رَمَضَانُ وَسَبِيلُ النَّجَاة

التحرير

  • رمضان فرصة جديدة سنحت لنا يرد الله لنا بها الكرة على النفس الأمارة
  • من إنجازات المتطرفين المشهودة في رمضان
  • الاضطهاد المنظم للمسلمين الأحمديين
  • ما حقيقة تصفيد الشياطين في شهر رمضان؟!

من دواعي شكر الله تعالى على نعمه الكثيرة أن وفقنا لشهود هذا الشهر الفضيل في هذا العام، متيحا بهذا فرصة جديدة، ليرد لنا بها الكرَّة على الشيطان في تلك الحرب التاريخية المسجلة في سجل الخليقة منذ صدور البيان الرباني:

إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة: 31).

وطالما مرت علينا السنون، وفي كل رمضان نستجمع قوانا الروحانية، ونعقد مع الله تعالى العهود والمواثيق بالصمود أمام هجمات الشيطان المراوغ والمترصد. فنستمد قوة لمصارعة الشيطان والتغلب عليه في هذا الشهر الفضيل.
يهل هلال رمضان هذا العام والمسلمون تتدنَّى بهم الحال، من سيئ إلى أسوأ، وعلى شتى الأصعدة، اقتصادية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو فكرية، حتى لقد ابتلوا بالمخالفة السافرة لأوامر الله تعالى ونواهيه الواضحة، فبدلا من أن يكون شهر رمضان شهرا مكرسا لكبح جماح الأمارة وإخماد نيران شهواتها المستعرة، نجد عامتهم ودهماءهم، بتحريض مشايخهم وأحبارهم، في هذا الشهر بالذات ضيقي الصدر سراع الحَمية حمية الجاهلية، يؤذون من يجاهر بالفطر نهارا، وإن كان مريضا أو مسافرا، بل حتى ولو كان على غير دين الإسلام. وقد زادوا طين حالهم بلة في شهر الصيام هذا العام بجريمتين شنيعتين، أولاهما في إندونيسيا، حين شن متطرفون هجوما ضاريا شرق منطقة لومبوك على بيوت عائلات حديثة العهد بالأحمدية، مما ألحق أضرارا جسيمة بالممتلكات. وفي سياق متصل من الاضطهاد المنظم، وفي باكستان تحديدا، داهم حشد من المتطرفين في سيالكوت المسجد المبارك ليلا، ومارسوا فيه ما اشتهته نفوسهم السبعية من ألوان التخريب، والذي بدا حتى في تمزيقهم المتعمد لمصاحف القرآن المجيد، كل هذا في شهر الصيام، وفي أيام الرحمة منه فبأي وجه يا ترى يسألون الله تعالى الرحمة؟!

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (البقرة: 115).

وليس من قبيل شماتة القول بأن خزي هؤلاء المدّعين بالإسلام بادٍ للعيان، والشواهد أكثر من أن تحصى.
وبالعودة إلى مقاصد الصيام، التي يعد أبرزها على الإطلاق قتل النفس السبعية فينا، الأمر الذي يكون مؤداه نمو جنين التقوى بسلام، مما يصب في المحصلة في تحقق الغاية من شعيرة الصيـــــــام، أي لعلنــــــا نتقي، كما يقول تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة: 184)

فالعلة الأساسية وراء تشريع الصيام هي إنبات بذرة التقوى في القلوب، وبغير تحقق تلك الغاية، لا يُنتظر إحراز مقاصد الصيام كما أرادها الشارع الحكيم جل جلاله.
إن صيام رمضان إيمانا واحتسابا يؤدي بالصائم إلى إحداث تغيير جذري في نفسه، فيُصفّد الشيطان وتُقرّب الجنة، ولكن لأولئك الذين يسعون لإحداث تغيير طيب في حالهم، باذلين قصارى جهودهم لإخضاع كل قولهم وعملهم لرضا الله تعالى، وساعين للتقرب إليه والخضوع لحكمه حتى يغترفوا من بحار رحمته ومغفرته العميقة، تلك الرحمة والمغفرة التي تتضاعف في هذه الأيام مقارنة مع سائر أيام العام، فيسحقوا ما نصبته أنفسهم من آلهة تُناوئ الله تعالى بطريقة شعورية أو لا شعورية، ويَذْرُوهُ في الهواء. لو بذل كل امرئٍ سعيه على هذا النحو فإنه يُمنَحُ من الله تعالى القوة التي بها يُصفِّد الشياطين، فالشيطان لا يُصفَّد من تلقاء نفسه، وإنما بيد المؤمن الساعي فعلا إلى تصفيده، وبالاستعانة بالله سبحانه وتعالى مُعيذنا الوحيد من الشيطان الرجيم.

فالعلة الأساسية وراء تشريع الصيام هي إنبات بذرة التقوى في القلوب، وبغير تحقق تلك الغاية، لا يُنتظر إحراز مقاصد الصيام كما أرادها الشارع الحكيم جل جلاله.

وفي عدد مجلة التقوى لشهر يونيو/تموز 2018 يطالع القارئ الكريم باقة من المواد المعرفية التي تحتفي بدخول هذا الشهر الفضيل، وعلى رأس تلك المواد أبيات مقتطفة من قصيدة نظمها سيدنا المسيح الموعود باللغة العربية تظهر أن من البركات الرمضانية بعثته في الأمة المحمدية، بالإضافة إلى خطبة من خطب الجمعة لسيدنا الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز)، يركز فيها حضرته على المقصد الأساسي من تشريع الصيام، وهو خلق التقوى في القلوب، فيذكر حضرته ما مفاده أن رمضان فرصة مواتية لاستعادة تقوانا المفقودة، تلك التقوى نفسها التي لأجل استعادتها بعث الله تعالى لنا المسيح الموعود . وفي سياق الحديث عن الحكمة من تشريع الصيام، ودوره في كبح ثوائر ذئب النفس الأمارة، نصطحب القارئ الكريم في رحلةِ تقصٍّ للحقائق موغلين في أعماق القصة القرآنية عن يوسف وإخوته، وسيدرك القارئ بنهاية تلك الرحلة الاستقصائية أن هؤلاء الإخوة تحت تأثير القوى الغضبية كانوا كذئب أكل أخاهم. وفي سياق هذا المقال نطلع على أقوال المسيح الموعود الداعمة للفكرة، كتعريفه الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ بأنهم أولئك الذين يستعملون قوة غضبهم بما يخالف مرضاةَ الله، وهكذا ينقادون للقُوى السبُعِية فيهم. ولأن الشيء بالشيء يُذكَرُ، فمن المستحسن في هذا المقام التطرق إلى شيء من السيرة المطهرة لسيدنا المسيح الموعود ، وبالأخص فترة صومه المبارك في هوشياربور، وكيف أن ذلك الصوم أثمر من البركات ما لا تزال جماعتنا الإسلامية الأحمدية ترفل في نعمه حتى اليوم.

اللهم أهِلَّ الشهر الفضيل علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام. وفرج كروب المسلمين واهدهم سواء السبيل، آمين.