الارتداد أن الإسلام يعلّم الجبن.. إلى حجم التضحيات التي يطالَب بها المرتدون. كيف يمكن للذي يدرك كبر هذه المسئولية أن يفكّر في الارتداد؟ أنَّى للجبان أن يغادر وطنه، ويجاهد في سبيل الله، ويُوطّن نفسه على القيام بهذه الأعمال طيلة الحياة؟ إنه لا يوفَّق لهذه الأعمال العظيمة إلا الذي صَدَرَ عنه هذا التقصير لتساهل عابر، أو الذي يتوب بعد ارتكاب الخطأ توبة صادقة.
في عهد سيدنا عمر أسلم أحد المرتدين المتنبئين هو طُليحة بن خويلد الأَسدي، ويبدو أن ما عامَلَه به عمرُ هو تفسير لهذه الآية. لقد خاض طليحة بعضَ المعارك ضد المسلمين، ثم تاب وأراد أن يدخل في الإسلام، ولكن عمر لم يعف عنه. وتصادف بعدها أن اشتبك الصحابي شُرَحْبيل بن حسنة في إحدى الحروب مع أحد القادة الكافرين، وكان شُرَحْبيل نحيف الجثة وضعيفًا فيما يبدو، ولكنه كان ماهرًا في فن القتال بالسيف، فلما رأى الكافر أنه عاجز عن التغلب على شرحبيل ضربًا بالسيف تقدم وبطَشه بيديه ورمى به الأرض. وكاد الكافر أن يجهز عليه بيدَ أن طليحة – الذي كان مسلمًا بقلبه ولكنه كان لا يزال في صفوف الكفار لأن سيدنا عمر لم يقبل توبته – حين رأى هذا المشهد لم يستطع أن يكتم إيمانه أكثر، فبادرَ وضرَب عنقَ صاحبِه الكافر، وخلّص شُرَحْبِيل من الموت المحقَّق. وتأثر المسلمون من ذلك جدًّا وشفعوا لطليحة عند عمر رضي الله عنه بالعفو عنه. فقال عمر: سأعفو عنه شريطة أن يقضي باقي حياته في الجهاد مرابِطًا على حدود الدولة الإسلامية. فقضى طليحة باقي أيام حياته مُرابطًا على الحدود، محاربًا الكفار في سبيل الله تعالى، وقضى نحبه مجاهدًا. لا شك أن ارتداده عن الإسلام كان عن عمد، إلا أنني أرى أن سيدنا عمر اقترح له هذه العقوبة مستدلاً بالآية السالفة.

Share via
تابعونا على الفايس بوك